عاد ملف الاختلاسات المالية التي هزت فرع بنك الاتحاد المغربي للأبناك (UBM) بمدينة تطوان إلى الواجهة من جديد، بعد أن قررت إحدى المتضررات تصعيد مسارها إلى مؤسسة وسيط المملكة، عقب مرور أكثر من عامين على بداية محاولاتها لاسترجاع باقي أموالها، دون أن تتمكن من الوصول إلى تسوية نهائية مع المؤسسة البنكية، مشككة في معايير تعويض الزبناء.
وتقول المتضررة، وهي مغربية مقيمة بالخارج، إن محاولاتها المتكررة لدى إدارة البنك وعدد من الجهات والمؤسسات المعنية لم تفض، إلى حدود نهاية غشت 2026، إلى حل نهائي لملفها، رغم حصولها في وقت سابق على جزء من الأموال التي تقول إنها فقدتها في سياق القضية، ورغم ما تؤكد أنه وعود متكررة من جانب البنك بتسوية ما تبقى من مستحقاتها.
ويتركز اعتراض المعنية، في آخر مراسلاتها، على سؤال تعتبره جوهريا في تدبير هذا الملف، وهو “على أي أساس تمت تسوية ملفات بعض المتضررين، في حين لا تزال ملفات متضررين آخرين عالقة، من بينهم ملفها”، وفق تصريحها لجريدة “العمق”.
وفي مراسلة وجهتها إلى إدارة البنك بتاريخ 28 غشت 2026، أفادت المتضررة بأنها كانت قد تلقت تأكيدا بأن المبلغ المتبقي من أموالها سيتم إرجاعه خلال شهر غشت، غير أنها تقول إن ذلك لم يتم إلى تاريخ توجيه المراسلة.
وتشير المعنية إلى أن هذه الوعود ليست الأولى، إذ تؤكد أن ملفها عرف، منذ ماي 2024، سلسلة من التأجيلات والمواعيد التي لم تفض، بحسب روايتها، إلى تنفيذ فعلي، الأمر الذي جعلها تعتبر أن الأمر يتجاوز مجرد التأخر الإداري إلى ما تصفه بـ”المماطلة والشكوك حول معايير تعويض الزبناء”.
وتقول المتضررة إنها لم تعد مستعدة لقبول وعود جديدة دون آجال واضحة، مطالبة البنك، في حال وجود قرار فعلي بتسوية ملفها، بتمكينها كتابة من تاريخ محدد لتحويل المبلغ المتبقي، مع التشديد على أن الأموال موضوع النزاع تعود إليها بشكل مشروع، وأنها جمعتها خلال سنوات عملها بالخارج وحولتها إلى المغرب على أساس الثقة في المؤسسة البنكية.
كما تشير، وفق روايتها، إلى أن أحد مسؤولي البنك سبق أن طلب منها الإدلاء بوثائق مرتبطة بمصاريفها الصحية، في إطار المساعي الرامية إلى تمكينها من استرجاع أموالها، وهو ما تعتبره سببا إضافيا لطرح أسئلة حول طبيعة المعايير المعتمدة في معالجة ملفات المتضررين.
لماذا عُوّض البعض دون الآخر؟
غير أن جوهر التصعيد الجديد لا يتعلق فقط بالمبلغ الذي تقول المتضررة إنه لا يزال عالقا، وإنما أيضا بما تعتبره “تفاوتا في طريقة التعامل مع ملفات المتضررين”.
وتقول المعنية إنها وقفت، خلال مسار متابعتها للملف، على حالات تمكن فيها أصحابها من استرجاع مبالغ مالية أكبر دون أن يسلكوا أي مسار إداري أو قضائي، بينما بقيت هي في انتظار تسوية وضعيتها رغم لجوئها إلى مختلف المساطر المتاحة، سواء أمام البنك أو الجهات القضائية والإدارية المختصة، وفق تعبيرها.
وتتساءل في حديثها للجريدة عن المعايير التي اعتُمدت لتحديد الملفات التي تمت تسويتها، وما إذا كانت هناك شروط أو معايير قانونية وتقنية موحدة تنطبق على جميع المتضررين، أم أن لكل ملف خصوصيات تفسر اختلاف مآله.
