آخر الأخبار

إشكالات تكبح إصلاح أسواق الجملة

شارك

يعود ملف أسواق الجملة بالمغرب إلى واجهة النقاش العمومي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، في ظل توجه الدولة نحو إعادة هيكلة هذه المرافق وإحداث “أسواق الجيل الجديد”، ووسط مطالب مهنية بإصلاح الاختلالات المرتبطة بالتدبير والتنظيم والإطار القانوني، وتساؤلات حول مستقبل الوسطاء وتجار الجملة ضمن منظومة توزيع المنتجات الفلاحية.

ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به أسواق الجملة في تنظيم تداول المنتجات الفلاحية وضمان وصولها إلى المستهلك؛ غير أن مهنيين يرون أن نجاح الإصلاح لا يرتبط فقط ببناء أسواق جديدة، وإنما يتطلب معالجة الإشكالات التي تراكمت داخل هذه المرافق، سواء على مستوى التدبير أو التنظيم أو الإطار القانوني.

وعلى مستوى سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء قال عبد الرزاق الشابي، رئيس جمعية تجار سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء، إن المرفق يعيش، حسب تعبيره، على وقع مجموعة من المشاكل التي جعلته “معزولا” عن الإصلاحات التي تعرفها المدينة، رغم أهميته الاجتماعية والاقتصادية.

وأوضح الشابي، في تصريح لهسبريس، أن السوق يعاني، وفق روايته، من مشاكل مرتبطة بالنظافة والعشوائية وغياب شروط السلامة الصحية، مشيرا إلى انتشار الأزبال في مختلف أرجائه، ومعتبرا أن بعض التدخلات التي تظهر على مستوى الواجهة الخارجية لا تعكس وضعه الداخلي.

وتساءل الفاعل المهني نفسه عن جدوى الحديث عن نقل سوق الجملة، موردا أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة الاختلالات القائمة داخل المرفق قبل الانتقال إلى مشروع جديد، وزاد أن شركة التنمية، بحسبه، عجزت عن تدبير وتأهيل مرفق لا تتجاوز مساحته نحو 25 هكتارا، متسائلا عن قدرتها على تدبير مرفق جديد تفوق مساحته 200 هكتار.

كما انتقد المتحدث ما وصفه بغياب التنظيم داخل السوق، مشيرا إلى ممارسات مخلة مرتبطة ببعض الموظفين، خصوصا في مجالي النظافة والتنظيم، وفق روايته.

وانتقد الشابي أيضا ضعف التواصل بين إدارة السوق والمهنيين، قائلا إن أبواب الإدارة أصبحت، بحسبه، مغلقة أمام المطالب والشكايات، ولافتا إلى حالة من التذمر في صفوف عدد من الموظفين والمهنيين؛ كما شدد على أن المطالب الأساسية تتمثل في تحسين النظافة، وإعادة التنظيم، وتعزيز المراقبة، وضبط توقيت العمل، وتحسين شروط السلامة الصحية.

وبينما ينصب حديث المهني نفسه على وضع سوق الجملة بالدار البيضاء، يقدم مصدر مهني آخر قراءة أوسع للإشكالات التي يعرفها القطاع على المستوى الوطني، معتبرا أن الإشكالية الرئيسية تتمثل في غياب قانون إطار موحد يجمع أسواق الجملة بالمغرب وينظم طريقة اشتغالها.

وأوضح المصدر المهني، في تصريح لهسبريس، أنه رغم وجود اتحاد لأسواق الجملة فإن كل مدينة تسير وفق قوانين وتدابير خاصة بها، موردا أن هذا الوضع أدى إلى غياب هيمنة موحدة وفعالة على هذه الأسواق، وسمح بنفوذ ما وصفها بـ”اللوبيات” وتكريس مظاهر الفساد داخل عدد من الأسواق.

وأضاف المتحدث ذاته أن القطاع يعاني غيابا للهيكلة والتأطير، في وقت تكتفي الجماعات، وفق قوله، بالاستفادة من المداخيل المالية، مبينا أن هذا الوضع يطرح تحديات أمام مشروع “أسواق الجيل الجديد”، الذي يستهدف إحداث أسواق جهوية حديثة، بسبب استمرار البحث عن صيغة قانونية جديدة وموحدة تسري على مختلف أرجاء المملكة، إلى جانب صعوبة التعامل مع ما وصفه بـ”نفوذ اللوبيات القائمة”.

وشدد المصدر المهني عينه على أن قطاع أسواق الجملة يمثل، بحسبه، “العمود الفقري للدولة وعصب الحياة” في ما يتعلق بتوفير الأمن الغذائي للمواطنين، لكنه يفتقر إلى بيئة قانونية وهيكلية تحمي مختلف الأطراف، من المستهلك إلى الفلاح والبائع؛ كما سجل ما اعتبره تهميشا لهذا المجال في البرامج الانتخابية، في ظل استمرار نفوذ اللوبيات على النشاط والمداخيل المالية المرتبطة بهذه الأسواق.

وفي ما يتعلق بمقترح إحداث “شركات جهوية للتوزيع” اعتبر مصدر الجريدة أن هذا التوجه قد يلحق ضررا بعمليات البيع والشراء وبمصالح تجار الجملة، مبرزا أن السلعة تمر حاليا عبر أربع مراحل رئيسية قبل وصولها إلى المستهلك، تبدأ من الفلاح، ثم تجار الجملة الكبار، أو “موالين الشكارة”، يليهم تجار نصف الجملة والوسطاء داخل الأسواق، وصولا إلى تجار التقسيط.

ويرى المصدر نفسه أن توجه الدولة نحو تجاوز هذه الوسائط والربط المباشر بين الفلاح والمستهلك ليس عمليا، مردفا بأن الفلاح لا يستطيع، وفق قوله، تدبير عمليات توزيع الكميات الكبيرة من المنتجات التي يسوقها بنفسه.

وتطرق المهني ذاته كذلك إلى تخصيص أماكن للمنتجين الكبار وأصحاب الضيعات داخل أسواق الجيل الجديد، بهدف تمكينهم من بيع منتجاتهم بشكل مباشر للباعة، موردا أن هذه الخطوة قد لا تحقق النتائج المرجوة، ومفسرا ذلك بكون الفلاح الكبير اعتاد بيع محصوله مباشرة من الضيعة، دون تحمل أعباء إضافية مرتبطة بنقل السلع أو أداء أجور العمال أو الانتظار داخل السوق إلى حين إتمام عملية البيع.

وختم المصدر نفسه بأن الحديث عن “المضاربين” لا يعدو، من وجهة نظره، أن يكون مبررا أو “شماعة” يتم تعليق الفشل عليها في تدبير الشأن العام، داعيا إلى معالجة الاختلالات البنيوية والقانونية التي يعرفها القطاع بدل اختزالها في دور الوسطاء والمضاربين.

يذكر أن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت كان أفاد، خلال شهر ماي الماضي، على هامش اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية والبنيات الأساسية بمجلس المستشارين، بأن الوزارة أعدت مشروع قانون ينظم أسواق الجملة للتعاطي مع ظاهرة “الشناقة” التي باتت تثير جدلا داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.

وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يضع هذا الجدل أسواق الجملة أمام اختبار جديد، إذ لا يقتصر النقاش على تشييد مرافق حديثة، وإنما يمتد إلى طبيعة النموذج القانوني والتدبيري الذي سيؤطرها، وموقع الجماعات والمهنيين والوسطاء والفلاحين داخل منظومة التوزيع، ومدى قدرة الإصلاحات المرتقبة على تحقيق التوازن بين تحديث الأسواق والحفاظ على استمرارية سلاسل الإمداد وضمان شروط أفضل للسلامة الصحية ووصول المنتجات إلى المستهلك.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا