مع اقتراب موعد الدخول المدرسي، تبدأ الأسر المغربية في الاستعداد لمرحلة جديدة لا تقتصر فقط على اقتناء الكتب والدفاتر والملابس والأدوات المدرسية، بل تمتد إلى جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالتهيئة النفسية للأطفال، خصوصا بعد أسابيع من العطلة الصيفية التي اعتادوا خلالها على نمط حياة مختلف.
فالطفل الذي أمضى العطلة في السهر واستعمال الهواتف أو اللوحات الإلكترونية لساعات طويلة، يجد نفسه فجأة أمام نظام صارم؛ إذ يصبح مطالبا بالنوم المبكر، والاستيقاظ في الصباح الباكر، والالتزام بمواعيد الدراسة، وهي تغييرات قد لا يتقبلها بعض الأطفال بسهولة.
وفي هذا الإطار، قال سامي دقاقي، أستاذ علم النفس بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء والباحث في علوم التربية، إن العودة إلى الدراسة ليست حدثا مفاجئا بالنسبة للتلاميذ لأنها مرتبطة بجدولة زمنية معروفة، لكنها في الوقت نفسه لا تمر دائما بالسلاسة التي يتوقعها البعض.
وأوضح دقاقي، في تصريح لجريدة “العمق”، أن هذه المرحلة قد تنتج انفعالات متضاربة لدى الأطفال؛ فهناك فرحة لقاء الأصدقاء واستعادة أجواء المدرسة، مقابل القلق والتوتر الناتجين عن فقدان مكاسب العطلة، ولا سيما الحرية في تنظيم الوقت والاستعمال الواسع للشاشات.
وأضاف الباحث النفسي أن الانتقال المفاجئ من نمط العطلة الحر إلى نظام مدرسي أكثر انضباطا يمكن أن يسبب خللا مؤقتا في التوازن النفسي للطفل، مبرزا أنه قد تظهر خلال الأسابيع الأولى بعض الأعراض، كالشرود، وانخفاض التركيز، والصداع، بسبب صعوبة التأقلم مع الروتين الجديد.
ولا يقتصر هذا الضغط على الأطفال وحدهم، فالآباء بدورهم يجدون أنفسهم أمام ضغط مزدوج؛ فمن جهة هناك الجانب المالي المرتبط بمصاريف الكتب واللوازم والملابس والنقل، ومن جهة أخرى يبرز الجانب النفسي المرتبط بإعداد الأبناء للعودة إلى الفصول الدراسية، وتعديل مواعيد نومهم، وتقليص أوقات الشاشات، فضلا عن التعامل مع حالات التذمر والعصبية.
ويرى دقاقي أن تزامن هذه الضغوط قد يؤدي إلى إجهاد نفسي داخل الأسرة، وينعكس سلبا على العلاقة بين الوالدين أو بين الآباء والأبناء، لتتحول فترة العودة إلى المدرسة إلى مصدر توتر داخل البيت. وأكد أن قدرة الأسرة على التكيف تبقى عاملا أساسيا لتجاوز هذه المرحلة، مشيرا إلى أن غياب المرونة والتنسيق قد يؤدي إلى خلافات يومية حول تنظيم الوقت، أو استعمال الهاتف، أو الالتزام بالواجبات.
ولتفادي هذه التوترات، ينصح دقاقي بالعودة التدريجية إلى النظام المدرسي عبر تعديل أوقات النوم قبل بداية الدراسة بأيام، داعيا إلى اعتماد التواصل الإيجابي داخل الأسرة، وإشراك الأطفال في وضع القواعد الجديدة وتحمل المسؤوليات.
من جانبه، أوضح الباحث في علم النفس عبد الجبار شكري أن الانتقال من فترة العطلة إلى الموسم الدراسي لا يمثل مجرد تغيير في الجدول اليومي، بل هو تحول جذري يعيش فيه الطفل الانتقال من أقصى درجات الحرية إلى منظومة من القواعد والالتزامات، مشيرا إلى أن هذا التغير المفاجئ في العادات اليومية قد يولد قلقا متزايدا، خاصة لدى الأطفال الصغار الذين يعانون صعوبة الانفصال عن الوالدين، ممثلين ذلك بالبكاء والتشبث واضطرابات النوم، مؤكدا أن هذه السلوكيات استجابة طبيعية لتغيير الروتين وليست اضطرابا نفسيا.
وشدد الباحث النفسي على المحورية الكبيرة لتعامل الآباء مع هذه المرحلة الانتقالية، محذرا من أن الإكثار من الحديث عن صعوبة المناهج والنتائج والعقاب يحول المدرسة في ذهن الطفل إلى مصدر للخوف والضغط بدلا من فضاء للتعلم والاجتماع بالأصدقاء، منبها إلى تداخل الضغوط الاقتصادية بالنفسية داخل الأسرة، إذ ينعكس توتر الأبوين الناجم عن مصاريف الدخول المدرسي بشكل مباشر أو غير مباشر على الأبناء الذين يمتلكون حساسية عالية لملاحظة الحالة النفسية لوالديهم.
وفيما يتعلق بتحدي الشاشات والأجهزة الإلكترونية الذي يتضاعف عقب العطلة الصيفية، أكد شكري أن سياسة المنع المفاجئ تؤدي إلى تصاعد المقاومة والصراع داخل البيت. ودعا في المقابل إلى اعتماد منهجية التدرج في تقليص أوقات الشاشات مع الشرح والتوضيح للأطفال، بالتوازي مع البدء في إعادة ضبط واعتماد ساعات النوم المبكر قبل انطلاق الدراسة بأيام تفاديا للإجهاد الناتج عن التغيير الفجائي.
وخلص شكري إلى أن حاجة الطفل الأساسية تكمن في الشعور بالأمان والاحتواء خلال هذه الفترة الانتقالية، مؤكدا أن تبني الأسر أسلوبا تدريجيا وهادئا في التهيئة للعودة المدرسية يضاعف فرص التأقلم السريع لدى الأطفال، ويضمن تحويل بداية الموسم الدراسي إلى مرحلة نمو طبيعية وسلسة، بدلا من كونها صدمة ومصدرا للتوتر والاستنزاف النفسي لجميع أفراد الأسرة.
المصدر:
العمق