عصام الوهراني
في الثالث والعشرين من شتنبر، سيتوجه أكثر من 15.8 مليون مغربي إلى صناديق الاقتراع لتجديد أعضاء مجلس النواب (395 مقعداً). لكن، لنكن صرحاء مع أنفسنا: المعركة الانتخابية هذه المرة لم تعد تُحسم في التجمعات الخطابية الصاخبة، ولا في “التبراح” بالأسواق الأسبوعية، ولا حتى بتلك الأكوام من الأوراق والملصقات التي تخنق جدران أحيائنا.
المعركة الحقيقية انتقلت إلى مكان آخر؛ إلى راحة يد كل مواطن، على شاشة هاتفه، في شريط بحث “غوغل”، و—هنا تكمن المفاجأة الكبرى— في الإجابات الجاهزة التي تقدمها روبوتات الذكاء الاصطناعي.
منذ انتخابات 2021 وحتى اليوم، عشنا ثورة صامتة في عاداتنا اليومية. كمغاربة، لم نعد نبحث عن المعلومة بنفس الطريقة. وإذا كان الفاعلون السياسيون قد بدأوا يستوعبون بالتدريج أهمية الـ SEO (تحسين الظهور في محركات البحث التقليدية)، فإن لاعباً جديداً اقتحم الميدان فجأة وفرض قواعده: إنه الـ GEO (Generative Engine Optimization)، أو فن انتزاع الصدارة داخل إجابات نماذج مثل ChatGPT وGemini وClaude.
حين ترقمنت الدولة… ولحق بها المواطن بسلاسة
المسار الانتخابي برمته في بلادنا قطع شوطاً كبيراً نحو الرقمنة؛ الترشيحات أصبحت تُودع إلكترونياً، ومغاربة العالم بات بإمكانهم التصويت بالوكالة عبر منصة «E-procuration» دون تعقيد، وبوابات مثل elections.ma أصبحت نقطة الانطلاق الأولى.
لكن الأهم من رقمنة الإدارة هو رقمنة عقلية الناخب نفسه. اليوم، حين يريد شاب من طنجة أو فاس أو أكادير معرفة «من يدافع عن ملف التشغيل؟»، أو يبحث عن «البرنامج الاقتصادي لحزب معين»، أو «من هو وكيل اللائحة في دائرتي؟»، فهو ببساطة لا يكلف نفسه عناء الذهاب لمقر الحزب أو انتظار منشور ورقي. هو يسأل هاتفه، وفي كثير من الأحيان، يفتح محادثة مع الذكاء الاصطناعي ويسأله مباشرة.
الـ SEO الانتخابي: إن لم تكن موجوداً لحظة السؤال، فأنت خارج اللعبة
محركات البحث التقليدية تظل هي الأساس الصلب. أي مرشح أو حزب يغيب عن نتائج البحث في اللحظة التي تشتعل فيها حيرة الناخب، هو مرشح يخسر صوته لصالح منافس حاضر بذكاء. في الميدان، يقوم هذا العمل على أربع ركائز لا تقبل الإهمال:
* التركيز المحلي الصارم: 305 مقاعد من أصل 395 تُحسم محلياً. إذا لم يظهر اسم المرشح مقترناً بحيه، دائرته، ومدينته، فهو يهدر طاقته. بطاقة Google Business محدثة وصفحات واضحة تتحدث عن مشاكل القرب (الصحة، النقل، البنية التحتية المحلية) تصنع كل الفارق.
* فهم ما يريده الناخب فعلاً: الناس لا تبحث عن بلاغات خشبية، بل تبحث عن حلول مباشرة: «كيف أصوت يوم 23 سبتمبر؟»، «أين يقع مكتبي؟»، «ما هي الوعود الخاصة بالشباب؟». من يملك إجابات واضحة ومقروءة لهذه الأسئلة يحصد اهتمام الناخبين.
* الهاتف ثم الهاتف: الغالبية الساحقة من المغاربة تتصفح عبر الهاتف وبشبكات 4G متقلبة أحياناً. الموقع البطيء أو غير المتجاوب مع الشاشات الصغيرة هو موقع “ميت” انتخابياً، مهما صرفت عليه من أموال.
* التحدث بلغة الناس: الناخب يبحث بالدارجة، بالعربية، بالأمازيغية، أو بالفرنسية. حصر التواصل بلغة نخبوية واحدة يعني عزل الحزب عن فئات عريضة، خاصة الشباب الذين يعبرون عن تساؤلاتهم بالدارجة المكتوبة.
الـ GEO: المنعطف الحقيقي الذي يجهله أغلب المرشحين
هنا بيت القصيد، وهنا ستقع المفاجآت. الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفاً للمهتمين بالتقنية؛ التلميذ والطالب يستعملانه لدراستهم، الموظف لعمله، والمواطن العادي لاستكشاف المشهد السياسي. حين يسأل ناخب روبوت الذكاء الاصطناعي: «قارن لي بين البرامج الانتخابية في قطاع الصحة»، فالإجابة التي ستظهر أمامه لا تأتي من فراغ، بل من المحتوى الذي قرأته هذه الخوارزميات وصنفته كمعطى موثوق.
وقواعد اللعبة هنا تختلف تماماً عن محركات البحث العادية:
* البيانات الدقيقة والأرقام: الذكاء الاصطناعي يكره الإنشاء والغموض. البرنامج المنشور بلغة واضحة، وأرقام محددة، وتواريخ واقعية يُلتقط ويُعرض فوراً، بينما يتم تجاهل ملفات الـ PDF المصورة أو فيديوهات الخطابات الطويلة.
* تقاطع المصادر: هذه الأنظمة ذكية بما يكفي لتقارن؛ إذا كان ما يقوله موقع الحزب ينسجم مع مقالات الصحافة وما هو مدون في الموسوعات، ستتبنى الفكرة بثقة. أما إذا وجدت تناقضاً، فستتجاهلك أو تحذر السائل من كلامك.
* منطق “السؤال والجواب”: هيكلة محتوى الحملة على شكل أسئلة شائعة (FAQ) هو تماماً ما تبحث عنه هذه الخوارزميات لتقدمه كإجابة جاهزة.
* معركة تُبنى قبل الحملة: خوارزميات الذكاء الاصطناعي لا تصنع سمعة مرشح في 12 يوماً. من انتظر انطلاق الحملة الرسمية في 10 شتنبر ليبدأ بضخ المحتوى تأخر كثيراً؛ فالمصداقية الرقمية تتراكم عبر أشهر من التواجد الرصين.
كيف نترجم هذا عملياً قبل إغلاق صناديق الحملة؟
مع اقتراب المهلة الفاصلة ليلة 22 شتنبر، وللاستحقاقات القادمة عموماً، يحتاج أي فريق تواصل سياسي لخطة طوارئ عملية:
* منصة رقمية سريعة وخفيفة جداً على الهاتف، واضحة الأقسام ومقسمة حسب الدوائر والقضايا.
* صفحة أسئلة شائعة شاملة ودقيقة تجيب عن: من هو المرشح؟ ما هي سيرته؟ ماذا يقترح واقعياً؟ وكيف يتواصل معه المواطن؟
* ترميز تقني ذكي للبيانات (Schema Markup) لتسهيل قراءة الصفحات على الروبوتات وفهم صفة كل شخص وحزب.
* مادة إعلامية رصينة؛ فظهور مقال موثوق في منبر صحفي معترف به يمنحك في خوارزميات الذكاء الاصطناعي وزناً يفوق عشرات المنشورات الممولة والمؤقتة.
* مواكبة مستمرة: أن يضع فريق الحملة نفسه مكان الناخب، ويسأل ChatGPT وGemini نفس الأسئلة ليرى ماذا يقال عن مرشحه، ويتدخل لتوضيح وتصحيح أي معطى مغلوط عبر القنوات المعتمدة.
كلمة لا بد منها حول المسؤولية والأخلاقيات
هذا التحول التقني سلاح ذو حدين، وتأطيره القانوني والأخلاقي واجب وطني. مقتضيات الصمت الانتخابي، وتدقيق التمويل، ومنع القذف والتضليل، تسري على العالم الافتراضي بنفس الصرامة. محاولة “تسميم” خوارزميات الذكاء الاصطناعي ببيانات كاذبة أو حملات تشويه وهمية سترتد على أصحابها عاجلاً أم آجلاً؛ فالأنظمة تتقاطع وتكتشف التناقضات، والمواطن المغربي بات يملك حساً نقدياً يميز به بين العمل الجاد والتلاعب الرقمي الرخيص.
نحن أمام أول استحقاق تشريعي مغربي نعيشه في ظل هذا الانفجار التكنولوجي. المعادلة باتت شديدة الوضوح: الـ SEO يحدد إن كان الناخب سيجدك حين يبحث عنك، والـ GEO يحدد كيف سيصفك الذكاء الاصطناعي حين يُسأل عنك.
المرشحون الأذكياء استوعبوا هذا الدرس، وانتقلوا لمخاطبة الناس حيث يقضون أوقاتهم فعلاً؛ أما من يراهن فقط على تلويث الجدران بملصقات لا يرفع أحد عينيه من شاشة هاتفه ليراها، فهو يخوض معركة في زمن مضى وانقضى.
المصدر:
هبة بريس