وتطالب فيهذا الصدد بتوضيح الأساس الذي تمت بموجبه إعادة مبالغ لبعض الأشخاص دون آخرين، خصوصا في الحالات التي تقول إنها لم تكن مرتبطة، وفق ما اطلعت عليه، بشكايات أو مساطر قضائية مماثلة.
وتقول المتضررة إن هذه المعطيات تجعلها تشكك في معايير تسوية ملفات المتضررين، مشددة على ضرورة اطلاعها على المعايير الحقيقية التي حكمت عملية معالجة الملفات، حتى يكون بإمكان المتضررين فهم أسباب اختلاف النتائج بين الحالات.
مراسلة وسيط المملكة
وفي خطوة جديدة، لجأت المعنية إلى مؤسسة وسيط المملكة، ملتمسة التدخل من أجل فحص ملفها ومراسلاتها والوقوف على أسباب عدم تسوية وضعيتها بشكل نهائي.
وتوضح في شكايتها إلى وسيط المملكة، تتوفر “العمق” على نسخة منها، أنها سبق أن راسلت مجموعة من الجهات، من بينها البنك والجهات القضائية والإدارية المعنية، كما تشير إلى مراسلاتها مع بنك المغرب، دون أن تتمكن من الوصول إلى نتيجة نهائية تنهي النزاع، بحسب إفادتها.
وتطلب من مؤسسة الوسيط، على الخصوص، دراسة ملفها بشكل مستعجل، والتدخل لدى الجهات والمؤسسات المعنية من أجل الاطلاع على الوثائق والمعطيات الكاملة المرتبطة بحساباتها وملفها لدى البنك، وتحديد أسباب عدم صرف باقي المبالغ التي تعتبرها مستحقة لها.
كما تلتمس المعنية حث الجهات المعنية على الوصول إلى تسوية نهائية، وتمكينها من المبالغ التي تثبت الوثائق أحقيتها فيها، مع ترتيب الآثار القانونية والمالية المترتبة عن التأخير في معالجة الملف.
وتطالب كذلك بجواب كتابي ومعلل حول مآل شكايتها، موضحة أنها وضعت رهن إشارة الجهات المعنية الوثائق والمراسلات التي تقول إنها تثبت مختلف الخطوات التي قامت بها منذ بداية النزاع.
عامان من المسار
وتعود بداية الملف، وفق المعطيات التي سبق أن عرضتها “العمق المغربي”، إلى سنة 2024، عندما تفجرت قضية اختلاسات مالية داخل فرع UBM بتطوان، وأسفرت المرحلة الأولى من الملف القضائي عن أحكام ثقيلة في حق المسؤول الجهوي السابق للبنك، وموظف آخر، قضت بسجن كل واحد منهما لمدة 12 سنة، وغرامة قدرها 100 ألف درهم، إلى جانب تعويض مدني مشترك لفائدة البنك حدد في 320 مليون سنتيم، وذلك على خلفية تهم شملت اختلاس وتبديد أموال والتزوير في وثائق بنكية والتدخل في نظم المعالجة الآلية للمعطيات.
وفي مرحلة لاحقة، فتح ملف قضائي ثان أمام غرفة الجرائم المالية بمحكمة الاستئناف بالرباط، يضم عددا من المتابعين والمتضررين والمصرحين، ويرتبط بدوره بأفعال تتعلق بالاختلاس والتبديد والتزوير واستعمال وثائق بنكية مزورة والمشاركة فيها، بحسب المعطيات التي سبق أن نشرتها الجريدة.
وكانت المتضررة قد أكدت في تصريحات ومراسلات سابقة أنها رغم الاستماع إليها في بداية الملف من طرف الفرقة الوطنية الشرطة القضائية، وجدت نفسها خارج لائحة المتضررين في المرحلة الأولى، قبل أن يتم إبلاغها بأن ملفها يدخل ضمن الملف القضائي الثاني.
كما سبق لها أن أفادت بأنها استرجعت جزءا من أموالها بعد مسار طويل، فيما لا تزال تعتبر أن جزءا مهما من مستحقاتها لم تتم تسويته بشكل نهائي.
