احمد الطيب – كود الرباط//
هناك شيء يلفت الانتباه في الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية وهو يستعد للانتخابات التشريعية المقبلة، وهو كثافة العودة إلى الماضي، وكأن المعركة الانتخابية المقبلة تجري في المغرب السياسي نفسه الذي كان قائما قبيل 2016، أو حتى قبيل 2021.
من حق هذا الحزب أن يدافع عن تجربته الحكومية، وأن يذكّر المغاربة بما يعتبره إنجازات حققت خلال ولايتي 2012 و2016. بل إن من واجب أي حزب مارس السلطة أن يقدم كشف حساب عن تجربته. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحصيلة الحكومية القديمة إلى مشروع سياسي جديد، وعندما يصبح استدعاء الماضي بديلاً عن الإجابة عن أسئلة المستقبل.
فالمغرب الذي سيدخل انتخابات 2026 ليس مغرب 2011، ولا مغرب 2016، ولا حتى مغرب 2021.
والحقل الحزبي نفسه تغير.
حزب العدالة والتنمية الذي تصدر انتخابات 2011 و2016 لم يعد الحزب نفسه من حيث الوزن البرلماني؛ ففي انتخابات 2021 انتقل من صدارة المشهد إلى المرتبة الثامنة، ولم يحصل إلا على 13 مقعدا منها 4 محلية.
وهذا التحول الكبير لا يمكن تجاوزه بخطاب يقول للناخب، بصورة أو بأخرى: تذكروا ماذا فعلنا قبل عشر سنوات.
فالانتخابات ليست امتحانا في التاريخ، وإنما عقد جديد بين الناخب والحزب.
يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يقول إن بعض الإصلاحات التي اتخذت خلال فترة وجوده في الحكومة كانت ضرورية، ويمكنه أن يجادل بأن بعضها لم يحظ آنذاك بالتقدير الكافي.
لكن الناخب في 2026 لا يسأل فقط: ماذا فعلتم بين 2012 و2021؟
إنه يسأل سؤالاً أكثر قسوة:
ماذا ستفعلون غداً؟
كيف ستواجهون ارتفاع كلفة المعيشة؟
كيف ستصلحون المدرسة العمومية؟
كيف ستعالجون أزمة التشغيل؟
كيف ستتعاملون مع الماء؟
كيف ستدعمون الاستثمار؟
كيف ستعيدون بناء الثقة في السياسة؟
ما النموذج الاقتصادي الذي تقترحونه؟
وما الذي تغير في الحزب نفسه منذ خروجه من الحكومة؟
هذه هي الأسئلة التي يفترض أن تكون في قلب حملة انتخابية تنظر إلى الأمام.
أما تحويل الانتخابات إلى محاكمة متأخرة لعشر سنوات مضت، فقد يجعل الحزب يبدو وكأنه يخوض معركة لاستعادة الاعتبار أكثر مما يخوض معركة لبناء المستقبل.
وهنا يكمن المشكل.
هل نحن أمام انتخابات 2026 أم أمام تصفية حسابات 2016؟
وأكثر ما يحتاج إلى التدقيق هو العلاقة بين خطاب بنكيران والعدالة والتنمية تجاه عزيز أخنوش.
فالعودة المستمرة إلى مرحلة تشكيل حكومة 2016، والحديث عن البلوكاج وما رافقه من صراعات، يمكن أن يتحول بسهولة من قراءة سياسية للتاريخ إلى سردية انتخابية للانتقام.
وهذا فرق كبير.
إذا كان الهدف هو القول للناخب: لقد وقع علينا ظلم سياسي، ولذلك صوتوا لنا، فإن الحزب يخاطر بتحويل الانتخابات من منافسة حول البرامج إلى استفتاء على جرح قديم.
والأخطر أن الناخب قد يسأل سؤالاً بسيطا هو:
إذا كانت معركة العدالة والتنمية الأساسية هي مع أخنوش، فلماذا ينبغي أن يصوت له الناخب الذي لا تعنيه معركة بنكيران وأخنوش؟
هذه نقطة استراتيجية وليست مجرد ملاحظة خطابية.
فالناخب لا يصوت عادة لكي ينتقم حزب من حزب آخر.
إنه يصوت لأنه يريد مستقبلا أفضل.
وحتى لو انتقم بنكيران من أخنوش… من سيستفيد؟
هنا تصبح المفارقة أكثر إثارة.
لنفترض جدلا أن العدالة والتنمية نجح في تحويل الانتخابات إلى تصويت عقابي ضد التجمع الوطني للأحرار وحكومة عزيز أخنوش.
هل يعني ذلك أن المستفيد الأول سيكون العدالة والتنمية؟
ليس بالضرورة.
لأن إسقاط حزب من موقع الصدارة لا يعني تلقائيا أن الحزب المنافس الأكثر غضبا منه هو الذي سيحل مكانه.
قد تتوزع الأصوات العقابية على أكثر من حزب.
وقد يستفيد منها حزب في المعارضة، وقد يستفيد منها حزب من داخل الأغلبية، وقد يستفيد منها حزب يستطيع تقديم نفسه باعتباره بديلاً عن الطرفين معا.
وهنا تظهر مفارقة أخرى..
قد يخوض العدالة والتنمية معركة ضد أخنوش، ثم يجد أن ثمرة هذه المعركة حصدها حزب آخر.
من الأكثر استعداداً لالتقاط أصوات الانتقام؟
إذا كان المقصود بـالانتقام من أخنوش إضعاف التجمع الوطني للأحرار انتخابياً، فإن المستفيد المحتمل ليس حزبا واحدا بالضرورة.
وهنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات.
الأول هو العدالة والتنمية نفسه، لأنه يمتلك خطاب المعارضة الصريح، ويستطيع أن يقول للناخب: لقد حذرنا من هذه الحكومة ونريد استعادة موقعنا. وهذا السيناريو حاضر فعلا في التحليلات التي تتحدث عن إمكانية استفادة الحزب من التصويت العقابي ضد أحزاب الحكومة.
الثاني هو حزب الأصالة والمعاصرة، خصوصا إذا استطاع أن يقدم نفسه كقوة قادرة على الاستفادة من تراجع التجمع الوطني للأحرار دون أن يتحمل وحده مسؤولية حصيلة الحكومة. وهذه فرضية تستحق الانتباه، لأن الحزب كان في المرتبة الثانية في انتخابات 2021 بـ86 مقعداً، مقابل 102 للتجمع الوطني للأحرار، ويقوم بمناورات سياسية واستقطابات انتخابية لافتة.
والثالث هو حزب الاستقلال، الذي يستطيع بدوره أن يستفيد من أي إعادة توزيع للأصوات داخل الأغلبية، خصوصاً إذا تحول النقاش من ثنائية أخنوش–بنكيران إلى منافسة أوسع على قيادة المرحلة المقبلة.
لكن المفارقة الأهم أن المشهد الحالي لم يعد يسمح بتوقعات ميكانيكية.
فحتى أخنوش نفسه أعلن في يناير 2026 أنه لن يترشح لولاية ثالثة على رأس التجمع الوطني للأحرار، وهو ما يعني أن تحويل الانتخابات إلى معركة شخصية ضد أخنوش قد يصطدم بحقيقة سياسية جديدة: الرجل نفسه لم يعد يخوض المعركة الحزبية بالطريقة التي كان يخوضها بها في 2021.
وهذا يجعل الاستمرار في بناء الحملة على شخص أخنوش أكثر تعقيدا واقل فائدة، لأن المشكلة ليست في أخنوش… بل في سؤال البديل ولان السياسة لا تقاس فقط بقدرة الحزب على إسقاط خصمه، بل تقاس أيضا بقدرته على إقناع الناخب بأنه البديل.
وهنا ينبغي أن يطرح العدالة والتنمية على نفسه سؤالا أصعب ومحرج.
إذا نجحنا في إقناع المغاربة بأن أخنوش فشل، فلماذا نحن؟
ليس كافيا أن يقول الحزب: نحن لسنا أخنوش.
وليس كافياً أن يقول: نحن كنا أفضل.
بل عليه أن يقول:
ماذا سنفعل نحن في السنوات الخمس المقبلة؟
وهذا يتطلب الانتقال من خطاب تذكروا ما فعلناه إلى خطاب انظروا ماذا سنفعل.
وحتى إذا اقتنعنا بماذا سيفعل العدالة والتنمية فان سؤالا اخر سيطرح وهو لماذا لم تفعلوا ذلك طيارة 10 سنوات التي ترأستم فيها الحكومة؟
فالسياسة التي تعيش على الذاكرة قد تستعيد بعض الناخبين الغاضبين، لكنها لا تبني بالضرورة أغلبية جديدة.
وهناك قاعدة لا يمكن القفز عليها وهي ان الحزب الذي ينتصر على الماضي قد يخسر المستقبل
ومن مفارقات حملة العدالة والتنمية أن بنكيران، بما يملكه من قدرة خطابية وحضور سياسي، يستطيع أن يحول الانتخابات إلى معركة سياسية كبيرة.
لكن عليه أن يقرر أولا: أي معركة يريد؟
هل يريد أن تكون انتخابات 2026 محاكمة لحكومة أخنوش؟
أم يريدها استفتاءً على عودة العدالة والتنمية؟
أم يريدها معركة لإعادة بناء الحزب كقوة سياسية قادرة على قيادة المغرب في مرحلة جديدة؟
هذه ليست أسئلة متشابهة.
إذا اختار الخيار الأول، فقد ينجح في إضعاف خصمه، لكن جزءاً من ثمار ذلك قد يذهب إلى منافسين آخرين.
إذا اختار الخيار الثاني، فقد يستعيد جزءاً من قاعدته السابقة.
أما إذا اختار الخيار الثالث، فعليه أن يتجاوز بنكيران نفسه، وأن يتجاوز مرحلة 2016، وأن يتجاوز قصة البلوكاج، وأن يتحدث إلى جيل جديد من الناخبين لم يعد يعيش السياسة من خلال ذاكرة الصراع بين بنكيران وأخنوش.
ربما يكون أكبر خطأ استراتيجي هو أن يخوض حزب العدالة والتنمية انتخابات 2026 باعتبارها انتقاما مؤجلاً من انتخابات 2016.
لأن الزمن السياسي لا يعمل بهذه الطريقة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام العدالة والتنمية ليس أن يثبت أن ما وقع له في الماضي كان عادلا أو غير عادل، عاديا او غير عادي.
التحدي هو أن يثبت أن المغرب الذي سيصوت في 2026 يحتاج إلى العدالة والتنمية في المستقبل، وليس فقط إلى العدالة والتنمية الذي يتذكره من الماضي، رغم أن ما حدث للحزب بعد إعفاء بنكيران وقبول رئاسة الحكومة ضد الشروط التي أدت إلى هذا الإعفاء مايزال غير مفهوم وبين ان الحزب هش وظهرت هشاشة في انتخابات شتنبر 2021.
فالناخب لا يريد حزبا ينتصر في معركة قديمة.
إنه يريد حزبا ينتصر في معركة المستقبل.
المصدر:
كود