دخلت مقاطعة عين الشق بالدار البيضاء مرحلة سياسية شديدة الحساسية، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، في وقت تكشف فيه تحركات داخل الأغلبية المسيرة عن بداية إعادة ترتيب التحالفات والتموقعات، وسط مخاوف من انتقال الصراع الانتخابي إلى داخل المؤسسة المنتخبة وتعطيل بعض جوانب تدبيرها.
وحسب مصادر عليمة لجريدة “العمق المغربي”، تسود حالة من الترقب والحذر داخل مكونات الأغلبية بمجلس مقاطعة عين الشق، في ظل تحركات يجريها عدد من المنتخبين خارج دائرة التنسيق المعتادة بين مكونات التحالف، بالتزامن مع احتدام التنافس على المقاعد البرلمانية الثلاثة المخصصة للدائرة.
وتأتي هذه التطورات على بعد نحو شهر من موعد انتخاب أعضاء مجلس النواب، الذي حددته الحكومة رسميا في الأربعاء 23 شتنبر 2026، على أن تنطلق الحملة الانتخابية في 10 شتنبر وتستمر إلى منتصف ليلة 22 من الشهر ذاته.
وأفادت مصادر “العمق” بأن بعض أعضاء الأغلبية باتوا يتحركون بصورة منفصلة عن باقي مكونات التحالف، في وقت تتزايد فيه المشاورات السياسية والاتصالات المتعلقة بمستقبل عدد من المنتخبين وتموقعهم الحزبي خلال الاستحقاقات المقبلة.
وتحدثت المصادر عن محاولات لإعادة تشكيل موازين القوى داخل المجلس، قد تصل، بحسب توصيفها، إلى خلق اصطفافات جديدة تجعل الأغلبية الحالية أمام اختبار سياسي وتنظيمي، خصوصا إذا انعكست الخلافات الانتخابية على التصويت داخل المجلس أو على التنسيق بين مكونات مكتبه.
ولا يأتي الحديث عن توتر الأغلبية من فراغ، إذ عاشت مقاطعة عين الشق خلال يونيو الماضي واحدة من أكثر دوراتها اضطرابا، بعدما تعثرت أشغال الدورة العادية في أكثر من مناسبة، وسط خلافات داخلية وتوترات بين مكونات المجلس.
وكان رئيس المقاطعة شفيق ابن كيران قد قرر، في 29 يونيو الماضي، سحب التفويض من نائبه الثاني عبد اللطيف الناصري، الذي كان مكلفا بقطاع الأشغال، وسط حديث آنذاك عن خلافات سياسية واتصالات بين الناصري وأحزاب منافسة.
وتأكد لاحقا جزء من هذه التحولات بعدما أعلن الاتحاد الدستوري تزكية الناصري لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة باسمه، في خطوة رفعت منسوب المنافسة داخل دائرة عين الشق وخلطت حسابات عدد من الأحزاب.
وفي تطور جديد، تحدثت مصادر “العمق” عن تحركات تجريها بعض الوجوه النسائية المنتمية إلى حزب الأصالة والمعاصرة داخل المجلس، قالت إنها تتم بعيدا عن الأضواء وتهدف إلى استكشاف إمكانيات التنسيق مع مكونات سياسية أخرى، ومن بينها الاتحاد الدستوري.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن هذه الاتصالات أثارت انتباه مكونات داخل الأغلبية، بالنظر إلى أن أي إعادة تموقع حزبي جديدة قد تؤثر في التوازنات القائمة داخل المقاطعة، وتضيف عنصرا آخر إلى مشهد سياسي بات يشهد انتقالات واستقطابات قبل موعد الاقتراع.
وتظهر المعطيات الرسمية المنشورة من طرف جماعة الدار البيضاء أن حزب الأصالة والمعاصرة يتوفر على حضور وازن ضمن منتخبي عين الشق، فيما تضم تشكيلة مكتب المقاطعة منذ انتخابات 2021 عددا من نواب الرئيس المنتمين إلى الحزب. أما الاتحاد الدستوري، الذي يسعى حاليا إلى تعزيز حضوره بالدائرة، فقد دخل المنافسة بقوة بعد استقطاب عبد اللطيف الناصري، في خطوة وصفتها مصادر إعلامية بأنها أعادت خلط أوراق واحدة من أكثر الدوائر تنافسا في الدار البيضاء.
