تحولت سبتة، الأربعاء، إلى محور موجة احتجاجات واسعة امتدت من شوارع المدينة إلى عدد من المدن الإسبانية وصولا إلى بروكسل، حيث خرج آلاف الأشخاص للتعبير عن دعمهم للمدينة على خلفية أزمة الهجرة التي اندلعت نهاية يوليوز، في تحركات اتخذ بعضها طابعا سياسيا حادا من طرف اليمين المتطرف ضد حكومة بيدرو سانشيز، بينما رافقتها في مدريد هتافات عنصرية استهدفت المسلمين، وشعارات تتهم رئيس الحكومة بـ”الخيانة” وبالتقارب مع المغرب، وانتهت إحدى التجمعات باعتقال أربعة أشخاص وإصابة أربعة من عناصر الشرطة.
ففي سبتة، خرج أكثر من 25 ألف شخص، وفق معطيات نقلتها وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” عن مصادر شرطية، في مسيرة حاشدة تزامنت مع احتفالات “يوم الحكم الذاتي”، ورفعت خلالها أعلام إسبانيا وسبتة، فيما حملت المسيرة شعار “سبتة لا تباع، سبتة تدافع عن نفسها”، قبل أن تمتد الاحتجاجات لأكثر من أربع ساعات.
وانطلقت المسيرة الرئيسية من محيط الأسوار الملكية، بدعوة من اتحاد جمعيات السكان في سبتة، قبل أن يلتحق جزء من المحتجين بتجمع آخر في ساحة الملوك، نظمته جمعية “منتدى القرن الحادي والعشرين”، وشارك فيه أكثر من أربعة آلاف شخص، للمطالبة باستقالة مندوب الحكومة الإسبانية في المدينة ميغيل أنخيل بيريث، وفق “إيفي”.
وخلال التجمع الرئيسي، تمت تلاوة بيان حمل عنوان “سبتة نحن جميعا”، شارك في قراءته أربعة شبان يمثلون الطوائف الدينية الأربع الرئيسية في المدينة، المسيحية والمسلمة والهندوسية واليهودية، حيث اعتبر البيان أن الضغط الناتج عن وصول أعداد كبيرة من المهاجرين يضع موارد وخدمات المدينة وقدرتها على حماية حدودها وأمنها أمام اختبار صعب.
وطالب البيان الحكومة الإسبانية بتعزيز وسائل الدولة في سبتة وتشديد مراقبة الحدود، وتوفير الموارد البشرية والمادية والإدارية اللازمة، إضافة إلى “الإعادة الفعلية وبضمانات” للأشخاص الذين دخلوا إلى المدينة بشكل غير قانوني، فضلا عن تخصيص تمويل استثنائي لمواجهة تداعيات الأزمة ودعم الشركات والعاملين واستعادة النشاط الاقتصادي، مع دعوة الاتحاد الأوروبي إلى تحمل مسؤولياته باعتبار سبتة، وفق الخطاب الإسباني، حدودا خارجية للاتحاد.
احتجاجات يمينية في مدن إسبانية
وفي الوقت نفسه، امتدت الاحتجاجات إلى مختلف أنحاء إسبانيا، بعدما دعت الفيدرالية الإسبانية للبلديات والمقاطعات إلى تنظيم تجمعات في جميع البلديات أمام مقرات المجالس المحلية، وهي الدعوة التي انخرط فيها حزب الشعب وحزب فوكس، بينما اعتبرتها الحكومة الإسبانية ذات طابع حزبي واتهمت المعارضة بمحاولة توظيف أزمة سبتة سياسيا.
وشهدت مدريد، على وجه الخصوص، تجمعا أمام البرلمان الإسباني تحت شعار “سبتة توحدنا”، بالتزامن مع تحركات أخرى في العاصمة، فيما خرجت تجمعات مماثلة في مدن بينها سرقسطة وبالما وفالنسيا وإشبيلية وسانتاندير ومورسيا وقصرش وباداخوث وقرطاجنة، إضافة إلى مدن أخرى في مناطق مختلفة من البلاد، في واحدة من أبرز موجات التضامن الشعبي مع سبتة منذ اندلاع الأزمة.
