كشف عبد الغني السرار، أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والسياسية بالجديدة، أن المشرع المغربي تدخل لأول مرة وقام بتأطير توظيف المنصات الرقمية في الحملات الانتخابية، ورتب مجموعة من الجزاءات القانونية في حق كل من ثبت تورطه في الاستغلال السياسي لهذه المنصات الرقمية للمس بنزاهة وسلامة العملية الانتخابية، والمس بالحياة الخاصة.
وأوضح الأستاذ الجامعي في في تصريح لجريدة “العمق”، أن المشرع قام بموجب القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، بتبني مجموعة من التدابير الرامية لتخليق العملية الانتخابية من كل توظيف غير مشروع للمنصات الرقمية بدءا بفترة إيداع الترشيحات مرورا بالحملة الانتخابية وصولا ليوم الاقتراع وطيلة المدة الانتدابية، وذلك بإحداث عقوبات حبسية وغرامات مالية لمواكبة التحديات التي يطرحها توظيف التكنولوجيا أو المنصات الرقمية أو الذكاء الاصطناعي في العملية الانتخابية.
وأضاف المتحدث ذاته للجريدة في سرده للنصوص القانونية، أن المادة 39 تنص على أنه يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر وبغرامة من 20.000 إلى 50.000 درهم كل من قام يوم الاقتراع بنشر أو توزيع إعلانات أو منشورات انتخابية إما مباشرة أو بأي وسيلة بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الأنترنيت أو الأنظمة المعلوماتية.
وتابع الخبير السياسي تصريحه بالإشارة إلى المادة 51 التي تنص على أنه يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل شخص أقدم، بأي وسيلة بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الأنترنيت أو الأنظمة المعلوماتية، بنشر أو إذاعة أو نقل أو بث أو توزيع أخبار زائفة أو إشاعات كاذبة أو غير ذلك من طرق التدليس، على تحويل أصوات الناخبين أو دفع ناخبا أو أكثر إلى الإمساك عن التصويت.
وأشار السرار في السياق ذاته إلى المادة 40 التي تنص على أنه يعاقب بغرامة مالية تتراوح قيمتها من 50.000 درهم إلى 100.000 درهم كل من قام بنشر إعلانات سياسية أو منشورات انتخابية مؤدى عنها بمواقع إلكترونية أجنبية، مبرزا كذلك أن المادة 67 تنص على أن كل شخص قام في مكتب تصويت أو مكتب إحصاء أو في مكاتب السلطات الإدارية المحلية أو خارج ذلك بخرق أو محاولة خرق سرية التصويت، أو بالمس أو محاولة المس بنزاهته، أو بالحيلولة أو محاولة الحيلولة دون إجراء عمليات الاقتراع، يعاقب الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم، سواء كان ذلك بتعمد الإخلال بالنصوص الجاري بها العمل أو بأي عمل آخر من أعمال التدليس، وسواء جرى ذلك قبل الاقتراع أو أثناءه أو بعده، بأي وسيلة بما في ذلك المنصات الرقمية وتطبيقات الأنترنيت.
وأكد الأكاديمي في مستهل حديثه لجريدة “العمق” أن تكنولوجيا المعلوميات والاتصالات الحديثة بصفة عامة ومنصات التواصل الرقمي بصفة خاصة، أصبحت تحتل مكانة مركزية في نشاط التنظيمات السياسية في كل الدول بشكل ساهم في إعادة تنظيم كيفية عمل الأحزاب والقوى السياسية ودفعها لبذل مجهودات مضاعفة من أجل مواكبة منعطفات التسويق السياسي الرقمي الذي أفرزه المجتمع الافتراضي السيبراني.
ولفت المصدر نفسه الانتباه إلى أن الشبكات والمنصات الافتراضية أوجدت حلولا غير مسبوقة للاستقطاب السياسي والدعاية الانتخابية والسياسية، بل وقدمت فرصا جديدة للاتصال السياسي مما أدى لبروز وظهور أنماط جديدة من التسويق السياسي والحملات الانتخابية، وذلك بفضل الخصائص التي تمتاز بها المنصات الرقمية كتكلفتها القليلة وسرعتها العالية في الانتشار، والأهم تخلصها من القيود القانونية والجغرافية، وهو الأمر الذي جدد مضامين الدعاية السياسية وأسس لعلاقة جديدة بين الناخب المواطن والفاعل السياسي.
وأردف أستاذ العلوم السياسية قائلا إن هذا التحول في آليات التسويق السياسي والحملات الانتخابية أهل وسائل التواصل الاجتماعي الفيسبوك واليوتيوب لتشكل فضاءات مفضلة لدى العديد من القادة السياسيين الذين أصبحوا يلجؤون إليها بشكل مكثف لتوظيفها في مجال الدعاية الانتخابية والتسويق السياسي، مضيفا أن هذا التحول الرقمي في آليات الدعاية السياسي جعل القوى السياسية تعيش منعطفا جديدا في تاريخها، وذلك نتيجة لسطوة المنصات الرقمية والمعلوماتية التي أفرزتها الثورة الصناعية الرابعة.
وأبرز عبد الغني السرار أنه أمام هذا التحول الرقمي، وجدت الأحزاب السياسية نفسها أمام تحديات جديدة في مقدمتها ملاءمة طرق اشتغالها مع التقنيات الرقمية للتواصل والتفاعل عبر الأنترنت قصد توسيع قاعدتها الجماهيرية وكسب أكبر عدد من المؤيدين لمواقفها وتوجهاتها السياسية، مسجلا أن التقنيات الجديدة فتحت بالفعل الأبواب أمام الأحزاب السياسية للتواصل السريع مع الناخبين والقيام بحملاتها الانتخابية وصولا للمنعطف الكبير الذي ساهمت فيه شبكات الأنترنيت والمنصات الرقمية بتخليص التسويق السياسي من الوسائل التقليدية.
واستطرد المتحدث ذاته مبينا أن ترويج كل ما له علاقة بالسياسة على قنوات الاتصالات الرقمية جعل من الصعب جدا تصور فاعل سياسي أو تنظيم حزبي بدون استراتيجية تسويقية رقمية، مشيرا إلى أن توظيف مواقع التواصل الاجتماعي في العمل السياسي ساهم في تحفيز النقاش السياسي وزيادة التفاعل ما بين الأحزاب السياسية وقاعدتها الجماهيرية، وبالتالي أصبح انفتاح القوى السياسية على هذه المواقع ضرورة لا محيد عنها سيما وأنه يسمح للتنظيمات السياسية بالتداول السريع للبرامج مع عموم الأفراد.
واعتبر المصدر عينه أن أهمية توظيف مواقع التواصل الاجتماعي في العملية الانتخابية تزداد بالنظر للدور الذي تضطلع به على مستوى تثبيت القناعات والآراء المتذبذبة، بل قد تنجح أحيانا في تحويل أصوات الناخبين من مرشح حزبي إلى آخر خصوصا في حالة تقارب الأصوات، بحيث نكون كما لو أننا بصدد ميزان كل كفة فيه تحتوي على 50% من الأصوات، وفي هذه الحالة يكون ترجيح أصوات الناخبين لهذا الاتجاه أو ذاك جد مؤثر.
وسجل الأكاديمي أن وسائل التواصل الاجتماعي نجحت نسبيا في تغيير أماكن السياسة، حيث أمست منصات التواصل الاجتماعي مكانا مفضلا للسياسة وباتت البرامج السياسية والأحداث السياسية تبث بشكل مباشر عليها، مبرزا أن تأثير المنصات الرقمية يبدو واضحا على السلوك السياسي، خاصة من خلال تلخيصه للنقاش السياسي وتبسيطه لصراع الأفكار والبرامج الانتخابية، حيث تبدو الحملة الانتخابية وكأنها مباراة رياضية فضلا عن تقريبها للزعماء من المشاهدين داخل بيوتهم وتشجيعها على النجومية.
ونبه الخبير إلى أنه لهذه الاعتبارات السياسية والانتخابية أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تكتسي أهمية قصوى في أجندة الأحزاب المغربية، إلا أنها لا تخلو من تحديات في مقدمتها أنه من المحتمل أن تكون مصدرا للمعلومات المضللة والأخبار الزائفة مما يؤثر على مسألة الثقة في الأحزاب.
وخلص السرار في تقييمه للتجربة المغربية إلى القول إن توظيف التسويق السياسي الرقمي من قبل الأحزاب السياسية المغربية لا زال بعيدا كل البعد عن وظيفته السياسية الأساسية، وذلك بالرغم من توفر أغلب الأحزاب المغربية على حسابات رسمية بمواقع التواصل الاجتماعي، مضيفا أنه من خلال معاينة شخصية لما تم ترويجه وبثه خلال الحملة الانتخابية لسنة 2021 يلاحظ بأنه يغلب عليه طابع التدافع السياسي بين القادة الحزبيين.
وشدد المتحدث في ختام تصريحه لجريدة “العمق” على أنه بالرغم من كون أغلب الأحزاب السياسية المغربية لجأت لتوظيف الجانب الرقمي في نشاطها السياسي، إلا أن توظيفها في مجال التسويق السياسي كان بطريقة مغايرة، بحيث جعلت من الوسائط الرقمية آلية لتصريف المشاحنات السياسية والملاسنات الكلامية، مؤكدا أن الأداء الحزبي المغربي ما زال في حاجة إلى عقلنته وحسن استثماره، فالأحزاب تحتاج إلى المؤازرة الشعبية، وهذا الأمر لا يمكن بلوغه ما لم يكن الحزب يتوفر على قاعدة انتخابية عريضة.
وأنهى الأستاذ الجامعي حديثه بالتأكيد على أن هذه القاعدة لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال التسويق السياسي الرقمي باعتباره حلقة الوصل بين الجماهير والنخبة السياسية، مبرزا أن هنا تكمن أهمية التسويق السياسي الرقمي، باعتباره أداة لإيصال المحتوى السياسي والإيديولوجية السياسية والبرنامج الحزبي، فلا وجود لفعل وفاعل سياسيين دون وجود تسويق سياسي رقمي هادف وجاد يساهم في الرفع من نجاعة الفعل السياسي خاصة في عصر الرقمنة.
المصدر:
العمق