كشفت النتائج والخلاصات الأولية للبحث الوطني الثالث حول الإعاقة بالمغرب، المنجز سنة 2026، عن تعدد أنواع الإعاقة وتنوع الصعوبات التي يواجهها الأشخاص في وضعية إعاقة، إلى جانب استمرار عدد من التحديات المرتبطة بالتشخيص والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتمدرس والولوج إلى الخدمات.
وعلى مستوى أنواع الإعاقة، تشكل الإعاقة الحركية أعلى نسبة وطنية، متبوعة بالإعاقة البصرية والإعاقة المرتبطة بقصور العناية الذاتية، فيما أشار التقرير إلى أن هذه النتيجة تكتسي أهمية عملية، بالنظر إلى أنها تساعد على تحديد طبيعة الخدمات والتجهيزات التي ينبغي تطويرها، سواء تعلق الأمر بالولوجيات، أو الأجهزة والمساعدات التقنية، أو إعادة التأهيل، أو خدمات المرافقة.
ويرتبط ارتفاع نسبة قصور العناية الذاتية بارتفاع الإعاقة الشديدة المسجلة في البحث الوطني، وهي ملاحظة تكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى أن صعوبات العناية الذاتية ترتبط غالبا بالحاجة إلى مساعدة يومية ومستمرة، بما يجعل آثار الإعاقة تمتد إلى الأسرة ومقدمي الرعاية.
ومن المعطيات اللافتة التي أظهرها البحث أن شخصا واحدا من أصل خمسة له أكثر من ثلاثة إعاقات، وهو مؤشر يكشف أن جزءا مهما من الأشخاص في وضعية إعاقة لا يواجهون صعوبة واحدة، وإنما مجموعة من الصعوبات المتداخلة.
وتتطلب هذه الوضعيات خدمات متعددة ومتكاملة تشمل الصحة وإعادة التأهيل والتعليم والدعم الاجتماعي والمساعدات التقنية والمرافقة الأسرية. ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من منطق تقديم خدمة منفردة إلى بناء مسارات متكاملة للمواكبة، تقوم على التنسيق بين القطاعات والخدمات.
وفي ما يتعلق بأسباب الإعاقة، تشير النتائج إلى أن الأمراض غير الوراثية والحالة الصحية للأشخاص تشكل نسبة عالية تتجاوز النصف، متبوعة بالتقدم في السن والأمراض الوراثية والحوادث، في حين تظل نسبة الأسباب المرتبطة بظروف الحمل والولادة منخفضة.
وتؤكد هذه المعطيات، حسب المصدر ذاته، أهمية الوقاية والكشف المبكر والتشخيص والعلاج وإعادة التأهيل الوظيفي، إلى جانب تحسين جودة الخدمات الصحية. كما تؤكد أن جزءا من التحدي يرتبط بالقدرة على التدخل في الوقت المناسب والحد من الآثار طويلة المدى لبعض الحالات الصحية.
فجوة التشخيص تكشف حالات غير مكتشفة
ومن أبرز نتائج البحث الوطني كذلك وجود فجوة بين وجود الصعوبة والاعتراف بها على مستوى التشخيص، إذ إن 29.7 في المائة فقط من الأشخاص في وضعية إعاقة يتوفرون على تشخيص، أي نحو ثلاثة أشخاص من أصل عشرة.
وبحسب مجموع التشخيصات المسجلة، تستأثر الإعاقة الحركية بأعلى نسبة، بـ46.8 في المائة، تليها الإعاقة الذهنية بـ22.8 في المائة، ثم الإعاقة البصرية بـ21.5 في المائة، بينما تظل نسبة تشخيص بعض الاضطرابات العصبية النمائية محدودة، خاصة اضطراب طيف التوحد، الذي يمثل 3.4 في المائة، واضطرابات التعلم المحددة، بنسبة 1.1 في المائة.
وتستدعي النتائج المتعلقة بنسب التشخيص قراءة متأنية، إذ لا تعكس هذه النسب معدل انتشار الاضطرابات في المغرب، وإنما حصتها من مجموع التشخيصات المسجلة. وعند وضعها في سياق المعطيات الدولية، تبرز أهمية التساؤل حول مدى كفاية منظومة الكشف والتشخيص.
وتشير التقديرات الدولية إلى انتشار اضطراب طيف التوحد في حدود نحو 1 في المائة عالميا، مع تفاوت كبير بين البلدان، بينما تقدر منظمة الصحة العالمية انتشار اضطرابات التعلم النمائية لدى الأطفال في سن الدراسة بنحو 5 إلى 15 في المائة، بحسب نوع الاضطراب والمعايير والمنهجية المعتمدة.
وحسب الدراسة، فإن محدودية التشخيص المسجلة في البحث الوطني لا يمكن اعتبارها دليلا على انخفاض انتشار هذه الاضطرابات في المغرب، بل قد تعكس، جزئيا، وجود فجوة بين الحالات الموجودة فعليا والحالات التي يتم اكتشافها وتشخيصها وتوثيقها والاعتراف بها إداريا.
ويمكن أن ترتبط هذه الفجوة بمحدودية الكشف المبكر، ونقص الموارد والخبرات المتخصصة، وضعف الوعي، وصعوبات الولوج إلى خدمات التشخيص، إضافة إلى محدودية آليات التعرف على الصعوبات داخل المدرسة.
وتشير نتائج البحث الوطني إلى محدودية واضحة في تشخيص الاضطرابات العصبية النمائية، في وقت تؤكد فيه المعطيات الدولية أنها ليست اضطرابات نادرة. كما أن وجود أطفال غير مشخصين داخل المدرسة يعني أن المعطيات الإدارية لا تعكس بالضرورة كامل حجم الاحتياجات الفعلية.
ولذلك، فإن التحدي لا يقتصر على زيادة عدد التشخيصات، وإنما يتمثل في بناء منظومة قادرة على التعرف المبكر على الأطفال الذين يواجهون صعوبات وظيفية أو نمائية، وتقييم احتياجاتهم، وضمان حصولهم على الدعم المناسب، سواء توفر لديهم اعتراف إداري رسمي أم لم يتوفر بعد، وفق الدراسة ذاتها.
الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية.. استفادة قائمة وأعباء مستمرة
وعلى مستوى الحماية الاجتماعية، تشير النتائج إلى أن ما يقارب ثلثي الأشخاص في وضعية إعاقة يتوفرون على حماية اجتماعية، وهو ما يمثل تقدما مهما في سياق تعميم الحماية الاجتماعية، غير أن هذا المعطى يعني في الوقت نفسه أن جزءا مهما من الأشخاص لا يزال خارج التغطية.
وتظهر النتائج استفادة نسبة تقارب النصف من التأمين الإجباري على المرض «AMO تضامن»، وهو ما يعكس الدور المتزايد لمنظومة الحماية الاجتماعية في تسهيل الولوج إلى الخدمات الصحية.
وبين البحث الوطني أن عدم استفادة الثلث المتبقي من الحماية الاجتماعية يرتبط بعدة عوامل، من بينها ضعف القدرة على أداء الاشتراك، والصعوبات الإدارية، وعتبة مؤشر الدعم الاجتماعي المباشر، وعليه، فإن توسيع التغطية لا يتطلب فقط توسيع الاستحقاق، بل أيضا تبسيط المساطر وتقوية المواكبة وتيسير الولوج الفعلي إلى الحقوق.
وفي ما يخص التغطية الصحية، تشير النتائج إلى أن 65.6 في المائة من الأشخاص في وضعية إعاقة يصرحون بأن مصاريف الأدوية والصيدلة تبقى على عاتق الأسرة، وهي نتيجة تكشف عن وجود فجوة بين الاستفادة من التغطية الصحية وبين القدرة الفعلية على تحمل مختلف النفقات المرتبطة بالإعاقة.
فالتكلفة لا تقتصر على العلاج، وإنما قد تشمل الأدوية والتنقل وإعادة التأهيل والمساعدات التقنية والمستلزمات الخاصة وخدمات المرافقة. ومن ثم، فإن الرعاية الصحية للأشخاص في وضعية إعاقة تحتاج إلى مقاربة متكاملة تتجاوز التغطية الطبية المباشرة إلى مختلف مكونات الرعاية والدعم.
التمدرس.. حواجز مؤسساتية وأعباء تتحملها الأسر
وفي قطاع التعليم، اعتمد البحث الوطني الثالث حول الإعاقة أدوات أدق، وفق مقاربة اليونيسف ومجموعة واشنطن لإحصاءات الإعاقة، لرصد الصعوبات الوظيفية لدى الأطفال، بما يشمل الحالات غير المشخصة أو غير المصرح بها إداريا، ويبلغ معدل تمدرس الأطفال ذوي الصعوبات الوظيفية في الفئة العمرية بين 6 و17 سنة نحو 65 في المائة.
ووفق المصدر ذاته، فإن قراءة هذه النتائج تستوجب الانتباه إلى أن البحث الوطني الثالث اعتمد أدوات أكثر دقة في رصد الصعوبات الوظيفية لدى الأطفال، وهو ما يسمح بإدراج حالات قد لا تكون مشخصة أو مصرحا بها إداريا. ولذلك، ينبغي توخي الحذر عند إجراء المقارنات الزمنية المباشرة مع نتائج البحث السابق، بالنظر إلى اختلاف أدوات ومنهجية القياس، ومن ثم، فإن البيانات الإدارية القائمة على التشخيص والاعتراف الرسمي قد تقلل من حجم الفئة المحتاجة إلى الدعم مقارنة بالاحتياجات الفعلية داخل المؤسسات التعليمية.
ويكتسي ذلك أهمية أكبر بالنسبة إلى الاضطرابات العصبية النمائية، التي قد لا تكون مظاهرها دائما واضحة، وقد تمر بعض الحالات دون تشخيص أو يتم تفسير صعوباتها باعتبارها مجرد تعثر دراسي أو مشكلات سلوكية.
وتبرز، لذلك، الحاجة إلى تعزيز الكشف المبكر داخل المنظومة التعليمية، وتطوير التشخيص متعدد التخصصات، وتوفير أدوات تقييم ملائمة، وربط المدرسة بخدمات الصحة والدعم المتخصص، مع تطوير آليات تسمح بالتعرف على الاحتياجات التعليمية والداعمة للأطفال، حتى عندما لا يكون لديهم بعد تشخيص طبي أو اعتراف إداري رسمي.
وتكشف النتائج، في ما يتعلق بحواجز التمدرس، عن وجود موانع مؤسساتية وأعباء تتحملها الأسر، إذ يأتي رفض التسجيل بسبب الإعاقة في المرتبة الأولى ضمن أسباب عدم الولوج إلى المدرسة، بنسبة 42.4 في المائة، يليه عدم قدرة الأسرة على توفير خدمة المرافقة، بنسبة 26.9 في المائة.
المصدر:
العمق