وتقول مصادر الجريدة إن إحدى المنتخبات توجد في وضع سياسي لافت، بعدما خاضت الانتخابات الجماعية السابقة تحت راية حزب الأصالة والمعاصرة، في وقت يجري الحديث داخل الأوساط السياسية المحلية عن إمكانية انتقالها مستقبلا إلى حزب آخر وخوض الانتخابات الجماعية المرتقبة سنة 2027 بألوانه.
ولم يصدر، إلى حدود كتابة هذه السطور، إعلان رسمي من المعنية بالأمر أو من الحزبين المعنيين يؤكد انتقالا حزبيا من هذا النوع، لذلك تظل هذه المعطيات في دائرة المشاورات والتحركات السياسية التي تتحدث عنها مصادر “العمق”.
غير أن مجرد تداول سيناريوهات مماثلة يعكس حجم الحركية التي تعرفها عين الشق، حيث بدأت حسابات الانتخابات الجماعية المقبلة تتداخل مبكرا مع رهانات الانتخابات التشريعية الوشيكة. وتعد عين الشق من الدوائر التي تعرف تقليديا تنافسا قويا بسبب محدودية المقاعد، إذ تخصص لها ثلاثة مقاعد بمجلس النواب، وهو ما يجعل فارق الأصوات والتحالفات المحلية عاملا حاسما في حسم النتائج.
وتزداد حدة المنافسة هذه السنة مع دخول أسماء حزبية معروفة السباق؛ فقد حسم الاتحاد الدستوري اختياره لعبد اللطيف الناصري، فيما زكى حزب الأصالة والمعاصرة شفيق عبد الحق، إلى جانب مرشحين أعلنت عنهم أو تتداولهم أحزاب أخرى، من بينها العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي وتحالف اليسار.
ومن شأن هذه المنافسة أن تنقل جزءا من الصراع الانتخابي إلى العلاقات اليومية بين المنتخبين داخل مجلس المقاطعة، خصوصا أن عددا منهم يجمع بين أدوار تدبيرية محلية وحسابات مرتبطة بالمواقع الحزبية والاستحقاقات المقبلة.
وبحسب مصادر “العمق”، بات بعض المنتخبين الذين كانوا إلى وقت قريب يتحركون ضمن منطق الأغلبية يتخذون مواقف أكثر حدة تجاه المكتب المسير، الأمر الذي بدأ ينعكس على النقاشات الداخلية وعلى طريقة التعامل مع بعض الملفات التدبيرية.
وترى المصادر أن الخلاف لم يعد محصورا في التباين الطبيعي في وجهات النظر، وإنما أصبح يأخذ تدريجيا طابعا سياسيا مرتبطا بإعادة التموضع واستباق نتائج الاستحقاقات المقبلة.
ويثير هذا الوضع مخاوف داخل المجلس من أن تتحول المنافسة الانتخابية إلى حالة “بلوكاج” تؤثر في أداء المؤسسة، خصوصا أن المجلس شهد بالفعل خلال دورة يونيو صعوبات مرتبطة بالنصاب والتوافق بين مكوناته.
وبينما تفصل أسابيع قليلة فقط عن تشريعيات 23 شتنبر، تبدو مقاطعة عين الشق مرشحة لمزيد من التحولات السياسية، مع انتقال الصراع من مرحلة التحضير الهادئ إلى مرحلة إعادة تشكيل التحالفات واستقطاب المنتخبين.
ويبقى السؤال المطروح داخل الأوساط السياسية المحلية هو ما إذا كانت هذه التحركات ستظل في حدود المنافسة الانتخابية الطبيعية، أم أنها ستفضي إلى تفكك تحالفات المجلس وإعادة بناء خريطته السياسية قبل حتى الوصول إلى الانتخابات الجماعية المقبلة.
المصدر:
العمق