تدخل مدينة الداخلة مرحلة جديدة في تدبير التداعيات البيئية للنمو الصناعي والاقتصادي، مع إطلاق دراسة شاملة لتشخيص مصادر التلوث الصناعي ووضع مخطط عملي للحد منه، في مسعى يستهدف حماية خليج الداخلة والمناطق الرطبة والأنظمة البيئية الحساسة في المنطقة.
ووفق المعطيات المقدمة بشأن المشروع، ستتولى الشركة الجهوية متعددة الخدمات الداخلة – وادي الذهب قيادة الدراسة، التي لا تقتصر على رصد مصادر التلوث القائمة، بل تشمل أيضا اقتراح حلول تقنية واستثمارات مستقبلية، إلى جانب مواكبة الوحدات الصناعية لمساعدتها على احترام المعايير البيئية المعمول بها.
نمو اقتصادي يفرض تحديات بيئية
وشهدت الداخلة خلال السنوات الأخيرة توسعا في قطاعات الصيد البحري وتربية الأحياء المائية والصناعات الغذائية والأنشطة المرتبطة بالميناء، وهو نمو اقتصادي يطرح في المقابل تحديات بيئية متزايدة، خصوصا ما يتعلق بالمخلفات السائلة والصلبة الناتجة عن الأنشطة الصناعية في محيط أنظمة بيئية هشة.
وتكتسي حماية خليج الداخلة أهمية خاصة بالنظر إلى قيمته البيولوجية والبيئية، إذ يصنف ضمن المواقع ذات الأهمية البيولوجية والإيكولوجية (SIBE). وستغطي الدراسة المجال الحضري وشبه الحضري للمدينة، والمناطق الصناعية القائمة وتوسعاتها المستقبلية، والميناء ومنشآته، ووحدات معالجة المنتجات البحرية، فضلا عن المناطق المحاذية للبحيرة والمجالات الحساسة بيئيا.
ستة أشهر لتحديد مصادر التلوث
ومن المرتقب أن تستغرق الدراسة ستة أشهر، بمشاركة فريق متعدد التخصصات يتولى جرد مصادر التلوث الصناعي ميدانيا، وتحديد طبيعة الإفرازات ومواقعها وحجم تأثيرها.
كما ستجرى حملات لأخذ عينات وتحليل جودة المياه، بالاعتماد على مؤشرات تشمل درجة الحموضة، والطلب الكيميائي والحيوي على الأكسجين، والمواد العالقة، والمعادن الثقيلة والهيدروكربونات.
ولا يقتصر الهدف على تحديد مستوى تلوث المياه، بل يمتد إلى تحديد مصادر التصريف وطبيعته وحجمه وتأثيره على شبكات التطهير وعلى الأوساط الطبيعية المستقبلة.
وستخضع كل وحدة صناعية، بحسب المعطيات المتاحة، لبطاقة تقنية تتضمن معلومات عن طبيعة نشاطها ومخلفاتها ومدى احترامها للمتطلبات التنظيمية، بما يسمح بالانتقال من التعامل العام مع مفهوم التلوث الصناعي إلى تحديد مصادر التصريف والمسؤوليات بصورة قابلة للقياس.
خيارات متعددة لمعالجة المياه العادمة
وبعد استكمال مرحلة التشخيص، ستتم دراسة عدة سيناريوهات لمعالجة المياه العادمة الصناعية، من بينها المعالجة المركزية أو اللامركزية، إلى جانب بدائل مختلفة لشبكات التطهير وطرق تدبير النفايات الصلبة.
ولن تقتصر المفاضلة بين الخيارات على كلفة الاستثمار الأولية، بل ستأخذ في الاعتبار الفعالية التقنية والكلفة الإجمالية على مدى 20 عاما، وقابلية الإنجاز، والأثر البيئي المتبقي، فضلا عن متطلبات التشغيل والصيانة.
وبعد اختيار السيناريو الأنسب، ستُعد دراسة أولية مفصلة تتضمن التصاميم والحسابات التقنية والتقديرات المالية، تمهيدا لوضع برنامج استثماري يحدد مراحل الإنجاز وترتيب الأولويات.
مواكبة الوحدات الصناعية
ولا تتجه الخطة، وفق المعطيات المقدمة، إلى التعامل مع الوحدات الصناعية باعتبارها مصادر للتلوث فقط، بل تتضمن برنامجا لمواكبتها في مجال الامتثال للمعايير البيئية.
ويشمل ذلك إعداد نماذج لاتفاقيات تصريف المياه وبطاقات تقنية ونماذج موحدة تساعد الفاعلين الصناعيين على تحديد التزاماتهم، في محاولة للربط بين حماية البيئة واستدامة الأنشطة الاقتصادية، ولا سيما القطاعات التي تعتمد بشكل مباشر على الموارد البحرية.
غير أن فعالية هذا المسار ستظل مرتبطة بمدى صرامة المراقبة وانتظام القياسات وشفافية النتائج وتطبيق القواعد البيئية بصورة موحدة على مختلف الوحدات الصناعية.
دراسة للأثر البيئي ومشاركة عمومية
ويتضمن المشروع، بالتوازي مع الجانب التقني، شقا يتعلق بدراسة التأثير على البيئة في إطار القانون رقم 12.03 المتعلق بدراسات التأثير على البيئة، بما يشمل تشخيصا أوليا للوسط الفيزيائي والبيولوجي والبشري، وتقييما للآثار الإيجابية والسلبية المحتملة، وإعداد مخطط للتدبير البيئي والاجتماعي (PGES).
كما يرتقب تنظيم استشارة عمومية ضمن هذا المسار، بما يتيح للساكنة والفاعلين المحليين والمهنيين والجمعيات البيئية الاطلاع على المعطيات وإبداء الرأي بشأن الخيارات المقترحة.
وتضع الدراسة بذلك حماية خليج الداخلة أمام مقاربة تتجاوز معالجة مظاهر التلوث القائمة إلى محاولة بناء منظومة أكثر استدامة لتدبير الأنشطة الصناعية، في وقت يواصل فيه الاقتصاد المحلي التوسع ويزداد معه الضغط على نظام بيئي يعد من أبرز الموارد الطبيعية والسياحية في المنطقة.
المصدر:
لكم