يونس مجاهد
ما لم يتطرق إليه بيان وزارة الخارجية المغربية، الذي تم تعميمه يوم 10 شتنبر الأخير، لتحذير السياسيين الإسبان من خطورة ما يقومون به تجاه المغرب، هو المستوى المتدني للنقاش السياسي، في بلدهم، والذي يتم التعبير عنه في تصريحاتهم، حتى داخل البرلمان، الذي يتحول إلى حلبة للملاسنات، التي تصل إلى حد السب والقذف وتبادل الأوصاف المنحطة، حيث تم نعت رئيس الحكومة بيدرو شانتشيس، بالكلب، أثناء الجدل الذي أثارته، مؤخرا، أزمة سبتة المحتلة.
وقبل أن نستعرض الخلفيات السياسية والإيديولوجية، للخطاب الساقط، لأغلبية النخبة السياسية، تجاه المغرب، من المفيد أن نحاول فهم تدني المستوى السياسي في إسبانيا، بناء على معطيات بنيوية، تتجاوز الظرفيات، كما قدمها كتاب “حوار حول جودة النقاش العام في إسبانيا”، والذي جاء حصيلة لندوة علمية شارك فيها جامعيون وخبراء إسبان، أُقيمت في مؤسسة رفائيل ديل بينو في 30 نوفمبر 2015.
إعتبر المشاركون أن جزءا من مسؤولية محدودية الفضاء العام الإسباني إلى طريقة عمل المنظومة التعليمية ومساهمتها في تشكيل رأس المال البشري، فما زالت إسبانيا تجر خلفها العجز التاريخي في التعليم الأساسي الناجم عن التأخر في تعميم التمدرس، حيث لا يمتلك المتمدرسون والخريجون المعارف التي تمكنهم من أن يكونوا مواطنين واعين، ومستعدين للمشاركة العقلانية في النقاش العام، كما تشير دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE)، أن متوسط درجات الإسبان في التعليم هو الأدنى، إلى جانب الإيطاليين.
ففي النقاش العام، كثيرا ما يتم الخلط بين النقد وبين مجرد التعبير عن الاختلاف مع ما يطرحه الخصم أو المنافس، أو الهجوم والتحامل عليه، ولعل المساهمة المدرسية تظل ضئيلة لأن أساليب التدريس تتسم بالتراتبية الشديدة بل وبالتسلط، مما يحفز على الإذعان، فالطلاب لا يحصلون في النهاية على القاعدة المعرفية الكافية في العلوم الإنسانية التي تستخدم لتأسيس الانتقادات.
كما خلص المشاركون في هذه الندوة، إلى أن اختيار النخب في إسبانيا يتحقق، داخل المنظمات، ليس عبر إثبات الاستحقاق أو الكفاءات، بل من خلال إظهار الفضل والولاء للرئيس، وبناء على ذلك، لا يتوقع ظهور تعبيرات جلية على الرأي السديد والحر أو القادرة على الإقناع في الحوار العام، بل بالأحرى انكماشا وتراجعا إلى شعارات ومقولات جاهزة وأدبيات موجهة حزبية.
لقد تجلى هذا المستوى المتدني، في الخطاب السياسي الإسباني تجاه المغرب، ليس باعتباره مجرد انفعال عابر أو سوء اختيار لبعض العبارات، بل كثقافة عامة لدى أغلبية النخب، التي ضاعف من حدتها تلك البنية الذهنية التي لم تتخلص من الإرث الاستعماري. فالمغرب، وخصوصا قضايا احتلال سبتة ومليلية والهجرة، يمكن أن يتحول إلى مادة سهلة لاستثارة الناخب الإسباني، ولذلك قد يصبح الخطاب تجاه المغرب أكثر حدة كلما احتاج السياسي إلى بناء صورة المدافع عن إسبانيا، وعندما تدخل الأحزاب في مزايدة حول الوطنية، تصبح بعض القضايا الخارجية مجالا لإثبات من هو الأكثر إسبانية، من الآخر، وهنا يتحول المغرب إلى موضوع للاستهلاك السياسي الداخلي.
إن تدني مستوى الخطاب الإسباني تجاه المغرب لا يعكس فقط ضعفا في الممارسة السياسية، وإنما يكشف، أيضا، استمرار رواسب المخيال الاستعماري داخل المجال العام الإسباني، فحين تستدعى رموز الحرب لتأطير علاقة مع دولة مستقلة وذات سيادة، فإن الماضي الاستعماري يتحول من موضوع للذاكرة التاريخية إلى أداة للصراع السياسي في الحاضر، وهنا تظهر المفارقة بين ديمقراطية إسبانية حديثة، ومخيال سياسي لم ينجح، في تجاوز لغة الإستعمار.
وإذا كان الحزب الإشتراكي العمالي الإسباني، من صنع قادة تاريخيين، مثقفين وسياسيين، فإن قيادته الحالية، تنتمي لنخبة أكثر براغماتية، مرتبطة بإدارة السلطة والانتخابات والإعلام، وأقل استعدادا لمواجهة القضايا التاريخية الحساسة عندما تتعارض مع الحسابات السياسية الآنية، فهي أسيرة الحساب الانتخابي والهوية الشوفينية السائدة.
أما اليمين الممثل بالحزب الشعبي المعارض، فليس حزبا ليبراليا، كما هو متعارف عليه في أوروبا، بل هو وريث حزب الديكتاتور فرانكو، حيث خرج من رحم التحالف الشعبي، الذي أسسه قادة فرانكويون، بعد موت الديكتاتور، وتم تغيير الإسم، حتى يحظى بقبول من طرف الناخبين، الذين كانوا محرجين من خطيئة الميلاد. لكن اليمين المتطرف لا يخجل من هذه الخطيئة، بل يعلن ولاءه للفاشية والعنصرية بكل إفتخار.
هذه هي ملامح النخبة السياسية الإسبانية الحالية، التي يتموقع فيها أقصى اليسار، مزايدا على الجميع، بعد أن كان يشعر بالعار، بسبب ترك فرانكو يموت في سريره، وأخذت ملصقات البوليساريو، في غرفه ومقراته، تحل محل الملصقات التي كانت قد بدأت تصفر، ومعها بعض الملصقات الباهتة لتشي غيفارا، كما وصف ذلك الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو في كتاب تحت عنوان “مشكلة الصحراء”، نشر سنة 1979، والذي يفضح فيه كيف تبنى اليسار شعار “تقرير مصير الشعب الصحراوي”، الذي اخترعه فرانكو.
المصدر:
هبة بريس