آخر الأخبار

أزمة سبتة.. اختبار جديد لشراكة الرباط ومدريد بين المصالح المشتركة وخلاف السيادة

شارك

لم تعد أزمة سبتة تقتصر على ملف الهجرة والحدود، بل أخذت أبعادا سياسية ودبلوماسية بين الرباط ومدريد. وخلال يومي 30 و31 يوليوز، عبر أكثر من 70 ألف شخص، وفق رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، ما أعاد إلى الواجهة قضية السيادة على سبتة ومليلية.

ومع تصاعد الجدل، استدعت الخارجية الإسبانية السفيرة المغربية في مدريد، كريمة بنيعيش، يوم 21 غشت، على خلفية تصريحات لوزيري العدل عبد اللطيف وهبي والأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق بشأن سبتة ومليلية، وفق ما كشف عنه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز لاحقا أمام البرلمان.

في المقابل، تولى وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس جانبا من إدارة الأزمة، بينما دخل وزير العدل فيليكس بولانيوس على خط الجدل بشأن التقارير الأمنية المرتبطة بالعبور.

كما أعلنت مدريد إجراءات إضافية لتعزيز الأمن والحدود، وطلبت دعما أوروبيا فيما أعلن سانشيز أن الملك فيليبي السادس سيزور سبتة ومليلية خلال الأسابيع المقبلة.

وبذلك، تجاوزت الأزمة ملف الهجرة لتعيد قضية سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش السياسي، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت مؤشرا على عودة التوتر بين الرباط ومدريد أم مجرد هزة عابرة في مسار الشراكة بين البلدين.

مصالح مشتركة تجعل القطيعة مكلفة

من زاوية العلاقات الدولية، يرى محمد أشلواح، أستاذ الدراسات الديبلوماسية والدولية، أن طبيعة العلاقة المغربية الإسبانية تجعل من الصعب اختزالها في أزمة واحدة، بالنظر إلى تعدد المحددات التي تحكمها.

ويضع أشلواح الجوار الجغرافي في مقدمة هذه المحددات، بالنظر إلى وجود مشاكل وتحديات مشتركة بين البلدين، يليه العامل التاريخي بما يحمله من جوانب ايجابية وأخرى مرتبطة بفترة الاستعمار، ثم العامل الاقتصادي والتجاري.

وبحسب قراءته، فإن تداخل هذه المحددات يجعل من الصعب أن تودي لحظة توتر واحدة إلى نسف ما راكمته الرباط ومدريد من مصالح وتفاهمات. فالعلاقة بين البلدين، كما يوضح اعتادت خلال العقود الماضية على فترات من الفتور بسبب خلافات مختلفة، دون أن تتحول تلك اللحظات إلى مواجهة دائمة.

ويستحضر في هذا السياق أزمة جزيرة ليلى وأزمات أخرى، معتبرا أن مثل هذه الأزمات تمت معالجتها في السابق وعادت العلاقات بعدها إلى مسارها الطبيعي.

ومن هذا المنظور، يضع أشلواح الأزمة الحالية في خانة اللحظة المؤقتة أكثر من كونها مؤشرا على عودة إلى التوتر والمواجهة، انطلاقا من تقديره بأن ما يجمع المغرب وإسبانيا أكبر بكثير مما يفرقهما.

تقارب 2022 لم ينه الخلافات

غير أن المصالح المشتركة لا تعني، بالنسبة إلى أشلواح، اختفاء الملفات التي ظلت حاضرة في العلاقة المغربية الإسبانية
فمرحلة التقارب التي عرفتها العلاقات في عهد حكومة بيدرو سانشيز، خصوصا منذ سنة 2022، حملت تحولا مهما في الموقف الإسباني من قضية الصحراء، وشكلت، بحسب الخبير، محطة أساسية في إعادة بناء العلاقة بين الرباط ومدريد.

لكن هذا التقارب لم يسقط قضية سبتة ومليلية من الحسابات المغربية. فهذه القضية، وفق أشلواح، تظل مطروحة باستمرار، فيما يواصل المغرب التعبير عن موقفه بشأن المدينتين وفق السياقات الدولية والوسائل السياسية والدبلوماسية التي يراها مناسبة لمصالحه.

وبالتالي، فإن التعاون في الملفات الأمنية والاقتصادية والهجرة لا يعني أن جميع الخلافات التاريخية والسيادية قد حسمت بل إن الشراكة نفسها اصبحت تقوم على إدارة التعايش بين مجالات الاتفاق ومساحات الاختلاف.

أزمة تكشف حدود نموذج 2022

من زاوية أخرى، يرى كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلوم السياسية، أن الأزمة الحالية لا تعكس بالضرورة تحولا جذريا في قواعد إدارة العلاقات المغربية الإسبانية، بقدر ما تكشف حدود النموذج الذي حكمها منذ استئناف التقارب سنة 2022.

فذلك النموذج قام، وفق قراءته على الحوار المستمر واحترام الالتزامات وتجنب القرارات الأحادية، مع الحرص على ألا تتحول القضايا الخلافية إلى أزمات شاملة.

غير أن أزمة سبتة أخرجت الخلاف من المجال الدبلوماسي الهادئ إلى المجال السياسي والإعلامي المفتوح. وهنا يميز الهشومي بين ثلاثة مستويات: موقف الدولة، وخطاب الحكومة، والاستعمال الحزبي والإعلامي للملف داخل إسبانيا.

ويرى أن جزءا مهما من التصعيد الإسباني تحكمه أيضا ضغوط السياسة الداخلية، خصوصا مع سعي المعارضة واليمين إلى تحميل حكومة بيدرو سانشيز مسؤولية ما جرى، وتصوير تعاونها مع المغرب باعتباره تنازلا في قضايا السيادة والحدود.

ومن ثم، فإن ارتفاع سقف الخطاب السياسي لا يعني بالضرورة أن مدريد قررت تغيير سياستها تجاه الرباط. ويستند الهشومي في ذلك إلى استمرار سانشيز في التأكيد على ضرورة التعاون مع المغرب، بالتوازي مع رفض المواقف المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية.

بين الموقف السيادي والشراكة الاستراتيجية

في المقابل، لا يرى الهشومي أن المغرب انتقل إلى استراتيجية مواجهة مفتوحة، وإنما اعاد تثبيت موقفه التاريخي من المدينتين.

والفرق، في قراءته، أساسي بين إعادة التأكيد على الموقف السيادي المغربي وبين اتخاذ قرار بفتح نزاع دبلوماسي شامل.

فالشراكة لا تلغي الخلاف، والتعاون الامني والاقتصادي لا يمنع المغرب من الاحتفاظ بموقفه السياسي والدفاع عنه بالوسائل الدبلوماسية.

وهذا يفسر، بحسب الهشومي كيف يمكن أن يرتفع سقف الخطاب السياسي حول سبتة ومليلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انهيار التفاهمات التي تحكم بقية مجالات العلاقة.

سبتة.. نقطة تقاطع بين السيادة والهجرة

تكمن حساسية سبتة، وفق الهشومي، في كونها ليست قضية ترابية معزولة، و انما نقطة تتقاطع فيها السيادة والهجرة والأمن والاقتصاد الحدودي والعلاقات المغربية الأوروبية.

ولهذا يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط متبادلة، لكن استخدامها يظل مكلفا للطرفين ومحفوفا بالمخاطر.

فإسبانيا تستطيع توظيف الملف داخل الإطار الأوروبي، من خلال تقديم سبتة باعتبارها جزءا من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وربط أمنها بقضايا حماية الحدود والهجرة.

وفي المقابل، يمتلك المغرب ثقلا تفاوضيا مرتبطا بموقعه الجغرافي ودوره في مكافحة الهجرة غير النظامية والإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

لكن الهشومي يحذر من اختزال هذا الدور في فكرة استخدام الهجرة أداة للضغط، لأن مثل هذا الاتهام يحتاج إلى أدلة، وهي أدلة لم يعتبر رئيس الحكومة الإسبانية أنها متوفرة بشكل قاطع في الأزمة الأخيرة.

وتكشف الواقعة، في تقديره أن التعاون الحدودي ليس مسألة تقنية فقط، وإنما جزء من توازن سياسي أشمل. فكلما ضعفت الثقة السياسية، أصبحت الحدود أكثر هشاشة، وتحولت الهجرة من تحد مشترك إلى موضوع للاتهام المتبادل.

اعتماد متبادل وغير متكافئ

ويعتبر الهشومي أن العلاقة بين البلدين تقوم على اعتماد متبادل، وإن كان غير متكافئا. فإسبانيا تحتاج إلى المغرب في ملفات الأمن والهجرة والتجارة والاستقرار الإقليمي، بينما يحتاج المغرب إلى شريك إسباني موثوق داخل الاتحاد الأوروبي وفي مجالات الاستثمار والتبادل التجاري.

وهذا الاعتماد المتبادل يمثل، في الوقت نفسه، أحد العوامل التي تجعل استمرار التصعيد مكلفا للطرفين. ومن هنا، فإن تحويل سبتة إلى أداة ضغط دائم قد يدفع العلاقة تدريجيا من منطق الشراكة إلى منطق الردع المتبادل ، بما قد ينعكس على المصالح الاستراتيجية المشتركة.

ويرى الهشومي أن الأجدى هو الفصل بين التعاون في مكافحة الهجرة والخلاف السيادي، وعدم السماح بتحويل المهاجرين إلى أدوات في النزاعات السياسية. فالهجرة ، في قراءته مسألة إنسانية وأمنية مشتركة، بينما الخلاف حول سبتة ومليلية قضية سياسية وتاريخية تحتاج إلى تدبير مستقل وهادئ وبعيد المدى.