ولم تخل هذه التحركات من خطاب سياسي شديد اللهجة تجاه حكومة سانشيز، إذ اتهم زعيم حزب الشعب ألبرتو نونييث فييخو الحكومة بأنها أصبحت “أقرب إلى المغرب من إسبانيا كلها”.
ووصف زعيم حزب فوكس سانتياغو أباسكال الحكومة بأنها “خائنة” واتهمها بالعمل في خدمة المغرب، في وقت تحولت فيه علاقة مدريد بالرباط إلى إحدى أبرز نقاط السجال السياسي المرتبط بأزمة سبتة.
وفي تجمع مدريد أمام البرلمان، لم تتوقف الهتافات عند مهاجمة رئيس الحكومة، بل شهدت المسيرة ترديد شعارات عنصرية استهدفت المسلمين، من بينها هتافات تربط الإسبانية بالمسيحية فقط وترفض الإسلام، إلى جانب شعارات تصف ما وقع في سبتة بأنه “غزو وليس هجرة”، في خطاب يعكس انتقال جزء من الاحتجاجات من المطالبة بتشديد الإجراءات الحدودية إلى خطاب يستهدف المهاجرين والمسلمين.
وتصاعد التوتر خلال التجمع بعدما اضطرت الشرطة إلى استخدام معدات مكافحة الشغب عقب إلقاء متظاهرين أجساما باتجاه عناصرها، لتنتهي الاحتجاجات باعتقال أربعة أشخاص، بينهم قاصران، على خلفية الإخلال بالنظام ومقاومة السلطات، فيما أصيب أربعة من عناصر الشرطة الوطنية، ثلاثة منهم بجروح طفيفة بينما خضع الرابع للتقييم الطبي، وفق ما أوردته “إيفي”.
كما شهد التجمع في بدايته مواجهات مع وسائل الإعلام، بعدما تعرض صحفيون من قناتي “لا سيكستا” و”تي في إي” لاعتداءات من بعض المشاركين، قبل تدخل الشرطة لتفريقهم، بينما أدان مندوب الحكومة في مدريد أعمال العنف، مؤكدا أن الاحتجاج السلمي حق مشروع، لكن “العنف ليس الطريق”.
تصعيد يميني في بروكسيل
ولم تتوقف تداعيات أزمة سبتة عند إسبانيا، إذ امتدت التحركات إلى العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث تجمع نحو 200 شخص أمام مقر البرلمان الأوروبي، معظمهم من أعضاء البرلمان وموظفيه، في وقفة دعم لسبتة شارك فيها أيضا نواب أوروبيون عن الحزب الشعبي وفوكس.
وفي بروكسل، ارتفع مستوى التصعيد السياسي بشكل لافت، إذ طالبت مسؤولة بارزة في الحزب الشعبي الأوروبي الحكومة الإسبانية بالاستقالة وإجراء انتخابات مبكرة.
وذهب ممثل فوكس في البرلمان الأوروبي خورخي بوكسادي إلى وصف تدفق المهاجرين إلى سبتة بأنه “عمل من أعمال الحرب الهجينة”، مطالبا مؤسسات الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات ضد المغرب، بما في ذلك تعليق اتفاقيات التعاون بين الاتحاد والرباط وفرض عقوبات أوروبية.
وفي مقابل الخطاب المتشدد، شهدت بعض المدن الإسبانية تجمعات مضادة مناهضة للعنصرية، كما أكد البيان الذي تلي في سبتة رفض “أي شكل من أشكال الكراهية والعنصرية والمواجهة”، داعيا إلى الحفاظ على التعايش واحترام التنوع الديني الذي يميز المدينة.
وفي خضم هذه الاحتجاجات، دعا الملك الإسباني فيليبي السادس إلى الوحدة والتعايش والنظر إلى مستقبل سبتة، مؤكدا في رسالة بمناسبة “يوم سبتة” أن “التاج والجميع مع مدينتنا”.
كما أجرى الملك اتصالا برئيس حكومة سبتة خوان فيفاس، نقل خلاله دعم إسبانيا للمدينة، خصوصا في ظل الظروف التي تمر بها، وأشاد بجهود الموظفين العموميين والمتطوعين والجمعيات وممثلي مختلف الطوائف الدينية في تدبير تداعيات الأزمة.
* صور “إيفي”
المصدر:
العمق