كشف كتاب جديد يحمل عنوان “إصلاح التعليم بالمغرب: تقييم العقد 2015-2025″، الصادر عن مؤسسة أماكن لجودة التربية والتعليم خلال شهر شتنبر من سنة 2026، أن السياسة التعليمية المتبعة خلال السنوات العشر الماضية لم تحقق أهدافها الأساسية المتمثلة في الجودة والإنصاف، مبرزا أن 19 معيارا للنجاح من أصل 32 تم تقييمها تعتبر غير محققة إطلاقا.
وأوضح التقرير الشامل، الذي أعده الخبير عبد الناصر ناجي استنادا إلى الإطار المندمج لتقييم جودة التعليم، وجود مفارقة مغربية صارخة تتجلى في التفوق على مستوى التصور الاستراتيجي وإعداد القوانين، مقابل فشل واسع في تحويل هذه النصوص إلى ممارسات فعلية داخل الفصول الدراسية، وذلك على الرغم من الميزانيات الضخمة التي خصصتها الدولة للقطاع والتي قاربت ستة بالمائة من الناتج الداخلي الخام وربع الميزانية العامة.
وأكد المصدر ذاته أن هذا الإخفاق يعود إلى سبع عقد حرجة وهيكلية، يأتي في مقدمتها الجمود الذي طال المنهاج الدراسي الوطني الذي لم يشهد أي مراجعة شاملة منذ سنة 2002، بالإضافة إلى العقدة الثانية المرتبطة بوضعية المدرسين الذين يعانون من غياب المواكبة، حيث اعتبر المؤلف أن المقاربات المعتمدة في نموذج “مدارس الريادة” حولت المدرس إلى مجرد منفذ لسيناريوهات مكتوبة سلفا، مما أسس لعهد “الطايلورية البيداغوجية” وضرب مبدأ الاستقلالية المهنية.
وأشار التقييم الميداني إلى أزمة الحكامة والمركزية المفرطة التي تخنق المبادرات المحلية وتفرغ استقلالية المؤسسات من محتواها، فضلا عن غياب نظام وطني مؤسساتي لضمان الجودة، مسجلا في هذا السياق تهميش الهيئة الوطنية للتقييم المستقلة لصالح المرصد الوطني للتنمية البشرية التابع للحكومة في ما يخص تقييم مدارس الريادة، مما أفرغ عملية التقييم من محتواها التصحيحي والموضوعي وجعلها تفتقد للاستقلالية.
وتابع الخبير التربوي رصد مكامن الخلل مبينا استمرار تفاقم الفوارق الاجتماعية والمجالية، حيث بلغ عدد الشباب خارج منظومة التعليم والعمل والتكوين أزيد من أربعة ملايين شخص، في حين تعمق الميز المدرسي مع بلوغ نسبة القطاع الخاص أزيد من 17 بالمائة وطنيا وتسجيله لنسب تصل إلى 70 بالمائة في المدن الكبرى، منتقدا في الوقت نفسه إدماج التكنولوجيا الرقمية الذي يفتقر إلى البعد البيداغوجي ويقتصر على توفير المعدات دون تكوين الأساتذة.
وأضاف الكتاب في تشخيصه للعقدة السابعة أن السياسة اللغوية الحالية تشكل عائقا حقيقيا وتتناقض مع المعايير الدولية، موضحا أن الانتقال المفاجئ لتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية في السلك الإعدادي تسبب في صدمة معرفية وانهيار في النتائج، حيث فقد المغرب 67 نقطة في العلوم في تقييم تيمس لسنة 2023، ومطالبا بالعودة إلى التدرج والتناوب اللغوي المنصوص عليه في المرجعيات الرسمية.
وكشف التقرير عن سبعة محاور استراتيجية لإنقاذ المنظومة، تشمل إعادة بناء المناهج الدراسية، وتثمين دور المدرسين مهنيا وماديا من خلال الوفاء بوعد زيادة 2500 درهم للمبتدئين وإقرار زيادات عامة لتحسين ظروف العمل، إلى جانب توضيح أدوار الحكامة وتنزيل اللامركزية، وإرساء ثقافة الجودة والمساءلة، ومحاربة الفوارق لتعزيز الإنصاف، والانتقال نحو إدماج بيداغوجي حقيقي للرقميات، وصولا إلى إعادة بناء السياسة اللغوية.
وخلص المؤلف إلى وضع أربعة سيناريوهات لمستقبل المدرسة المغربية في أفق سنة 2050، محذرا من استمرار مسار “مدرسة التمييز” التي تكرس الفوارق الاجتماعية وتؤدي إلى كسر الميثاق الوطني، وداعيا في المقابل إلى التعبئة الشاملة لبناء “المدرسة الجديدة” التي ترتكز على التعلم الذكي وتجعل من التعليم رافعة حقيقية للتنمية البشرية والتماسك الاجتماعي بالمملكة.
المصدر:
العمق