آخر الأخبار

الحكم الذاتي في البرامج الانتخابية.. هل انتقلت الأحزاب من الشعارات إلى الرؤية؟

شارك

سجل تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، باهتمام بالغ الحضور المتنامي لقضية الصحراء المغربية ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية ضمن البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية المغربية، بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، معتبرا ذلك تطورا يستحق التسجيل الإيجابي، وإن كان يستدعي في الآن ذاته وقفة نقدية مسؤولة تعبر عن صوت الفاعل المدني الصحراوي الذي يعيش يوميا تفاصيل هذا الملف على أرض الواقع.

وثمن التحالف المدني، على لسان كاتبه العام عبد الوهاب الكاين، المسار الدبلوماسي الذي بلغ ذروته بتبني مجلس الأمن الدولي، في 31 أكتوبر 2025، القرار رقم 2797، الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا واقعيا وحيدا لتسوية هذا النزاع المفتعل، وأزال نهائيا سراب خيار الانفصال الذي طال التعويل عليه من طرف أطراف معروفة، منوها في الوقت ذاته بالانفتاح غير المسبوق الذي أبدته المؤسسة الملكية، من خلال دعوة الأحزاب السياسية الوطنية، في نونبر 2025، إلى الإسهام في تحيين وصياغة تفصيلية للمبادرة، في خطوة اعتبرها المصدر ذاته اعترافا ضمنيا بأن مستقبل الصحراء لا يمكن أن يختزل في تفاهمات دبلوماسية معزولة عن النسيج السياسي والمجتمعي الوطني.

وأبدى المصدر ذاته إثر تتبعه الدقيق للبرامج الانتخابية المطروحة اليوم على الساحة، جملة من الملاحظات التي يراها جوهرية وليست تفصيلية، حيث سجل أن أغلب الأحزاب اكتفت بترديد الالتزام بالسيادة الوطنية والدفاع عن المبادرة كصيغة عامة، دون أن تقدم تصورا مفصلا وملموسا لكيفية تنزيل نظام الحكم الذاتي، ولا سيما فيما يخص الصلاحيات التي ستنقل فعليا إلى المؤسسات الجهوية، والآليات التي ستضمن ممارستها بشكل حقيقي لا صوري.

وعبر التنظيم الصحراوي عن انشغاله العميق إزاء تحول التنافس الانتخابي في الأقاليم الجنوبية إلى “معركة” بين نخب وشبكات محلية على المقاعد البرلمانية الثلاثة عشر، في ظل تصاعد لافت لظاهرة الترحال السياسي، مبديا خشيته من أن يفرغ هذا الوضع القضية من محتواها الوطني الجامع، ويحولها إلى ساحة لتقاسم “الريع السياسي” بدل أن تكون مناسبة لبلورة رؤية تنموية وحقوقية حقيقية لصالح ساكنة الأقاليم الجنوبية.

وأكد عبد الوهاب الكاين، في تصريح لجريدة “العمق”، غياب أي تصور واضح في البرامج المطروحة حتى الساعة لكيفية إشراك ساكنة الأقاليم الجنوبية أنفسهم، لا ممثليهم السياسيين فقط، في صناعة القرار المتعلق بمستقبلهم، مشددا على أن الحديث عن قيادة وتدبير الحكم الذاتي أو الجهوية المتقدمة يظل حديثا نخبويا ما لم يترجم إلى آليات تشاور فعلية، وضمانات دستورية وقانونية تكفل تمثيلية حقيقية للسكان المحليين، بمن فيهم فعاليات المجتمع المدني، داخل مؤسسات الحكم الذاتي المرتقبة.

وذكرت المنظمة غير الحكومية بأن نجاح المسار الدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، لا يعفي أحدا من ضرورة معالجة الملفات الإنسانية العالقة، وفي مقدمتها ملف عودة ساكنة مخيمات تندوف إلى أرض الوطن في ظروف كريمة وآمنة، مسجلة أن هذا الملف يغيب بشكل شبه تام عن البرامج الانتخابية المطروحة، رغم كونه من صميم القضية الوطنية.

ووجه التحالف، رغم إقراره بالمجهودات التنموية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية في السنوات الأخيرة من موانئ وطرق ومحطات تحلية مياه البحر ومشاريع للطاقات المتجددة، دعوة صريحة لتتحول هذه الإنجازات من مادة للتباهي الانتخابي إلى أساس فعلي لعدالة مجالية تضمن للساكنة المحلية الاستفادة المباشرة من ثروات جهتهم، وتوفر فرص شغل حقيقية، وخدمات عمومية بالمستوى الذي تستحقه تضحيات هذه المنطقة عبر عقود.

وأوضح المصدر عينه أن هذه المشاريع الكبرى والمهيكلة التي تعرفها الأقاليم الجنوبية ليست مبادرات معزولة أو حصيلة ظرفية لحكومة بعينها، بل هي جزء لا يتجزأ من رؤية ملكية شمولية ومندمجة، تتجاوز غايتها تنمية الصحراء المغربية في حد ذاتها إلى جعل الأقاليم الجنوبية قاطرة حقيقية للتنمية نحو القارة الإفريقية، وجسرا استراتيجيا يربط المغرب بعمقه الإفريقي التاريخي والطبيعي، باعتبار ذلك إحدى اللبنات الأساسية للرؤية الملكية في تدبير الواجهة الأطلسية بما يعم بالنفع كافة الدول الإفريقية غير الساحلية والحبيسة.

