آخر الأخبار

أزيد من 5 آلاف بناية آيلة للسقوط بجهة الرباط.. لوائح تحصي الخطر فهل تمنع الفاجعة؟

شارك

لا تزال البنايات الآيلة للسقوط تشكل واحداً من أبرز تحديات السلامة العمرانية بمدينة الرباط وباقي مدن وأقاليم المملكة، في ظل وجود أحياء قديمة تضم نسيجاً عمرانياً متقادماً وهشاً، خصوصاً بالمدينة العتيقة والعكاري والأوداية ويعقوب المنصور وأحياء أخرى، فيما أعادت حوادث الانهيار المسجلة خلال الفترة الأخيرة ملف سلامة المباني إلى واجهة النقاش العمومي.

وتتجاوز أبعاد الظاهرة حدود البنايات المتضررة نفسها، لتشمل سلامة السكان والمارة والممتلكات، فضلاً عن تعقيدات مرتبطة بالملكية وتعدد المتدخلين وارتفاع كلفة الترميم، وهو ما يجعل معالجة هذا النوع من المباني رهينة بالتشخيص التقني الدقيق، والإفراغ عند الضرورة، ثم الترميم أو الهدم وإعادة البناء بحسب درجة الخطورة.

آلاف البنايات على صعيد جهة الرباط

وتكشف آخر المعطيات الرسمية المتاحة عن حجم كبير للظاهرة على مستوى جهة الرباط-سلا-القنيطرة. فقد أظهرت عمليات التشخيص السابقة وجود 5385 بناية آيلة للسقوط بالجهة، من بينها 4181 بناية مصنفة في وضعية خطر، و1126 بناية مهددة، و78 بناية في وضعية تدهور.

وفي معطيات رسمية أخرى، أعلنت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان أن عملية الجرد شملت جهة الرباط-سلا-القنيطرة بشكل كامل، ضمن مسار يروم تحديد وتصنيف البنايات بحسب مستوى الخطورة، بالتوازي مع تطوير نظام معلومات جغرافي للرصد والمراقبة.

ووفق المعطيات الرسمية، تم إحصاء 53 ألف و728 بناية آيلة للسقوط على الصعيد الوطني وفق ما كشفه الوزير المنتدب لدى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسى المدينة المكلق بالإسكان أديب بن براهيم خلال جلسة عمومية للأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، ، في مؤشر على حجم التحديات المرتبطة بهذا الملف، سواء من حيث ضمان سلامة السكان أو توفير الحلول المناسبة للأسر المعنية، كما تم إخضاع 28 ألف بناية للخبرة التقنية، كما أحيلت التقارير المتعلقة بالمباني التي تستوجب تدخلا استعجاليا إلى الجهات المعنية.

العكاري.. انهيار خلف قتيلين وأعاد الملف إلى الواجهة

وكان حي العكاري بالرباط مسرحاً لأحد أخطر حوادث انهيار المباني خلال الفترة الأخيرة، بعدما انهار منزل يوم 4 يناير 2026، ما أسفر عن وفاة شخصين وإصابة أربعة أشخاص بجروح متفاوتة الخطورة، وفق معطيات أوردتها تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر حقوقية ومحلية.

وأعاد الحادث النقاش حول وضعية البنايات القديمة بالحي، خصوصاً أن تقارير حقوقية أشارت إلى أن المنزل المنهار كان قد أدرج ضمن البنايات الآيلة للسقوط خلال عمليات سابقة، كما تحدثت عن وجود أكثر من مائة بناية مهددة بالانهيار في العكاري ضمن معطيات مرتبطة بتصميم التهيئة الذي نوقش سنة 2024. وتظل هذه المعطيات، في غياب نشر رسمي محين شامل، بحاجة إلى تمييزها عن الإحصاء النهائي للمدينة.

ولم يكن حادث العكاري معزولاً عن وضعية النسيج العمراني للعاصمة، إذ سبق أن شهدت الرباط انهيارات أخرى، خصوصاً خلال فترات التساقطات المطرية القوية، التي تزيد من هشاشة المباني القديمة وتكشف اختلالات في البنية الإنشائية والتصريف والعزل.

وعقب الحادث، صدر تقرير حقوقي عقب الحادث أشار إلى أن المنزل المنهار كان قد أدرج ضمن المنازل الآيلة للسقوط سنة 2024، كما تحدث عن توثيق أكثر من مائة بناية مهددة بالانهيار في حي العكاري ضمن معطيات مرتبطة بعرض تصميم التهيئة في دجنبر 2024.

وأثارت الفاجعة أيضاً انتقادات من داخل المجلس الجماعي للرباط، إذ قال المستشار الجماعي فاروق المهداوي إن الجماعة تتوفر على لوائح للمنازل الآيلة للسقوط، مشيراً إلى توجيه مراسلات إلى عدد من السكان في نهاية 2024، لكنه اعتبر أن ذلك لم يتبعه تدخل عملي كاف لحماية السكان، وهي تصريحات تعكس أحد الإشكالات الأساسية التي تواجه هذا الملف، والمتمثل في الفجوة بين تحديد البناية الخطرة وبين توفير حل نهائي لها.

اليوسفية.. إحصاء جديد يثير أسئلة السلامة

وفي سنة 2026، عاد ملف البنايات المتقادمة إلى الواجهة من بوابة حي اليوسفية، حيث باشرت مصالح مختصة عملية إحصاء وتقييم ميداني لوضعية المباني والسكان. وأثارت العملية مخاوف لدى بعض السكان من ارتباطها بعمليات هدم أو ترحيل، غير أن المعطيات المتداولة رسمياً ومحلياً أكدت أن الإحصاء يدخل في إطار التشخيص، ولم يكن في حد ذاته قراراً بالهدم.

وأوضح كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بنبراهيم، في أبريل 2026، أن القرارات المتعلقة بالبنايات الآيلة للسقوط تتخذ على مستوى اللجنة الإقليمية المختصة، كما أشار إلى إمكانية تدخل وكالات التجديد الحضري للصيانة عندما يعجز المالكون عن القيام بالأشغال، مع استرجاع المصاريف وفق المساطر المعمول بها.

وتؤكد المعطيات الرسمية أن ملف المباني المهددة بالانهيار لم يعد يعالج فقط بمنطق الهدم، بل أصبح يقوم على مسارات متعددة تشمل التدعيم والتقوية، والترميم، والإفراغ المؤقت أو النهائي، والتعويض وإعادة الإسكان، والهدم وإعادة البناء بحسب نتائج الخبرة التقنية ودرجة الخطر. كما تعمل الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط على تطوير منظومة للرصد والمراقبة وتنسيق تدخلات مختلف المتدخلين.

وتواجه سلطات الرباط معادلة دقيقة بين حماية الأرواح والحفاظ على النسيج العمراني التاريخي والاجتماعي للعاصمة، فبعض البنايات تقع داخل أحياء عتيقة ذات قيمة تراثية، فيما ترتبط أخرى بمساكن لأسر محدودة الدخل، الأمر الذي يجعل التدخل فيها يتطلب حلولاً تجمع بين السلامة الهندسية والحماية الاجتماعية والحفاظ على هوية المدينة.

اتهامات بـ”التغاضي” عن شكايات المواطنين

في فبراير 2026، اتهم اتهم مستشار جماعي بمدينة الرياط، رئيس الجماعة، بـ”التغاضي عن شكايات تقدم بها مواطنون بشان منازل ٱيلة للسقوط رغم توصل الجماعة بشكايات متكررة, في حين تم التجاوب سريعا مع منازل اخرى في نفس وضعيتها”.

في هذا السياق، أكد موسى لعريف، عضو مجلس جماعة الرباط، أن من حق رئيسة المجلس سلوك المساطر والإجراءات القانونية لمعالجة المباني الآيلة للسقوط، كما تنص على ذلك المادتان السادسة والتاسعة من القانون رقم 94.12، مشيرًا إلى أن القانون نفسه يضمن للمعنيين بالأمر حق الطعن في أي قرار طبقًا للمادة 12.

لعريف أشار، بالمقابل، إلى وجود عدد كبير من المنازل بحي أبي رقراق وأحياء أخرى تنطبق عليها صفة المباني الآيلة للسقوط، مبرزا أن الجماعة توصلت بعدد من الشكايات التي تفيد بتسرّب المياه العادمة ومياه الشرب تحت المنازل، نتيجة الأشغال الأخيرة التي تتغاضى أو تتماطل الشركة المكلفة بها في إصلاحها.

واعتبر عضو المجلس أن رئيسة الجماعة، بدل الوقوف إلى جانب المواطنين وتحمل مسؤوليتها في حماية أرواحهم وممتلكاتهم، اختارت التموقع في المنطقة الرمادية والاحتماء بـ “البرج العاجي”، في وقت يزداد فيه الخطر يوما بعد يوم، ويتحول فيه الصمت الرسمي، حسب تعبيره، إلى شريك مباشر في تعميق الأزمة.

من الجرد إلى الخبرة

وتؤكد الحكومة أن معالجة المباني الآيلة للسقوط تمر عبر مراحل تبدأ بالجرد والتشخيص، ثم إجراء الخبرة التقنية، وتحديد مستوى الخطورة، قبل اتخاذ التدابير المناسبة، سواء تعلق الأمر بالتدعيم أو الترميم أو الإفراغ أو الهدم وإعادة البناء، بحسب الحالة.

كما تراهن السلطات على تعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية والسلطات المحلية، إلى جانب تدخل الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط في إطار البرامج المخصصة لهذا المجال، غير أن التحدي الأكبر بالنسبة إلى الرباط يبقى في سرعة تنزيل هذه التدخلات على الأرض، خصوصاً بالنسبة إلى المباني التي سبق تصنيفها أو تحديدها ضمن البنايات المهددة، فالحوادث المسجلة تُظهر أن مجرد وجود لائحة أو تقرير تقني لا يمنع الخطر إذا لم يتبعه إجراء وقائي فعال.

وتزداد صعوبة المعالجة في الأحياء القديمة بسبب طبيعة الملكية وتعدد الملاك، إضافة إلى الوضع الاجتماعي للأسر التي قد تجد نفسها أمام خيار الإفراغ من منزل مهدد دون توفر بديل مناسب، وهو ما يجعل معالجة الملف قضية عمرانية واجتماعية في الوقت نفسه.

المسؤولية القانونية

يعرّف القانون رقم 94.12، المتعلق بالمبانى الآيلة للسقوط وعمليات التجديد العقاري، المبنى الآيل للسقوط بأنه بناية أو منشأة كيفما كان نوعها يمكن لانهيارها الكلي أو الجزئي أن يترتب عنه مساس بسلامة شاغليها أو مستغليها أو المارة أو البنايات المجاورة وإن كانت غير متصلة بها، وهو أيضا “كل بناية أو منشأة لم تعد تتوفر فيها ضمانات المتانة الضرورية بسبب ظهور اختلالات بأحد مكوناتها الأساسية الداخلية أو الخارجية أو بسبب تشييدها على أرض غير آمنة من التعرض للمخاطر”.

ووضع القانون ذاته مسؤولية صيانة المباني الآيلة للسقوط على عاتق مالكيها سواء كانوا أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، و حملهم مسؤولية الضرر الذي يحدثه انهيارها أو تهدمها الجزئي، إذا وقع بسبب عيب في البناء أو عدم الصيانة أو التلاشي.

ويفرض المشرع على مالك أو مستغل البناية الآيلة للسقوط أن يقوم بالتدابير الضرورية والاستعجالية لدفع الخطر في هذا الشأن، كما من واجبه تجديدها وصيانتها وإعادة تأهيلها بما يضمن سلامتها، وسلامة الجوار، بحسب ما نصت عليه المادة الرابعة من القانون 94.12.

وتتمثل مسؤولية رئيس الجماعة في بعد توصله بتقرير مكتوب من طرف اللجنة الإقليمية أو المراقبين أن يتخذ قرارا ويخبر به مالك ، ويحدد هذا القرار العمليات الواجب القيام بها، والأجل مع إمكانية تضمينه المنع المؤقت أو النهائي من الولوج للمبنى المعني، ونص القانون على سلك مسطرة استعجالية في حالة كان المبنى يشكل خطرا يهدد شاغلي المبنى أو المارة.

القانون رقم 94.12 وضع مسؤولية أيضا على عاتق عامل العمالة أو الإقليم، حيث نص على ممارسته لمهام رئيس الجماعة إذا تعذر على الأخير لأي سبب من الأسباب اتخاذ الإجراءات الموكولة إليه أو امتنع عن القيام بها، وذلك بأن يطالبه بأداء مهامه ويحيل الأمر على القضاء الاستعجالي بعد انصرام أجل سبعة أيام.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا