“لماذا لم يتم ترحيل المهاجرين غير النظاميين، علما بأن الحكومة المغربية التزمت رسميا بإعادة استقبالهم؟ ولماذا يتم الإبقاء على القاصرين غير المصحوبين بعيدا عن أسرهم، رغم أن المغرب طالب بإلحاح بعودتهم؟” أسئلة مباشرة وضعتها المملكة المغربية أمام الجانب الإسباني، معتبرة أن البحث عن أجوبتها لا ينبغي أن يكون في الرباط، وإنما “لدى الفاعلين الإسبان المعنيين”.
جاء ذلك في بلاغ لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، اليوم الخميس، على خلفية التطورات الأخيرة في العلاقات المغربية الإسبانية في ظل تداعيات الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة خلال يوليوز الماضي، وما رافقها من اتهامات ومواقف سياسية وإعلامية في إسبانيا.
واعتبر المغرب، في هذا السياق، أن التعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة كان “دوما منسقا وفعالا”، مشددا على أن الأحداث التي وقعت في يوليوز تستدعي “دراسة عميقة” لتحديد ملابساتها والجهات المتدخلة فيها، إلى جانب التنديد بالمناورات وضمان عدم تكرارها.
غير أن الرباط اعتبرت أن الوصول إلى هذا الهدف يقتضي الابتعاد عن “الجدل والسجال”، والاحتكام إلى “صوت العقل وخطاب الصراحة”، قبل أن توجه إلى الجانب الإسباني سلسلة من الأسئلة بشأن تدبير ملف الهجرة والقاصرين.
وفي مقدمة هذه الأسئلة، تساءلت المملكة عن استمرار توجيه الاتهامات إليها، رغم غياب أي معطيات أو وقائع أو تقارير تثبت أي تورط للسلطات المغربية، وفق تعبير بلاغ الخارجية.
كما طرحت الرباط سؤالا مباشرا حول أسباب عدم ترحيل المهاجرين غير النظاميين، رغم التزام الحكومة المغربية رسميا بإعادة استقبالهم، متسائلة في الوقت نفسه عن استمرار إبقاء القاصرين غير المصحوبين بعيدا عن أسرهم، رغم مطالبة المغرب “بإلحاح” بعودتهم.
وأشار البلاغ إلى أن الإجابة عن هذه الأسئلة “لا ينبغي البحث عنها في المغرب، ولكن لدى الفاعلين الإسبان المعنيين”، في رسالة واضحة إلى مدريد بأن المسؤولية عن استمرار هذا الوضع، من وجهة نظر الرباط، لا يمكن تحميلها للجانب المغربي وحده.
موازاة مع ذلك، أعادت الخارجية المغربية التأكيد على طبيعة العلاقة التي اختارتها المملكة مع إسبانيا، والمبنية، وفق البلاغ، على حسن الجوار الجغرافي والتفاهم السياسي والشراكة الاقتصادية والتعاون الأمني، وهي المقاربة التي وجدت تعبيرها الأبرز في الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022، عقب اللقاء الذي جمع الملك محمد السادس ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز.
واعتبر المغرب أن هذه المرحلة الجديدة من العلاقات قامت على “الاحترام والثقة المتبادلين، والحوار الدائم، والطموح إلى شراكة تعود بالنفع المتبادل”، مشيرا إلى أن البلدين تمكنا، بفضل هذه المقاربة، من تنمية ما يجمعهما وتطويق خلافاتهما ومعالجتها “بكثير من الرصانة والاحترام”.
وأشار البلاغ إلى النتائج التي تحققت، خصوصا على المستويين الاقتصادي والأمني، مذكرا بأن إسبانيا تعد الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، فيما يمثل المغرب الشريك التجاري الثاني لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، فضلا عن التعاون الأمني الذي قال إنه أسهم في إنقاذ أرواح وتفكيك شبكات إرهابية وإجرامية، “في الغالب على حساب الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالقوات المغربية”.
بالمقابل، عبرت الرباط عن أسفها لما وصفته باستمرار بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية في “توظيف المملكة لخدمة أجندات داخلية”، معتبرة أن من المؤسف أن تنخرط أحزاب تاريخية، يفترض أنها متمرسة على التدبير الحكومي، في ما وصفته بـ”المزايدات غير العقلانية والشعبوية”.
ولم يستثن البلاغ بعض المؤسسات التشريعية والقضائية الإسبانية، إذ أعرب المغرب عن أسفه لتبنيها “مبادرات غير موفقة تغذي الخلاف”، معتبرا أن هذه الممارسات تستبدل التبصر بالتبسيط، والتحليل الموضوعي بالاتهام، وتندرج ضمن “استراتيجية تخويف تضر بالجميع”.
وفي أقوى رسائل البلاغ، أعلنت المملكة المغربية رفضها لأن تتحول إلى ورقة في الصراعات السياسية الداخلية الإسبانية، مؤكدة أنها “ترفض أن تكون أصلا تجاريا قبيل الانتخابات”، كما “لا تقبل أن تكون كبش فداء لتصفية حسابات سياسوية”.
وشددت الرباط على أن الجوار الجغرافي بين البلدين “معطى ثابت”، وأن المسؤولين السياسيين هم من يستطيعون، بحسب البلاغ، تحويل هذا المعطى إلى “رافعة للمستقبل” من خلال الشجاعة وبعد النظر.
وحذرت في المقابل من أن “العمى الاستراتيجي” قد يحول هذا الرصيد إلى مصدر لـ”الريبة المزمنة والتوترات المتكررة”، في إشارة إلى تداعيات استمرار التوتر السياسي والإعلامي بين البلدين على مستقبل الشراكة المغربية الإسبانية.
المصدر:
العمق