هبة بريس
في سابقة لا يمكن أن تجود بها إلا أعتى أفلام الكوميديا السوداء، أو ربما أروقة بعض الصحف الإسبانية التي يبدو أن خيالها قد تجاوز حدود المجرّات، استيقظ العالم يوم التاسع من شتنبر 2026 على “سبق صحفي” مزلزل وغير مسبوق!
فقد فجرت صحيفة “Vozpopuli” الإسبانية، وبنبرة لا تخلو من الدراما الهوليوودية، قنبلة من العيار الثقيل تحت عنوان عريض: “الدليل الذي أخفته “مونكلوا عن القاضية: سيارات استأجرها المغرب شاركت في غزو سبتة”.
وتخيلوا المشهد: قاعات مظلمة في مدريد، مسؤولون حكوميون يتصببون عرقاً، ملفات سرية تُخفى في جنح الظلام، وقاضية المحكمة الوطنية “ماريا تاردون” تجلس حائرة أمام لغز “الحرب الهجينة” التي تشنها قوى مغربية خفية. ووسط هذا الجو المشحون، تخرج الصحيفة المذكورة لتلعب دور المنقذ، كاشفة عن “الصور الفضائية” السرية للغاية التي التقطتها المخابرات الإسبانية (CNI)، والتي تزعم بأنها توثق لقوافل من السيارات تصطف بتنظيم عسكري دقيق نحو الحدود.
فبحسب الرواية الملحمية لصحيفة “Vozpopuli”، فإن الحكومة الإسبانية قررت حجب هذه الصور عن الشرطة الوطنية والقضاء بحجة “الأمن القومي”، ويا لها من تضحية! ويا له من تآمر سياسي! الصحيفة لم تتوقف هنا، بل مضت تحلل الصور بكل ثقة، مشيرة إلى أن تلك المربعات البيضاء الصغيرة التي تظهر في الصورة المرفقة بالمقال، ليست سوى “سيارات كراء متطابقة تتقدم بشكل مصطف ومثالي”، وأن هذا الترتيب “المذهل” يستحيل أن يحدث دون تدخل مباشر ودعم لوجستي من السلطات المغربية لنقل 72 ألف مهاجر غير نظامي نحو سبتة.
والآن، دعونا نأخذ نفساً عميقاً، ونتعالى عن السذاجة الإسبانية، ونهبط قليلاً إلى أرض الواقع.. أو بالأحرى، لنهبط إلى تطبيق “خرائط جوجل” البسيط الذي يوجد في هاتف كل مواطن عادي. فإذا قمنا بمقارنة الصورة الجوية “السرية للغاية” والمسربة من قِبل “المخابرات”، مع صورة بسيطة ومجانية تماماً تتيحها الأقمار الصناعية لخرائط جوجل، سنكتشف الحقيقة المرعبة التي ستهز أركان “الحرب الهجينة”: إنها محطة سيارات الأجرة الكبيرة بباب سبتة.
نعم، أيها السادة المحققون في مدريد، تلك “السيارات المتطابقة المصطفة بشكل مثالي” والتي اعتبرتموها دليلاً دامغاً على تدخل عسكري وتنظيم دولي، ليست سوى سيارات الأجرة من الصنف الأول (الطاكسي الكبير) التي يعرفها كل مغربي وكل زائر للفنيدق.
ثم إن ذلك “الاصطفاف العسكري الدقيق” الذي أبهر محللي الصحيفة، لا يعود إلى أوامر جنرالات الحرب، بل يعود بكل بساطة إلى قوانين “الكورتي” (منظم محطة سيارات الأجرة) الذي يحرص على ترتيب الطاكسيات في طابور محكم احتراماً لأسبقية الدور (الروندا)، حيث يمنع منعاً باتاً أن تتجاوز سيارة أجرة أخرى خارج نظام المحطة.
إنه لمن المثير للشفقة، وللضحك في آن واحد، أن نتخيل محللي صحيفة “Vozpopuli” وهم يحملون عدساتهم المكبرة، يحدقون في صورة لمحطة “طاكسيات”، ويبنون عليها نظرية جيوسياسية كاملة عن مؤامرة دولية و”حرب هجينة”. يبدو أن الصحفي الاستقصائي المغوار لم يكلف نفسه عناء فتح تطبيق خرائط جوجل، حيث تبرز بوضوح علامة “Station de taxis Bab Sebta” لتفقأ عين كل ادعاء كاذب.
ولنا أن نتساءل هنا، ما الذي كانت تتوقعه القاضية “ماريا تاردون”؟ هل كانت ستستدعي سائقي سيارات الأجرة، الذين يقضون يومهم في ارتشاف الشاي المنعنع ونقاش نتائج مباريات الدوري الإسباني، للتحقيق معهم كعملاء سريين وقادة في جيش “الحرب الهجينة”؟ وهل تعتبر الصحافة الإسبانية أن نقل الركاب من الفنيدق إلى المعبر الحدودي بتسعيرة معروفة هو “تخطيط استراتيجي معقد” يهدد سيادة إسبانيا؟
أما بالنسبة للادعاء بأن قصر المونكلوا أخفى هذه الصور لـ “أسباب تتعلق بالأمن القومي”، فالمرجح الآن أن الحكومة الإسبانية ربما أخفتها لسبب أبسط بكثير: تفادي الموت خجلاً، فليس هناك ما هو أكثر إحراجاً لدولة بأكملها من تقديم صورة لمحطة نقل عمومي إلى المحكمة العليا باعتبارها دليلاً على غزو أجنبي.
إن هذه الحادثة لا تفضح فقط هشاشة ما يُسمى بـ”الصحافة الاستقصائية” لدى بعض المنابر الإسبانية التي تعاني من “فوبيا المغرب”، بل تكشف عن كسل مهني متجذر، ففي سعيها المحموم لشيطنة الجار الجنوبي واختلاق نظريات المؤامرة لتفسير ظواهر الهجرة المعقدة، فقدت هذه المنابر أبسط قواعد التدقيق والتحقق، حيث تحولت سيارة أجرة عادية، تنتظر دورها لنقل الركاب، إلى “عجلة من عجلات آلة الحرب الهجينة”.
وفي الختام، يبدو أن الدرس الوحيد الذي يجب استخلاصه من هذه “الفضيحة” هو نصيحة مجانية لغرف الأخبار في إسبانيا: قبل أن تشرعوا في كتابة تقاريركم الملحمية عن الحروب الهجينة والغزوات المدعومة بالسيارات المستأجرة، تأكدوا فقط من تشغيل خاصية “إظهار أسماء الأماكن” في خرائط جوجل. فقد يوفر عليكم ذلك الكثير من الحبر، والكثير جداً من ماء الوجه.
المصدر:
هبة بريس