رواية البنك
وكان بنك الاتحاد المغربي للأبناك قد رد، في أعقاب نشر “العمق المغربي” لتقرير سابق حول الموضوع، موضحا أنه التزم بتسوية الوضعيات البنكية للزبناء المعنيين “في حدود ما تسمح به مراكزهم القانونية وعلى ضوء الوثائق المثبتة للحقوق”، نافيا وجود أي تأخير أو انتقائية في معالجة الملفات.
وأوضح البنك حينها أن عمليات التسوية تمت، رغم استمرار التحقيق القضائي، بالاعتماد على تصريحات كتابية بمثابة إبراءات في حدود المبالغ المؤداة، مشيرا إلى أن التحقيقات الداخلية استمرت، سواء بمبادرة منه أو في إطار الأبحاث الموجهة من طرف السلطات المختصة، بهدف التحقق من مشروعية الملفات المتبقية.
كما أفاد بأن لجنة داخلية اعتمدت مقاربة قانونية وتقنية صارمة لجمع المعطيات والتحقق منها والتأكد من انسجامها، وأن كل ملف تتم معالجته، بحسب المؤسسة، على أساس موضوعي وبعيدا عن أي “تماطل أو انتقائية”.
وأشار البنك كذلك إلى أن بعض الزبناء اختاروا سلوك مساطر مدنية أو تجارية مستقلة، عوض الانتصاب كطرف مدني في الملف الجنائي، مؤكدا في الوقت نفسه انفتاحه على تلقي أي أسئلة إضافية من الأشخاص المعنيين.
غير أن المتضررة تعتبر أن هذا الرد لم يجب، بحسب تقييمها، عن السؤال الأساسي الذي تطرحه منذ مدة: ما هي المعايير الدقيقة التي تحدد سبب تسوية ملف متضرر دون آخر، وما الذي يفسر استمرار وضعيتها رغم استكمالها، وفق قولها، مختلف الإجراءات والمراسلات.
معايير التعويض
وبينما تصر المتضررة على أن أموالها لا تزال عالقة رغم مرور أكثر من عامين على بداية النزاع، فإن جوهر الملف لم يعد، في نظرها، مقتصرا على استرجاع المبلغ المتبقي، وإنما أصبح مرتبطا أيضا بكيفية تدبير ملفات المتضررين ومعايير التسوية المعتمدة بينهم.
وتطرح في هذا السياق أسئلة حول ما إذا كانت الملفات تخضع فعلا لمعايير موحدة ومعلنة، وما هي طبيعة الوثائق والمعطيات التي يتم اعتمادها للحسم في أحقية كل متضرر، وما إذا كانت الاختلافات بين الحالات تعود إلى وضعيات قانونية مختلفة أم إلى عناصر أخرى.
كما تثير، في مراسلتها الأخيرة، تساؤلات بشأن ما تعتبره تفاوتا في سرعة معالجة الملفات، وتتساءل عن ظروف تسوية بعض الحالات التي تقول إنها كانت مرتبطة بأشخاص لهم علاقات سابقة بمسؤولي البنك، وهي نقطة تطرحها المعنية باعتبارها ادعاء يستوجب، في حال ثبوت وجود معطيات داعمة له، التحقق من الجهات المختصة، وليس باعتبارها واقعة محسومة.
وتقول المتضررة إنها لم تعد ترغب في الاكتفاء بإجابات عامة، مطالبة بتوضيحات مكتوبة ومحددة تمكنها من معرفة الأسباب الفعلية التي تحول دون تسوية باقي مستحقاتها.
ويأتي تصعيد المتضررة إلى مؤسسة وسيط المملكة في سياق مسار طويل من المراسلات والشكايات، شمل، وفق الوثائق التي سبق أن عرضتها، إدارة البنك، وبنك المغرب، والجهات القضائية، إلى جانب مراسلة مؤسسات تعنى بقضايا المغاربة المقيمين بالخارج.
وتؤكد المعنية أن استمرار الوضع دون تسوية نهائية ألحق بها، بحسب قولها، أضرارا مالية ومادية ومعنوية، فضلا عن تكاليف التنقل والمراسلات والإجراءات التي تقول إنها اضطرت إلى تحملها لمتابعة ملفها.
المصدر:
العمق