آخر الأخبار

هل تحتمل المالية العمومية فاتورة الوعود الانتخابية ذات القيمة الضخمة؟

شارك

على بُعد أيام قليلة من موعد الاقتراع التشريعي المقرر في 23 شتنبر الجاري، تقدّمت الأحزاب المتنافسة على الرتبة الأولى ببرامج انتخابية حملت، هذه المرة، أرقاما أكثر تفصيلا من المعتاد، همت مليارات الدراهم، ونسب نمو مستهدفة، ومناصب شغل موعودة، وسقوف واضحة لعجز الميزانية والمديونية؛ غير أن هذا “التسابق نحو الدقة” طرح سؤالا مركزيا واحدا: هل تسمح الوضعية الراهنة للمالية العمومية بتحمل هذه الالتزامات مجتمعة، أم أن جزءا كبيرا منها سيبقى حبيس أوراق البرامج؟.

وقبل الحديث عن هذه البرامج، استحق رقم واحد التوقف عنده أكثر من غيره: سقف 5 آلاف درهم للحد الأدنى للأجور الذي رفعه حزب أغلبي (التجمع الوطني للأحرار) كأحد أبرز التزاماته للولاية 2026-2031؛ فهذا الرقم، رغم بساطته الظاهرة كشعار انتخابي، يخفي وراءه واحدة من أكبر عمليات إعادة التوزيع التي قد يشهدها سوق الشغل المغربي في العقد الأخير، ومن ثم يستحق أن يُقاس بالأرقام لا بالانطباع.

فاتورة الزيادة في “السميك”

الحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة غير الفلاحية “السميك” (SMIG) يبلغ حاليا، بعد آخر زيادة دخلت حيز التنفيذ في فاتح يناير 2026، نحو 3422,72 درهما شهريا كأجر خام (على أساس 191 ساعة عمل)، أي ما يعادل نحو 3120 إلى 3200 درهم صافٍ بعد اقتطاعات الضمان الاجتماعي والتأمين الإجباري عن المرض.

ويعني الانتقال من هذا المستوى إلى 5 آلاف درهم شهريا زيادة تتراوح بين 46 و60 في المائة حسب الأساس المعتمد (خام أو صافٍ)، وهي قفزة تفوق بكثير وتيرة الزيادات التي تحققت عبر التفاوض الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة: فمجموع الزيادات التراكمية في SMIG بين 2021 و2026 لم يتجاوز 20 في المائة فقط، أي أن الوعد الانتخابي الجديد يقترح في ولاية واحدة أكثر من ضعفي ونصف ما تحقق تراكميا عبر خمس سنوات من الحوار الاجتماعي.

ولقياس حجم الكلفة المحتملة، يمكن الاستناد إلى معطيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، الذي أعلن أن عدد الأجراء المصرح بهم لديه بلغ 4,24 مليون أجير سنة 2025، بكتلة أجور مصرح بها ناهزت 244,84 مليار درهم، أي بمعدل شهري لا يتجاوز 4810 دراهم للأجير الواحد. وبما أن هذا المتوسط نفسه لا يبعد كثيرا عن السقف المقترح (5 آلاف درهم)، فإن ذلك يعني منطقيا أن نسبة معتبرة من الأجراء المصرح بهم، ربما تفوق النصف، تتقاضى حاليا أقل من هذا المبلغ، وستستفيد بالتالي من أي رفع فعلي للحد الأدنى إلى هذا المستوى.

وإذا افترضنا، على سبيل التقدير التقريبي وليس الرقم الرسمي، أن نحو مليونين إلى مليونين ونصف المليون أجير من أصل 4,24 مليون يتقاضون اليوم أقل من 5 آلاف درهم، بمتوسط فارق يقارب 1000 إلى 1500 درهم شهريا عن السقف الجديد، فإن الزيادة الإجمالية في كتلة الأجور الخام وحدها قد تتراوح بين 24 و45 مليار درهم سنويا بالنسبة للقطاع الخاص فقط.

وإذا أضيفت إليها الاشتراكات الاجتماعية الإضافية المستحقة على المشغلين، والتي تناهز 21 في المائة من الأجر الخام (اشتراكات CNSS والتأمين الإجباري عن المرض وحوادث الشغل)، فإن الكلفة الإجمالية المحتملة على المقاولات قد تقترب من 30 إلى 55 مليار درهم إضافية في السنة، دون احتساب الأثر على كتلة أجور الوظيفة العمومية أو على المعاشات والتعويضات المفهرسة على الحد الأدنى للأجر.

هذه الأرقام تبقى، بطبيعة الحال، تقديرات توضيحية مبنية على معطيات عامة متاحة، وليست كلفة رسمية معلنة من الحزب نفسه، الذي لم يرفق التزامه برقم إجمالي أو بمصادر تمويل مقابلة، ولا بجدول زمني للتفعيل التدريجي للزيادة؛ لكنها تكفي لإظهار أن الانتقال إلى 5 آلاف درهم، إذا ما طُبق دفعة واحدة، يعادل تقريبا إضافة ما بين 1,5 في المائة و3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي إلى كتلة الأجور في القطاع الخاص وحده؛ وهو رقم يتجاوز، لو تحقق فعلا، هامش المناورة الذي تتيحه ميزانية دولة تحاول أصلا كبح عجزها في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.

كما أن لهذا الالتزام كلفة “غير مباشرة” تغيب غالبا عن النقاش العمومي: فرفع SMIG بهذا الحجم يفرض منطقيا إعادة النظر في سلم الأجور بأكمله؛ من الفئات القريبة من الحد الأدنى إلى الأجور الأعلى منها بقليل، تجنبا لظاهرة “انضغاط” الأجور (compression salariale)، وهو ما قد يُترجم عمليا إلى كلفة إجمالية أعلى بكثير من مجرد ضرب عدد المستفيدين المباشرين في قيمة الزيادة. كما أن جزءا من كلفة القرار قد ينتقل، جزئيا على الأقل، إلى المستهلك عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات، أو إلى تشغيل غير مصرح به يتوسع كوسيلة للتحايل على الكلفة الجديدة، وهي مخاطر لطالما أثارتها منظمات الباطرونا المغربية عند كل تفاوض اجتماعي حول SMIG.

بعبارة أخرى، فإن الالتزام برفع الحد الأدنى للأجور إلى 5 آلاف درهم قابل تماما للترجمة إلى كلفة مالية دقيقة، وهي كلفة ضخمة نسبيا إذا ما طُبقت بشكل فوري وشامل؛ لكنها تظل اليوم غائبة عن الوثيقة الحزبية نفسها، تاركة السؤال الأهم بلا جواب: هل الرفع سيكون تدريجيا على مراحل الولاية، وبأية وتيرة، ومن سيتحمل الفارق بين المشغلين والدولة؟

ويندرج هذا التحفظ ضمن قراءة أوسع يقدمها محمد جدري، الخبير الاقتصادي ومدير مرصد العمل الحكومي، الذي قال إن جزءا من الوعود الانتخابية المطروحة حاليا يصعب؛ بل يستحيل، في بعض الحالات، تنزيله على أرض الواقع في ظل معدلات النمو الحالية وحجم المديونية والتوازنات التي تعرفها المالية العمومية.

وحذر جدري من أن أغلب الوعود الانتخابية قد تتحول إلى مجرد خطاب يستهدف استمالة عواطف الناخبين، بعيدا عن أية مقاربة واقعية لشروط تنفيذها؛ وهو تحذير ينطبق بشكل مباشر على وعد بحجم مضاعفة وتيرة الزيادة في الحد الأدنى للأجور خلال ولاية واحدة مقارنة بما تحقق تراكميا عبر خمس سنوات كاملة من الحوار الاجتماعي.

هل يحتمل الاقتصاد كلفة الوعود؟

يكفي جمع الأرقام المعلنة من لدن حزبين فقط لإدراك حجم الرهان المالي المطروح في باقي البرامج. فحزب الأصالة والمعاصرة وضع سقفا معلنا بشكل صريح، حدده في 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنويا، لتنفيذ 20 التزاما موزعة على خمسة مواثيق، بينها 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية وحده. أما حزب الاستقلال وحزب التجمع الوطني للأحرار، فقدّما حزمة من الإجراءات المكلفة رقميا، وإن لم يفصح أي منهما، حتى الآن، عن كلفة إجمالية مجمّعة لبرنامجه؛ وهو ما يعقّد أي مقارنة مباشرة بين الأحزاب على أساس متجانس.

وإلى جانب رفع الحد الأدنى للأجور المُفصَّل أعلاه، يقترح حزب “الحمامة” أيضا خصما ضريبيا بقيمة 5 آلاف درهم عن مصاريف التمدرس الخصوصي لكل طفل، والذي يمثل، من الناحية المحاسبية، نفقة ضريبية مباشرة تنقص من موارد الخزينة دون أن يُرفق بدوره بتقدير لكلفته الإجمالية على الميزانية العامة.

من جانبه، يقدم حزب الاستقلال التزامات مفصلة رقميا من قبيل تكوين ألفيْ طبيب مختص في طب المستعجلات، ودعم 5 آلاف درهم للمقبلين على الزواج، ومخزون استراتيجي يصل إلى ستة أشهر من الأدوية؛ لكن دون الإفصاح، حسب المعطيات المتاحة، عن كلفة إجمالية مجمعة أو عن الآجال الدقيقة والمصادر المالية المقابلة لكل التزام، وهو ما يجعل البرنامج، رغم دقته النسبية في التوصيف، مفتوحا على أسئلة التمويل بالقدر نفسه الذي تطرحه البرامج الأخرى.

لتقييم واقعية هذه الالتزامات، لا بد من قراءتها في ضوء الوضعية الفعلية للمالية العمومية. فوفق قانون المالية لسنة 2026، تُقدَّر موارد الدولة بنحو 712,6 مليارات درهم مقابل نفقات تبلغ 761,3 مليارات درهم، أي عجز متوقع في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، استنادا إلى فرضية نمو تناهز 4,5 في المائة وتضخم لا يتجاوز 2 في المائة. غير أن نتائج التنفيذ الفعلي للسنة نفسها أظهرت تحسنا نسبيا في منتصف السنة، إذ سجل العجز نحو 20 إلى 24 مليار درهم عند متم يونيو الماضي؛ وهو ما يمثل أقل من نصف العجز المرتقب على امتداد السنة كاملة، حسب بيانات الخزينة العامة للمملكة.

في المقابل، يبقى الدين العمومي مرتفعا نسبيا، إذ استقرت مديونية الخزينة عند نحو 66,6 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025، بينما يقترب الدين العمومي الإجمالي، بما يشمل الدين المضمون من الدولة، من عتبة 79 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وفق تقديرات متطابقة تقريبا بين بنك المغرب ومؤسسات مالية أخرى.

أما الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية فقد بلغ رقما قياسيا سنة 2025 بلغ نحو 1720 مليار درهم، بنمو اقتصادي بلغ 4,9 في المائة، وفق المندوبية السامية للتخطيط.

هذه المعطيات تعني أن هامش المناورة المالي للدولة ضيق نسبيا، فأي التزام إضافي غير ممول بوضوح يهدد إما برفع سقف العجز المقبول، وإما بالضغط أكثر على مسار خفض المديونية الذي تحرص عليه الحكومة والمؤسسات المالية الدولية.

وفي هذا السياق بالذات، شدد منير مستاري، مستشار ضريبي ومتخصص في المالية العمومية، على أن تقييم أي برنامج انتخابي لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الأرقام المعلنة فيه؛ بل يجب أن يمتد إلى التوليفة التي تقترحها الأحزاب لتمويل هذه الالتزامات وتنفيذها فعليا.

وأوضح مستاري، في تصريح لهسبريس، أن برامج الاستحقاق الحالي جاءت، مقارنة بمحطات انتخابية سابقة، أكثر ارتباطا بأرقام وإجراءات دقيقة بدل الاكتفاء بمؤشرات عامة كنسب النمو أو عدد مناصب الشغل؛ وهو ما اعتبره مؤشر نضج نسبي في صياغة البرامج السياسية، يجعل الأحزاب اليوم أقرب إلى تقديم التزامات قابلة للقياس والمحاسبة أمام الناخب.

ونبه الخبير في المالية العمومية إلى أن هذا “النضج الرقمي” نفسه، حسب المنطق الذي يدافع عنه، يرفع في المقابل من مستوى المسؤولية السياسية المطلوبة من كل حزب، إذ لم يعد كافيا الإعلان عن رقم أو نسبة؛ بل بات لزاما توضيح مصدر التمويل والجدولة الزمنية وآليات إعادة توجيه الموارد اللازمة لتفعيله.

فرضيات نمو تحمل نصف الحل

اللافت أن حزب الأصالة والمعاصرة نفسه جعل من ميثاق “النمو والاستدامة” شرطا مسبقا لتنفيذ باقي المواثيق، إذ يعوّل على معدل نمو سنوي متوسط في حدود 5 في المائة خلال 2027-2031، مقابل نحو 3,7 في المائة فقط خلال الفترة 2022-2025، أي فارقا يقارب 1,3 نقاط مئوية سنويا.