ودعا الفاعل المدني الفاعلين السياسيين إلى تصحيح خطاباتهم وادعاءاتهم بخصوص هذا النموذج التنموي، والانتقال من “موقع صاحب المشروع”، الذي وصفه بأنه لا يستقيم مع الطبيعة الملكية الجامعة لهذا الورش الاستراتيجي، إلى موقعهم الطبيعي كجهة تنفيذية محلية، بحسب الاختصاص الترابي لكل منها، إلى جانب الإدارة الترابية والقطاعات التقنية ذات الصلة، التي يقع على عاتقها تنزيل محاور هذا المشروع الكبير على أرض الواقع.

وجدد التحالف، من موقعه كفضاء مدني، تمسكه الثابت بمغربية الصحراء وبمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية كحل عادل ونهائي وواقعي لهذا النزاع المفتعل، مهيبا بجميع الأحزاب السياسية المتنافسة أن ترتقي ببرامجها من مستوى الشعارات إلى مستوى الالتزامات القابلة للتقييم والمحاسبة، وأن تضع مشاركة الساكنة المحلية في صميم رؤيتها لتدبير المرحلة المقبلة، باعتبار ذلك الشرط الحقيقي لنجاح مسار الحكم الذاتي وترسيخه.

وأشار البيان إلى أن مبادرة الحكم الذاتي لم تعد موضوعا هامشيا أو تصريحيا محضا في البرامج الحزبية المغربية، بل أصبحت تحتل اليوم، بأشكال متفاوتة، صدارة برنامج حزبين على الأقل، وتنسج جزءا من سردية أحزاب حول التنمية الترابية، فضلا عن تأطيرها لجزء كبير من المعركة الانتخابية في الدوائر الانتخابية بالصحراء، مبرزا أن هذه الدينامية أفرزت مسلسلا تشاوريا حزبيا رسميا، وإن كان غير مباشر، لم يسبق له مثيل في تاريخ هذا الملف، مما يجعل الانتقال من موقف سياسي معلن إلى رؤية انتخابية انتقالا حقيقيا وموثقا بشكل جوهري.

واستدرك التقرير المدني موضحا أن عدة عوامل تعقد أي قراءة احتفالية لهذا الانتقال، أولها أن جل الأحزاب الكبرى تتبنى الحل الدبلوماسي نفسه، ما يجعل التمايز التنافسي حول قضية الصحراء المغربية يميل إلى الانصباب على حصيلة الإنجاز أو على حدة الخطاب في تملك الملف أكثر من انصبابه على الجوهر، محذرا من أن هذا النمط يحمل خطر اختزال النقاش في التنافس على الصورة الحزبية بدل التنافس على البدائل السياسية.

وتابع المصدر تحليله بالقول إن تسارع الترحال السياسي في الجنوب يوحي بأن القيمة الانتخابية لملف الصحراء تكمن، بالنسبة لشريحة معتبرة من النخب السياسية المحلية، في التوزيع المرتقب لرأس المال السياسي والاقتصادي بمجرد دخول نظام الحكم الذاتي مرحلة التنزيل، أقل مما تكمن في القناعة الإيديولوجية، واصفا هذه الدينامية بأنها تحمل خطر تحويل قضية وطنية إلى موضوع تنافس فصائلي.

وكشف التنظيم الصحراوي أن نجاح مبادرة الحكم الذاتي ذاته على مستوى الدبلوماسية الدولية، المتوج بالقرار 2797 وبقائمة متنامية من الاعترافات الدولية، يضيق، على نحو متناقض، هامش النقاش الانتخابي الحقيقي حول هذا الملف داخليا، مبرزا أنه حين يقدم إنجاز في السياسة الخارجية بوصفه إنجازا وطنيا محسوما ولا رجعة فيه، فإن قلة من الأحزاب تجد حافزا مؤسساتيا لمساءلة ما تبقى فيه من التباسات علنا، سواء تعلق الأمر بالنطاق الدقيق للصلاحيات المنقولة، أو الجدول الزمني وطرائق المراجعة الدستورية، أو معالجة ملف عودة ساكنة مخيمات تندوف، أو الأبعاد الحقوقية التي تثيرها منظمات المجتمع المدني.

وأضافت المنظمة أن انتخابات 2026 تقدم حالة موثقة وحقيقية لتغلغل قضية وطنية في البرامج الحزبية، غير أنها اعتبرت أن عمق هذا التغلغل يظل أكبر بكثير في مسألتي السيادة والبنية التحتية منه في مسألتي هندسة الحكامة والمشاركة الشعبية، وهما المسألتان اللتان حددتهما الدولة نفسها كمحور أساسي لمهمة البرلمان المقبل.

وخلص التحالف إلى أن التنافس على المقاعد البرلمانية الجنوبية يكشف في النهاية عن “معركة” تحركها بالأساس إعادة اصطفاف النخب والتنافس على الاعتراف بفضل الإنجاز التنموي، أكثر مما تحركها رؤى متباينة للحكامة الذاتية، مشيرا إلى أن البعد التشاركي المتمثل في مدى تشكيل ساكنة الأقاليم الجنوبية لطرائق تنزيل الحكم الذاتي يظل العنصر الأقل تطورا في كل البرامج المعروضة، لتظل مسألة تحول المبادرة إلى رؤية مكتملة البلورة لتوسيع حقيقي لصوت الساكنة في صنع القرار مسألة مفتوحة وذات أهمية بالغة بالنسبة للبرلمان المقبل انتخابه.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا