تطور الجدل المثار حول تصريحات الباحث في التغذية، محمد الفايد، بشأن مفهوم “أمية الرسول” إلى مسار قضائي، بعدما تقدمت جمعية حقوق الإنسان ومحاربة الفساد بتطوان بشكاية إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالمدينة، تلتمس فيها فتح بحث قضائي معمق بشأن مضامين وتصريحات رقمية منسوبة إلى الفايد، وترتيب الآثار القانونية التي قد يكشف عنها البحث.
وقالت الجمعية، في شكايتها الموقعة من طرف رئيسها محمد أمزيان، إن المضامين موضوع الشكاية قد تتجاوز، من وجهة نظرها، حدود حرية الرأي والتعبير إلى ما قد يشكل مساسا بالدين الإسلامي وشعائره ومشاعر المسلمين، فضلا عن الإساءة إلى الثوابت الدينية للمملكة، والسب والقذف أو الإهانة في حق فئات من المواطنين، إلى جانب الخوض في قضايا الفتوى والشأن الديني.
وتأتي الشكاية على خلفية الجدل الواسع الذي اندلع على مواقع التواصل الاجتماعي، عقب تدوينة نشرها محمد الفايد تساءل فيها عن مفهوم أمية الرسول صلى الله عليه وسلم، قبل أن يعدل لاحقا بعض عباراتها ويوضح أن المقصود لم يكن وصف النبي بالجهل، وأن كلامه ورد في صيغة تساؤلية وشرطية، غير أن توضيحه لم ينه الجدل الذي سرعان ما اتسع ليشمل عددا من الشخصيات الدينية والسياسية والحقوقية.
واعتبرت الجمعية الحقوقية أن بعض المضامين المنسوبة إلى الفايد تتضمن، بحسب ما ستعرضه على النيابة العامة، تشكيكا أو طعنا في بعض أركان الدين وشعائره، كما أشارت إلى ما اعتبرته إساءة إلى المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية باعتبارهما من مكونات المرجعية الدينية المغربية.
وأثارت الشكاية تصريحات ومضامين قالت الجمعية إنها تستهدف أو تسيء إلى فئات من المواطنين، خصوصا الأشخاص الذين يحملون لحى أو يظهرون التزاما دينيا، مطالبة بالتحقق من مدى توافر الأفعال التي قد تدخل ضمن السب أو القذف أو الإهانة أو أي وصف جرمي آخر قد يكشف عنه البحث.
في جانب آخر، أثارت الجمعية مسألة الخوض في مجال الفتوى والشأن الديني، معتبرة أن بعض المضامين المقدمة للعموم تتعلق بقضايا تدخل ضمن الاختصاصات المؤسسية للجهات المختصة، وفي مقدمتها المجلس العلمي الأعلى، وهو ما دفعها إلى مطالبة النيابة العامة بالتحقق من طبيعة تلك التصريحات ومدى احترامها للإطار المؤسساتي والقانوني المنظم للشأن الديني بالمملكة.
ولم تكتف الجمعية بتوثيق المضامين المتداولة على مواقع التواصل، إذ أوضحت في شكايتها أنها سبق أن تقدمت إلى رئيس المحكمة الابتدائية بتطوان بطلب لإجراء معاينة وإثبات حال بواسطة مفوض قضائي، قبل أن يصدر أمر قضائي بإجراء المعاينة وتوثيق المحتويات الرقمية موضوع الشكاية.
وتضع الجمعية رهن إشارة النيابة العامة، بحسب مضمون الشكاية، نسخة من الأمر القضائي ومحضر المعاينة المنجز بواسطة المفوض القضائي، إلى جانب باقي الوثائق ووسائل الإثبات التي تتوفر عليها، مع التأكيد على أن التكييف القانوني النهائي للوقائع يبقى من اختصاص النيابة العامة والمحكمة المختصة.
وطالبت الجمعية بفتح بحث قضائي جدي ومعمق، والاستماع إلى محمد الفايد وكل من قد يفيد البحث، وإجراء الخبرات التقنية اللازمة للتحقق من صحة المضامين الرقمية ونسبتها إلى أصحابها، فضلا عن التحقق من مدى قيام أفعال يعاقب عليها القانون، وترتيب الآثار القانونية في حق كل من تثبت مسؤوليته.
ويأتي هذه التطور في وقت اتسعت فيه دائرة الجدل حول تصريحات الفايد، بعدما وجه الشيخ الموريتاني محمد الحسن ولد الددو انتقادات شديدة إليه، كما دخل عدد من الدعاة والشخصيات العامة على خط النقاش، فيما طالبت الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان النيابة العامة بدورها بفتح تحقيق بشأن التصريحات موضوع الجدل.
وفي السياق نفسه، اختار المجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تتضمن خطبة الجمعة المقررة يوم 4 شتنبر الجاري حديثا صريحا عن وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم بـ”الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب”، ضمن خطبة بعنوان “الرسول ﷺ مربيا ومعلما”، غير أن نص الخطبة لا يتضمن أي إشارة إلى محمد الفايد أو إلى الجدل الدائر حول تصريحاته، كما يقدم اختيار موضوعها في إطار الاحتفاء بمولد الرسول وبداية الموسم الدراسي.
كما دخل وزير العدل والحريات الأسبق مصطفى الرميد على خط النقاش، منتقدا خوض الفايد في قضايا الدين “بغير علم”، لكنه اعتبر في المقابل أن التوضيح الذي قدمه الأخير عقب الجدل يمكن فهمه باعتباره اعتذارا مبطنا ينبغي قبوله، داعيا إلى تجاوز الموضوع.
في المقابل، دعت أصوات حقوقية أخرى إلى عدم الانسياق وراء التكفير أو إصدار أحكام مسبقة، معتبرة أن أطروحات الفايد ينبغي مناقشتها من زاوية علمية وفكرية، في انتظار ما قد تسفر عنه أي أبحاث أو إجراءات رسمية بشأن القضية.
المصدر:
العمق