وقدر البرنامج الحزبي أن 300 مليار درهم من أصل 350 مليار درهم المطلوبة، أي نحو 86 في المائة من الكلفة الإجمالية، ستأتي من “الأثر الإضافي الناتج عن النمو”؛ فيما لا يتجاوز التمويل عبر إعادة التخصيص والنجاعة الميزانياتية 10 مليارات درهم فقط.

واعتبر رشيد قصور، دكتور متخصص في الاقتصاد التطبيقي، أن هذا التصور يضع كامل رهان تمويل البرنامج على فرضية تسريع النمو بشكل يفوق المعدلات المسجلة فعليا خلال السنوات الأخيرة، وهي فرضية ممكنة نظريا؛ لكنها تظل مرهونة بعوامل خارجة جزئيا عن إرادة أي حكومة مقبلة، من قبيل: أسعار الطاقة العالمية، والتساقطات المطرية وأثرها على القطاع الفلاحي، وتطور الطلب الخارجي على الصادرات المغربية، مشددا على أن 90 في المائة من كلفة البرنامج مشروطة بتحقق سيناريو اقتصادي متفائل لم يتحقق في السنوات الأربع الماضية.

وأفاد قصور، في تصريح لهسبريس، بأنه على النقيض من منطق “الكلفة المعلنة” تختار أحزاب أخرى صياغة التزاماتها دون ربطها برقم إجمالي أو بمصادر تمويل محددة، كما هو حال حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال في الوثائق المتاحة حتى الآن.

وأوضح المتخصص في الاقتصاد التطبيقي أن هذا الخيار لا يعني بالضرورة أن الالتزامات أرخص كلفة، بل قد يعكس صعوبة سياسية في الإفصاح عن أرقام قد تثير الجدل، أو اعتمادا على آليات تمويل غير مباشرة كإعادة توجيه نفقات قائمة أصلا؛ لكنه يجعل تقييم واقعية هذه البرامج أكثر صعوبة أمام الناخب والمحلل على حد سواء، ذلك أن التزاما غير مكلَّف رقميا لا يعني أنه غير مكلَّف فعليا، بل يعني فقط أن كلفته لم تُعرض للنقاش العمومي.

أما مقترح حزب العدالة والتنمية، الذي لعب دور المعارضة خلال الولاية المنتهية، فهمّ تسقيف هوامش ربح شركات توزيع المحروقات، حيث يمثل هذا المقترح، حسب الخبير الاقتصادي، حالة مختلفة نوعيا عن باقي الوعود المستعرضة، ذلك أنه لا يتطلب نفقة إضافية من ميزانية الدولة، بل يقوم على تدخل تنظيمي في السوق؛ غير أن جدواه الفعلية ستبقى مرهونة بقدرة الإدارة على ضبط هامش ربح “معقول” استنادا إلى كلفة الاستيراد والتسويق الفعلية، وهي مهمة تقنية ورقابية أكثر منها مالية بحتة، وقد تصطدم بمقاومة الفاعلين في القطاع.

من سيدفع فاتورة الوعود المالية؟

لا تكمن المشكلة في طموح البرامج الانتخابية بحد ذاتها؛ فرفع الحد الأدنى للأجور أو تحسين التغطية الصحية أو خفض البطالة أهداف مشروعة ومرغوبة اجتماعيا، ليظل الخلل بارزا في الفجوة بين حجم الالتزامات المعلنة وحجم الموارد المتاحة فعليا ضمن هامش عجز لا يتجاوز 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي ودين عمومي يقترب من 80 في المائة منه.

وعلى هذا الأساس، فكل درهم إضافي يُنفق على التزام انتخابي لم يُموَّل بوضوح سيعني إما ضريبة جديدة، أو اقتراضا إضافيا، أو تقليصا من بند آخر في الميزانية لم يُفصح عنه بعد. ولذلك، فإن اختبار هذه البرامج الحقيقي لن يكون يوم 23 شتنبر عند صناديق الاقتراع، بل بعده، حين يواجه الفائزون بها استحقاق تحويل الأرقام المعلنة في الحملة إلى بنود فعلية داخل قوانين المالية السنوية المقبلة، أمام برلمان ورأي عام باتا أكثر إلماما بلغة الأرقام من أي وقت مضى.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا