احمد الطيب ـ كود//
من يتابع الجولات التي يقوم بها عبد الإله بنكيران هذه الأيام في عدد من المدن المغربية قد يعتقد للوهلة الأولى أن حزب العدالة والتنمية يستعد للعودة إلى السلطة، وأن زلزال 2021 لم يكن سوى حادث عابر في مسار حزب ما زال يحتفظ بكل عناصر القوة والتماسك. لكن السياسة، كما يعلم العارفون بأسرارها، لا تقاس بعدد الكراسي المملوءة في القاعات، ولا بعدد الصور التي تتداولها الصفحات الحزبية، بل بوزن التنظيم، وصلابة المؤسسات، وقدرة الحزب على إنتاج النخب وتجديد نفسه.
في الحقيقة، تبدو جولات بنكيران أقرب إلى رقصة الديك المذبوح. حركة كثيرة، وصخب مرتفع، وريش يتطاير في كل اتجاه، لكن الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها هي أن المعركة انتهت منذ زمن، وأن ما نراه اليوم ليس استعراض قوة بقدر ما هو مقاومة رمزية لنتائج الهزيمة.
فالرجل الذي كان قبل سنوات رئيسا للحكومة وصاحب النفوذ الأقوى داخل حزبه، يتحرك اليوم فوق أرض سياسية مختلفة تماما، لا حكومة في يده، ولا مؤسسات تحت إمرته، ولا حزب يشبه ذلك التنظيم الحديدي الذي كان يملأ الشوارع بالمؤيدين ويقود النقاش العمومي. ما بقي هو بنكيران نفسه، بصوته المرتفع وقفشاته المعتادة وقدرته الفريدة على تحويل أي لقاء سياسي إلى عرض جماهيري.
لكن هل يعني ذلك أن الحزب عاد؟ الجواب على الأرجح: لا.
الذين يتزاحمون لالتقاط الصور مع بنكيران لا يفعلون ذلك بالضرورة لأنهم مقتنعون بمشروع العدالة والتنمية الحالي أو معجبون بقياداته الجديدة. كثير منهم يأتون بدافع الحنين إلى زمن مضى، إلى مرحلة كان فيها الرجل في قلب السلطة، وكانت كلماته تصنع الحدث وتربك الخصوم. إنهم يحضرون لمشاهدة بنكيران أكثر مما يحضرون للاستماع إلى العدالة والتنمية.
وهنا تكمن المفارقة. فكلما نجح بنكيران في استقطاب الانتباه، ازداد وضوح الأزمة التي يعيشها الحزب. الأحزاب القوية لا تختزل في شخص واحد، ولا تتحول إلى مؤسسة ناطقة باسم زعيمها التاريخي. أما حين يصبح الزعيم هو الخبر، وهو البرنامج، وهو التعبئة، وهو الأمل الأخير، فذلك يعني أن المؤسسة نفسها تعاني أزمة وجود.
لقد تحول العدالة والتنمية، بعد سنوات من الخلافات والاستقالات والصراعات الصامتة، إلى هيكل سياسي فقد الكثير من أعضائه الحيوية. الرأس ما زال يتكلم، لكن الجسد يبدو منهكا. والقيادات التي كان يفترض أن تحمل المشعل بعد بنكيران إما غادرت المشهد أو دخلت في خلافات أو اختارت الصمت. لذلك لم يعد السؤال كم شخصاً حضر لقاء بنكيران؟ بل من سيبقى في الحزب يوم يغادر بنكيران؟
الدولة، في نهاية المطاف، لا تراهن على الأحزاب باعتبارها زعامات فردية، بل باعتبارها مؤسسات قادرة على التأطير وإنتاج النخب وضمان الاستقرار السياسي. أما حزب لم يعد يملك سوى زعيمه التاريخي، فإن أقصى ما يستطيع فعله هو تأجيل إعلان الحقيقة، لا تغييرها.
لهذا تبدو هذه الجولات، مهما ارتفع منسوب الحماس داخلها، أقرب إلى طواف وداع سياسي منها إلى إعلان عودة منتظرة. فبنكيران يجوب المدن وكأنه يستعيد أمجاد زمن مضى، بينما يواصل الواقع السياسي السير في اتجاه آخر. وبين التصفيق والحنين، وبين الذكريات والأحلام، يبقى السؤال معلقا، هل نشاهد بداية عودة أم الفصل الأخير من حكاية سياسية كانت يوما من أكثر الحكايات إثارة في المغرب؟
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن الحنين، مهما كان صاخبا، لا يكفي وحده لصناعة المستقبل.
المصدر:
كود