العامل الأوروبي في المعادلة

ولا يمكن، من جهة أخرى، تحليل العلاقات المغربية الإسبانية بمعزل عن الإطار الأوروبي، وهو ما يشدد عليه أشلواح، فالمغرب، بحسب الخبير، يرتبط بعلاقة متميزة مع الاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن القنوات الأوروبية يمكن أن تكون جزءا من آليات تدبير الأزمات المرتبطة بالهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود والجماعات الإرهابية.

كما يرى أن الجانب الإسباني والأوروبي يحتاج إلى التعاون مع المغرب في هذه الملفات، بالنظر إلى تداعياتها على الضفة الأوروبية للمتوسط.

وقد ظهر هذا البعد خلال الأزمة الحالية، بعدما طلبت مدريد دعما من «فرونتكس» و«يوروبول» للتعامل مع تداعيات الوضع في سبتة.

لماذا ارتفع سقف الخطاب؟

بالنسبة إلى الهشومي، يمكن تفسير ارتفاع سقف الخطاب بثلاثة عوامل متداخلة.

أولها عامل داخلي إسباني، إذ تواجه حكومة سانشيز ضغطا سياسيا واجتماعيا بعد أحداث سبتة، ما يجعلها مطالبة بإظهار الحزم في قضية السيادة، حتى لا تترك للمعارضة إمكانية احتكار خطاب الدفاع عن وحدة التراب الإسباني.

وثانيها عامل مغربي، ويتمثل في رفض الرباط أن يفهم التعاون الاستراتيجي مع إسبانيا باعتباره تنازلا ضمنيا عن موقفها التاريخي من المدينتين.

أما العامل الثالث فيرتبط بالبعد الرمزي والسيادي للقضايا الترابية، التي لا تخضع دائما لحسابات المصلحة الاقتصادية المباشرة، لأنها ترتبط بالشرعية الوطنية والذاكرة التاريخية وصورة الدولة أمام مجتمعها.

لذلك، يمكن أن يرتفع الخطاب بشأنها بسرعة، حتى عندما تكون الحكومتان حريصتين على استمرار التعاون في ملفات أخرى.
الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة

إذا كان الخلاف حول سبتة ومليلية قديما فإن الاختبار الحقيقي للعلاقة المغربية الإسبانية يكمن في قدرة الطرفين على ابقاء هذا الخلاف ضمن حدود يمكن التحكم فيها.

ويشير الهشومي إلى أن البلدين يستطيعان، لفترة محدودة، احتواء الخلاف وعزله عن التجارة والاستثمار والأمن والهجرة. لكن الخطر يبدا عندما ينتقل التصعيد من التصريحات إلى إجراءات رمزية أو دبلوماسية متبادلة، مثل تكثيف الزيارات السيادية، أو تخفيض مستوى التواصل، أو مراجعة آليات التعاون الحدودي.

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الملك فيليبي السادس المرتقبة إلى سبتة ومليلية أهمية سياسية ورمزية خاصة، خصوصا أن آخر زيارة ملكية إسبانية رسمية إلى المدينتين تعود إلى سنة 2007، وكانت قد أثارت حينها أزمة مع المغرب.

وسيكون مستوى التواصل السياسي والدبلوماسي بين البلدين، إلى جانب طبيعة التعاطي مع ملفات الهجرة والأمن والاقتصاد، من المؤشرات التي ستكشف ما إذا كانت الأزمة ستضل محصورة في نطاقها الحالي أم ستبدأ في التأثير على بقية مجالات الشراكة.

بين الخلاف والشراكة

تكشف الأزمة الحالية أن التقارب المغربي الإسباني لم ينه الخلافات التاريخية بين البلدين، وإنما وضعها داخل إطار جديد من إدارة الخلاف والتعاون المتوازي.

فبالنسبة إلى أشلواح، تجعل الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والمصالح الأمنية المشتركة من الصعب أن تتحول أزمة ظرفية إلى مواجهة شاملة، خصوصا أن ما يجمع البلدين، في تقديره أكبر مما يفرقهما.

أما الهشومي، فيركز على أن قوة الشراكة لا تعني أنها محصنة تلقائيا من الأزمات، وأن الخطر الحقيقي يبدا عندما ينتقل الخلاف من مستوى يمكن التحكم فيه إلى أزمة مفتوحة تتسرب إلى ملفات التعاون الأخرى.

وبين القراءتين، تبدو أزمة سبتة اختبارا لقدرة الرباط ومدريد على الفصل بين الخلاف والتعاون: أن يحتفظ كل طرف بموقفه بشأن القضايا السيادية، دون أن تتحول تلك القضايا إلى عامل يعطل المصالح المشتركة.

فالجغرافيا تفرض التعاون، والمصالح تدفع إليه، والتاريخ يبقي الخلاف قائما . أما مسؤولية السياسة فتتمثل في منع هذا الخلاف من التحول إلى قطيعة.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا