أكد إبراهيم أونبارك، الباحث في الفعل السياسي وتدبير قضايا التراب، أن الهندسة الترابية للدوائر الانتخابية وشبكات النفوذ المحلي أصبحت من العوامل المؤثرة بقوة في صناعة النخب السياسية بالمغرب، معتبرا أن استمرار منطق «الأعيان» و«مول الشكارة» والولاءات العائلية والقبلية يهدد بتحويل الانتخابات من آلية لإفراز الكفاءات إلى سوق للمنافسة على المقاعد والمواقع.
وأوضح أونبارك، في تصريح لجريدة «العمق»، أن المغرب راكم تجربة مهمة في تنظيم الانتخابات وتطوير الممارسة الديمقراطية، غير أن هذه التجربة، بحسبه، رافقتها اختلالات وسلوكات أفرغت العملية الانتخابية من جزء من تأثيرها في إنتاج نخبة سياسية قادرة على حمل مشاريع وطنية وتنموية واضحة.
واعتبر الباحث أن القوانين المؤطرة للعملية الانتخابية، ومن بينها القاسم الانتخابي والتقسيم الترابي للدوائر، لا يمكن فصلها عن طبيعة الخريطة السياسية التي تفرزها الانتخابات، مشيرا إلى أن بعض الآليات قد تساهم في إنتاج مشهد حزبي متشتت لا يسمح دائما بتشكيل أغلبيات قوية ومنسجمة وقادرة على تنفيذ البرامج التي تقدمها للناخبين.
وسجل أن تقسيم التراب إلى دوائر انتخابية قد يعزز بدوره حضور الاعتبارات المحلية في اختيار المرشحين، بما يجعل بعض المنتخبين أكثر ارتباطا بمصالح دوائرهم الضيقة من ارتباطهم بالمشاريع والسياسات الوطنية.
وفي هذا السياق، حذر أونبارك من تحول النائب البرلماني إلى ما وصفه بـ«نائب خدمات»، خصوصا عندما تضعف الكفاءة القانونية والتدبيرية والتواصلية للمنتخب، مؤكدا أن النائب الذي لا يمتلك القدرة على فهم السياسات العمومية وتحليل القوانين والمساهمة في صياغة التشريعات، قد يجد نفسه محصورا في تدبير انتظارات محلية ضيقة بدل ممارسة دوره المؤسساتي في صناعة القرار الوطني.
وربط المتحدث هذه الإشكالية بما وصفه بتراجع معيار الكفاءة في اختيار المرشحين، مقابل تصاعد أهمية القدرة على الفوز داخل الدوائر الانتخابية. وقال إن المال والنفوذ المحلي و«مول الشكارة» والأعيان والولاءات العائلية والقبلية أصبحت، في نظره، عناصر حاسمة في رسم جزء من الخريطة الانتخابية.
وحذر أونبارك من أن هذا المنطق يدفع الأحزاب إلى اختيار مرشحين بناء على قدرتهم على حشد الأصوات والعائلات والأحياء والقبائل، أكثر من قدرتهم على تمثيل مشروع الحزب والدفاع عن تصوراته التنموية، ما يؤدي تدريجيا إلى اختزال المؤسسة الحزبية في الأشخاص بدل البرامج.
واعتبر أن هذه الوضعية تفسر تحول التصويت في بعض الحالات إلى تصويت على الأشخاص، من خلال منطق «صوتنا على فلان»، بعيدا عن البرامج والتوجهات السياسية للحزب الذي ينتمي إليه المرشح.
وفي مقابل ذلك، دعا الباحث إلى إعادة بناء الحياة الحزبية على أساس تكوين النخب وتأهيلها، مؤكدا أن الأحزاب مطالبة بإعداد مناضلين قادرين على بناء مشاريع تنموية متكاملة وفهم السياسات العامة على المستويين الوطني والمحلي.
كما حذر من استمرار اختزال البرلمان في فضاء لتجميع المصالح الترابية والمحلية، مؤكدا أن المقعد البرلماني ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مسؤولية لخدمة المصلحة العامة، وليس امتيازا لممارسة السلطة أو تصفية الحسابات أو بناء شبكات المصالح.
وشدد أونبارك على أن إصلاح الممارسة الانتخابية لا يقتصر على تغيير القوانين أو آليات الاقتراع، بل يتطلب، بحسبه، تغييرا في الثقافة السياسية نفسها، والانتقال من منطق المصلحة الخاصة إلى المصلحة العامة، ومن البحث عن المناصب إلى تحمل المسؤولية، ومن الولاءات الشخصية إلى التنافس على أساس الكفاءة والبرامج.
وأكد أن هذا التحول أصبح أكثر إلحاحا في ظل التحديات الإقليمية والدولية، معتبرا أن استمرار الاختلالات البنيوية في الممارسة السياسية والانتخابية قد يكلف المغرب مزيدا من التأخر التنموي، فيما يظل الرهان الأساسي هو بناء نخبة سياسية مؤهلة وقادرة على مواكبة التحولات وصناعة السياسات العمومية.
المصدر:
العمق