كود الرباط//
كشفت نتائج تقرير البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ (PISA 2025) عن تحديات هيكلية عميقة تواجه المنظومة التعليمية بالمغرب، مؤكدة أن الرهان القادم يجب أن يتحول من مجرد “تعميم التمدرس” إلى “تعميم التعلّم الجيد”.
وعلى الرغم من النجاح في دمج فئات واسعة من الشباب في السلك الثانوي عبر رفع نسبة المؤهلين للاختبار بـ30% منذ 2018، إلا أن الأرقام كشفت عدم قدرة الغالبية العظمى على امتلاك الكفايات الأساسية؛ إذ لم يتجاوز الحد الأدنى للتفوق 13% في القراءة، و16% في الرياضيات، و23% في العلوم، وهي نسب تبتعد كثيراً عن المتوسط الدولي.
وأبرز التقرير الصادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن معضلة “ضياع زمن التعلّم الفعلي” تشكل أحد أبرز العوائق داخل الفصول الدراسية؛ حيث أقر 36% من التلاميذ بالتغيب يوماً كاملاً على الأقل خلال أسبوعين، و62% بالتغيب عن حصة واحدة. يضاف إلى ذلك الشكوى المستمرة من الضوضاء والفوضى التي تعطل الدروس بنسبة 41%، ما يحول دون استثمار البنيات التحتية والجهود المادية وتحويلها إلى تحصيل معرفي حقيقي وفعال ينعكس على كفاءة التلميذ.
وأفاد التقييم الدولي بتراجع نتائج المغرب في عدد من المجالات الدراسية مقارنة بدورة 2022، بـ7 نقاط في العلوم، و18 نقطة في فهم النصوص والقراءة، و10 نقاط في الرياضيات.
في المقابل، فندت البيانات الفكرة الشائعة التي تصم المدرس بالتقصير؛ إذ أظهرت النتائج أن صورة العلاقة بين التلميذ والمدرس تتسم بالإيجابية وتتجاوز أحياناً المعدلات الدولية. فقد أكد 73% من التلاميذ اهتمام أساتذة العلوم بتعلم كل تلميذ على حدة، و76% أفادوا باستمرار الشرح وتقديم المساعدة الإضافية حتى استيعاب الدروس. كما سجلت المدارس تحسناً في توفير الأطر والحد من نقص الموارد البشرية واللوجستية مقارنة بدورات التقييم السابقة.
وعلى صعيد التحول الرقمي، أظهرت نتائج الاختبار أن التلميذ المغربي دخل فعلياً عصر الذكاء الاصطناعي؛ حيث يستخدم 45% من التلاميذ روبوتات المحادثة للمساعدة على التعلم أسبوعياً، وهي نسبة تتساوى مع المتوسط العالمي. ورغم السياسات المعتمدة لمنع الهواتف المحمولة في 82% من المؤسسات التعليمية، أشار 35% من المشاركين إلى أن الأجهزة الرقمية ما زالت تشتت انتباه التلاميذ، مما يستدعي توجيه هذه التقنيات وتطوير استخدامها كأداة تعليمية بدلاً من الاكتفاء بالمنع.
ورغم هذه التعثرات المسجلة، تكشف مؤشرات التقرير عن رغبة قوية لدى المتعلمين في النجاح؛ حيث عبر 67% عن بذل جهد إضافي أمام المهمات الصعبة، وانخفضت نسبة من يعتبرون المدرسة “مضيعة للوقت” إلى 17% (مقارنة بـ24% عالمياً). هذه الثقة المستمرة من طرف التلاميذ تؤكد أن الأزمة لا تكمن في الرغبة في التعلم، بل في الحاجة إلى بيئة مدرسية تحتضن هذا الشغف وتستجيب لتطلعات المستقبل.
وترى بعض المصادر التربوية بأن الانتقال نحو “مدرسة النتائج” يتطلب صياغة جيل جديد من الإصلاحات يركز على التدخل المبكر لمعالجة صعوبات القراءة والحساب، ومحاربة الهدر المدرسي عبر أنظمة إنذار مبكر، وتكريس العدالة المجالية لصالح المناطق القروية والهشة. لم تعد العبرة اليوم بعدد المؤسسات التي تبنى أو عدد الأجهزة التي توزع، بل بمدى تمكين كل طفل داخل المدرسة من الأدوات الفكرية والعلمية التي تؤهله لمواجهة رهانات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
المصدر:
كود