في ظل تصاعد النقاش حول أثر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على اختيارات الناخبين، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة الاستياء المرتبط بارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية على إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية، خصوصا من خلال معاقبة الأحزاب التي كانت في موقع المسؤولية. غير أن هذا الاحتمال يظل رهينا بطبيعة السلوك الانتخابي في المغرب، الذي لا تحكمه الاعتبارات الاقتصادية وحدها، بل تتداخل فيه عوامل حزبية ومحلية وشخصية وقبلية، تجعل قراءة اتجاهات التصويت أكثر تعقيدا.
وفي هذا السياق، استبعد المحلل الاقتصادي محمد جدري أن يتحول الاستياء من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع كلفة المعيشة إلى تصويت عقابي ضد أحزاب بعينها، موضحا، في تصريح لجريدة “العمق”، أن السلوك الانتخابي في السياق المغربي معقد، ما يجعل من الصعب، في الوقت الراهن، توقع تصويت عقابي واسع ضد حزب أو مجموعة من الأحزاب السياسية، بالنظر إلى تركيبة الجسم الناخب.
وأوضح المتحدث ذاته أن المشهد الانتخابي يمكن تقسيمه إلى أربع فئات أساسية، تتمثل الأولى في الناخبين المنتمين حزبيا، الذين يمتلكون قناعات سياسية ويصوتون، بشكل تقليدي، لمرشحي أحزابهم داخل دوائرهم، انطلاقا من الانتماء والتوجه الإيديولوجي، مشيرا إلى أن هذه الشريحة تظل وفية لتنظيماتها السياسية مهما كانت طبيعة الظروف أو الحصيلة، سواء أكانت إيجابية أم سلبية.
وأضاف جدري، في تفاعله مع سؤال الجريدة، أن الفئة الثانية تضم النخبة التي تمتلك، بحسبه، الوعي والقدرة على ممارسة التصويت العقابي في حال عدم اقتناعها بالحصيلة أو بالبرامج الانتخابية المقدمة، مستدركا أن هذه الشريحة تبقى “الغائب الأكبر” عن المحطات الانتخابية، بسبب عزوف جزء مهم منها عن التوجه إلى صناديق الاقتراع، ما يحد من تأثيرها الانتخابي.
وأشار المحلل الاقتصادي إلى وجود فئة ثالثة تتكون، وفق توصيفه، من الفئات الهشة والمهمشة والفقيرة، التي قد تربط اختيارها الانتخابي بوعود محلية ومباشرة، من قبيل إنجاز بئر أو تعبيد طريق، مبرزا أن إمكانية لجوء هذه الفئة إلى التصويت العقابي تظل محدودة، وقد تظهر أساسا عند عدم الوفاء بالوعود المقدمة إليها.
واعتبر جدري أن هذه الفئة تبقى أيضا من بين الأكثر عرضة لممارسات الفساد الانتخابي واستمالة الناخبين مقابل المال، متحدثا عن حالات بيع الأصوات مقابل “دريهمات معدودة”.
أما الفئة الرابعة، بحسب المتحدث، فترتبط بتأثير الانتماءات القبلية في السلوك الانتخابي، حيث تتجه فئة من الناخبين إلى التصويت لفائدة مرشح القبيلة أو بناء على اعتبارات محلية وشخصية، مشيرا بشكل خاص إلى حضور هذا العامل في عدد من الأقاليم الجنوبية للمملكة.
وخلص جدري إلى أن تعقد بنية الجسم الناخب وتداخل المحددات الحزبية والمحلية والشخصية والقبلية يجعلان من الصعب، بحسب تقديره، المراهنة على تحول الاستياء الاقتصادي والاجتماعي، بمفرده، إلى موجة تصويت عقابي واسعة خلال الاستحقاقات الحالية.
المصدر:
العمق