آخر الأخبار

أوروبا وفاتورة التاريخ .. لماذا تتحمل "شنغن" عبء الجيوب المستعمرة بإفريقيا؟

شارك

لطالما شكل البحر الأبيض المتوسط حدا جغرافيا طبيعيا وفاصلا منطقيا بين القارة الأوروبية ونظيرتها الإفريقية، لكن في خضم هذا الترتيب الجغرافي الواضح تبرز حالة شاذة تكلف الاتحاد الأوروبي سياسيا وأمنيا وماليا، ويتعلق الأمر بمدينتي سبتة ومليلية.

إن الوجود الإسباني في هاتين المدينتين الواقعتين على الأراضي الإفريقية لم يعد مجرد مسألة سيادة وطنية تخص مدريد وحدها، وإنما تحول إلى عبء ثقيل يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل أمن منطقة “شنغن” والحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

استنزاف “فرونتكس”

تأسست الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل “فرونتكس – Frontex” بهدف حماية الحدود الطبيعية والمنطقية للفضاء الأوروبي وضمان أمن المواطن الأوروبي من التحديات العابرة للحدود.

غير أن إصرار إسبانيا على الاحتفاظ بجيوبها المستعمرة في شمال إفريقيا جعل من هذه المنظومة الأوروبية رهينة لجغرافيا قلقة ومفتعلة، فهي تضخ ملايين اليوروهات سنويا من أموال دافعي الضرائب الأوروبيين، سواء في برلين أو باريس أو ستوكهولم، لتمويل أسوار شائكة وكاميرات حرارية ودوريات أمنية لحراسة حدود برية لا تقع في أوروبا أصلا.

فهذا الاستنزاف المالي واللوجستي يطرح تساؤلا ملحا: هل من المنطقي أن تدفع الدول الأوروبية ضريبة استدامة وضع استعماري تاريخي يعود لقرون مضت، في وقت تواجه فيه القارة تحديات أمنية واقتصادية حقيقية على حدودها الشرقية وفي مياه المتوسط المفتوحة؟

النزعة الكولونيالية

إن ربط أمن منطقة “شنغن” بأكملها بنقطتين جغرافيتين معزولتين في قارة أخرى يعد مخاطرة استراتيجية غير مبررة، ففي كل مرة تتصاعد فيها أزمات الهجرة أو تتقاطع فيها المصالح الجيوسياسية تجد أوروبا نفسها مضطرة للتدخل دبلوماسيا وماليا لإنقاذ الموقف الإسباني.

ويبدو أن إرضاء هذه النزعة “الكولونيالية” التي تدفع فئة من صناع القرار في مدريد للتمسك بهذه الجيوب يأتي على حساب تماسك السياسة الخارجية الأوروبية، فالانجرار وراء حماية هذه البقايا التاريخية يعطل بناء شراكات استراتيجية متكافئة وحقيقية مع دول الجنوب، ويجعل من المنظومة الأمنية الأوروبية أداة لخدمة سردية وطنية إسبانية لا طائل لباقي دول الاتحاد منها.

مفارقة “وهران”

لفهم حجم العبثية في هذا الموقف، يكفي أن نطرح تساؤلا جوهريا يسقط ورقة التوت عن هذا التناقض: ماذا لو احتفظت فرنسا، بعد استقلال الجزائر، بمدينة “وهران” كجيب فرنسي في الشمال الإفريقي؟

هل كانت إسبانيا ستقبل حينها أن تسخر وكالة “فرونتكس” ميزانيتها وكوادرها لحماية حدود فرنسا البرية في وهران؟

وهل كانت مدريد سترضى بأن يتحمل الفضاء الأوروبي المشترك تبعات موجات الهجرة والأزمات الأمنية الناتجة عن إصرار باريس على البقاء في مستعمرة سابقة؟

فالإجابة البديهية هي الرفض القاطع، إذ كانت إسبانيا ستعتبر الأمر “شأنا فرنسيا خالصا” ومغامرة استعمارية لا يجب أن يتحمل الأوروبيون فاتورتها، فلماذا إذن يطلب من الاتحاد الأوروبي اليوم أن يمارس هذا التضامن الأعمى حين يتعلق الأمر بسبتة ومليلية؟

لقد حان الوقت ليفتح الاتحاد الأوروبي نقاشا صريحا وواقعيا بعيدا عن المجاملات الدبلوماسية، فلا يمكن لمنطقة “شنغن” أن تظل درعا واقيا لحماية ثغور جغرافية تعاكس منطق التاريخ والجغرافيا.

فعلى صناع القرار في بروكسل إدراك أن حماية الحدود الخارجية لأوروبا يجب أن تنطلق من حدودها الطبيعية، وأن الأمن الجماعي للقارة العجوز لا يجب أن يظل مرتهنا لفاتورة تاريخية تصر إسبانيا على تمريرها ليسددها الجميع.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا