خلصت أطروحة دكتوراه في تخصص تدبير الشؤون العمومية بجامعة “Paris Dauphine-PSL” تقدم بها النائب البرلماني ادريس السنتيسي إلى أن الحد من الفوارق المدرسية لا يكفي، في حد ذاته، لضمان الإدماج الاجتماعي للشباب في وضعية هشاشة، مؤكدة أن الانتقال من الاستفادة من “فرصة ثانية” في التعليم إلى اندماج فعلي داخل المجتمع يظل رهينا بتضافر مجموعة من الآليات البيداغوجية والنفسية والاجتماعية والتنظيمية والشراكاتية، إلى جانب قيادة وحكامة قادرتين على ضمان استمرارية هذا المسار.
وتحمل الأطروحة عنوان «أجهزة الحد من الفوارق المدرسية في خدمة الإدماج الاجتماعي للفئات الهشة: حالة مدارس الفرصة الثانية بالمغرب – نموذج ASSAFOUA»، واستندت إلى دراسة حالة أداتية لمدرسة الفرصة الثانية “ASSAFOUA” بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، بهدف فحص العلاقة بين الحد من الفوارق داخل المدرسة وقدرة الشباب المستفيدين على الاندماج فعليا في المجتمع.
وتنطلق الدراسة من مفارقة أساسية تتمثل في أن الارتفاع غير المسبوق في أعداد الشباب الذين يلجون المدرسة لم يؤد إلى اختفاء الفوارق المدرسية، كما أن الولوج إلى المؤسسة التعليمية لا يعني بالضرورة المشاركة الفعلية فيها أو تحقيق التعلم أو ضمان الاندماج الاجتماعي. وتستحضر الأطروحة في هذا السياق معطيات اليونسكو التي تشير إلى أن نحو 251 مليون طفل وشاب كانوا خارج المدرسة سنة 2023، فضلا عن استمرار فجوة التعلم، إذ لا يستطيع نحو 70 في المائة من الأطفال في سن العاشرة في بعض البلدان متوسطة الدخل قراءة جملة بسيطة.
وترى الدراسة أن المغرب يعيش بدوره هذه المفارقة، فرغم الإصلاحات والبرامج والموارد المالية والبشرية التي تعبئها الدولة، لا تزال فئة من الشباب تواجه الهشاشة والتهميش، مع استمرار تفاوتات مرتبطة بالجهات والأوساط الاجتماعية والنوع الاجتماعي. ومن هنا تطرح الأطروحة ما تسميه «تناقض الإدماج»، ومفاده أن التسجيل في المدرسة لا يعني المشاركة الفعلية، وأن الحضور داخل القسم لا يعني بالضرورة التعلم، كما أن النجاح المدرسي لا يكفي دائما للعثور على مكان معترف به داخل المجتمع.
وانطلاقا من ذلك، تمحورت الإشكالية الرئيسية للبحث حول مدى مساعدة أجهزة الحد من الفوارق المدرسية الشباب في وضعية هشاشة على الاندماج فعليا في المجتمع، مع بحث الآليات التي تجعل هذه الأجهزة ناجعة، وكيفية تضافر البيداغوجيا والدعم النفسي والمواكبة، ودور القيادة والشراكات، والشروط التي تسمح باستمرار التغيير عبر الزمن.
واعتمدت الأطروحة على ثلاثة مداخل نظرية متكاملة، تتمثل في نظرية العدالة الاجتماعية، ومقاربة القدرات المستندة إلى أعمال أمارتيا سن ومارثا نوسباوم، ونظرية الحكامة التعاونية، بما يسمح بفهم مشروعية التدخل، وقدرة الشباب على تحويل الموارد إلى فرص فعلية، ودور التنسيق والقيادة والشراكات في إنجاح مسار الإدماج.
ومن الناحية المنهجية، اختارت الدراسة مقاربة تأويلية تركز على فهم المعاني التي يمنحها الفاعلون لتجاربهم، مع اعتماد الاستدلال الاختطافي من خلال الذهاب والإياب بين الميدان والنظرية. وامتدت الملاحظة الميدانية خمسة أشهر، من شتنبر 2025 إلى فبراير 2026، وشملت 14 مقابلة مع الإدارة والأساتذة والتلاميذ والأسر والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، إضافة إلى الملاحظات الميدانية والوثائق، وتحليل المعطيات باستعمال برنامج NVivo.
وأظهرت النتائج أن نموذج ASSAFOUA يعتمد على أربع رافعات رئيسية تشتغل بصورة متكاملة: رافعة بيداغوجية تهدف إلى إعادة الرغبة في التعلم عبر مسارات ملائمة والدعم والاستدراك؛ ورافعة نفسية واجتماعية تستهدف إعادة بناء الثقة والاعتراف بالشاب؛ ورافعة تنظيمية تقوم على التتبع القريب لمنع الانقطاع؛ ورافعة شراكاتية توسع فرص التداريب والتكوين والشغل من خلال الانفتاح على المؤسسات والمقاولات والجمعيات.
وتؤكد الدراسة أن هذه الرافعات لا تحقق فعاليتها منفردة، وإنما من خلال تضافرها، فيما تشكل الحكامة والقيادة «الإسمنت» الذي يشد البناء كله، من خلال التنسيق والتعبئة وضمان استمرارية التدخل. كما لا تقتصر آثار هذه الآليات على النتائج الدراسية، بل تمتد إلى استعادة الثقة بالنفس، وتنمية المهارات الاجتماعية، واستعادة مكانة في الدراسة أو الشغل، حيث خلص البحث إلى أن الثقة تشكل نقطة الانطلاق في مسار التغيير.
وتقترح الأطروحة النظر إلى “ASSAFOUA” كنموذج هجين يجمع بين منطق اجتماعي لمساعدة الشباب في وضعية هشاشة ومنطق تدبيري خاص، مع الإقرار بحدود البحث المرتبطة بدراسة حالة واحدة وغياب التتبع الطويل الأمد، بما يحد من إمكانية تعميم النتائج رقميا.
وعلى مستوى الفعل العمومي، تخلص الدراسة إلى ضرورة الاستثمار في تكوين الرأسمال البشري، واعتماد بيداغوجيا ملائمة تفرّد المسارات، وضمان تمويل مستدام، وبناء شراكات مع المؤسسات والمقاولات والجمعيات، بما يسمح بتحويل «الفرصة الثانية» من مجرد عودة إلى التعليم إلى منافذ حقيقية نحو الإدماج.
وتخلص الأطروحة إلى أن الإدماج عبر الحد من الفوارق المدرسية يظل رهينا بالجمع بين الولوج والاعتراف والمواكبة والقيادة، وبإعادة قدرة الشباب على الفعل، معتبرة أن تجربة ASSAFOUA تقدم مدخلا لفهم أوسع للآليات التي يمكن أن تجعل مدارس الفرصة الثانية أداة فعلية للإدماج الاجتماعي للشباب في وضعية هشاشة.
المصدر:
العمق