آخر الأخبار

مصحة خاصة بمراكش تعيد إلى الواجهة معاناة المرضى مع التسبيقات وفواتير العلاج

شارك

لم يكن إبراهيم، وهو مواطن مغربي في السبعينيات من عمره، يدرك أن رحلة علاجه من السرطان ستقوده إلى مواجهة سلسلة من العراقيل داخل إحدى المصحات الخاصة بمدينة مراكش، بعدما وجد نفسه مطالبا بأداء مبالغ مالية مسبقة، رغم توفره على تغطية صحية وورقة خاصة بالأمراض المزمنة.

قبل نحو شهرين، اكتشف إبراهيم إصابته بمرض السرطان، ليبدأ رحلة العلاج بأحد المستشفيات العمومية، قبل أن ينتقل إلى مصحة خاصة بمراكش، حيث كان مقرراً أن يخضع لحصص العلاج الكيميائي.

وخلال أول حصة للعلاج الكيميائي، يقول أحد أبنائه، في حديث لجريدة “العمق”، إن المصحة طلبت من والده أداء مبلغ 4500 درهم كتسبيق قبل الشروع في العلاج. وبما أن إبراهيم لم يكن يتوفر على المبلغ، اقترح عليه أحد مرافقيه أداءه بواسطة شيك، وهو ما تم بالفعل، قبل أن يظل الشيك لدى المصحة إلى حدود اليوم، وفق رواية الأسرة.

ويضيف الابن أن والده يتوفر على ورقة للأمراض المزمنة، كما يتوفر على تغطية صحية، غير أن هذه الوثائق، بحسب روايته، لم تكن كافية لتفادي أداء المبلغ المسبق، والاكتفاء بأداء ما قد يترتب عن العلاج من فرق في التكاليف.

تدهور صحي يعيد الأسرة إلى المصحة

مع بداية شهر غشت الجاري، تدهورت الحالة الصحية لإبراهيم بشكل كبير، وأظهرت التحاليل التي أجراها، وفق أسرته، تراجعاً حاداً في مناعته، ما دفعه إلى التوجه مجدداً إلى المصحة نفسها، بحكم أن الطبيب المعالج يتابع حالته داخل المؤسسة.

لكن الأسرة فوجئت، بحسب الابن، بمطالبته مجددا بأداء تسبيق قدره 5000 درهم قبل إخضاعه للفحوصات وتحديد طبيعة المضاعفات التي يعاني منها.

ويقول الابن إن الأسرة رفضت هذه المرة أداء أي مبلغ مسبق، معتبرة أن الأمر يتعلق بمريض يتوفر على تغطية صحية ووثائق مرتبطة بمرض مزمن، قبل أن تفضي سلسلة من النقاشات إلى السماح بإدخال إبراهيم إلى المصحة دون أداء التسبيق.

وبعد قضائه أربع ليال داخل المصحة، غادرها المريض، غير أن حالته الصحية، وفق رواية أسرته، تدهورت مجددا بعد يومين فقط من خروجه، ما اضطره إلى العودة إلى المؤسسة ذاتها. وهناك، تقول الأسرة، تكرر السيناريو نفسه، إذ طلب منه مجددا أداء مبلغ 5000 درهم مقابل الاستشفاء.

وبعد نحو ثلاث ساعات من النقاش والانتظار، تدخل أحد المسؤولين بالمصحة، بحسب الابن، للسماح بإدخال إبراهيم إلى المصحة دون أداء المبلغ المطلوب.

مطالب مالية بعد الاستشفاء ورفض ملء CNSS

بعد أن قضى إبراهيم خمس ليال أخرى داخل المصحة، فوجئت الأسرة، وفق روايتها، بمطالبته بأداء مبلغ يمثل الفرق المتبقي عن تكاليف العلاج، إلى جانب فاتورة أخرى بقيمة تقارب المبلغ نفسه، وهو الأمر الذي حدث في المرة الأولى أيضاً.

وأثار ذلك استغراب الابن، الذي توجه إلى إدارة المصحة للاستفسار عن سبب وجود فاتورتين، متسائلاً عما إذا كان المطلوب من الأسرة هو أداء الفرق المستحق فقط.

وبحسب رواية الابن، تلقى جوابا من المصحة يفيد بأن هذا هو الإجراء المعمول به داخل المؤسسة، وأنه يتم وفق ما يسمح به القانون.

ولم تتوقف الإشكالات، وفق الأسرة، عند حدود المبالغ المطلوبة، إذ تقدمت بطلب إلى المصحة من أجل ملء مطبوع خاص بـCNSS لتغطية المبالغ التي لا تدخل ضمن الفرق وتشمل استشارات طبية وتدخلات أخرى، غير أن الطلب قوبل بالرفض، دون تقديم توضيحات مقنعة، بحسب الابن.

ويقول إن إحدى العاملات بالمصحة أبلغتهم بأن ملء المطبوع قد يؤدي إلى ضياع مستحقات المصحة، كما قد يتسبب في “بلوكاج” لملف التكفل (prise en charge).

وتطرح هذه الواقعة تساؤلات حول طبيعة المبالغ التي يطلب من المرضى أداؤها مسبقا، وحدود ما يمكن للمصحات الخاصة مطالبة المرضى به في ظل وجود تغطية صحية وملفات للتكفل.

إجراء غير قانوني

وتعليقاً على فرض التسبيق على المرضى، أكد المندوب الإقليمي لوزارة الصحة بمراكش، في تصريح لجريدة “العمق”، أن هذا الإجراء يعتبر “غير قانوني”، مشيراً إلى أن وزير الصحة سبق له أن تطرق إلى هذا الموضوع وحذر منه في مناسبات عديدة عبر برامج إذاعية وتلفزية مختلفة.

وأوضح المسؤول الإقليمي أن الوزارة الوصية، وفي إطار ترسيخ الحق في الصحة لكل مواطن ومواطنة، بادرت إلى إصدار رقم أخضر خاص بهذا الموضوع، مبرزاً أن هذه الخطوة تهدف أساساً إلى تسهيل عملية التعامل مع كافة التظلمات التي يتقدم بها المرتفقون.

وأضاف المتحدث ذاته أن هذا الخط الهاتفي مخصص لتلقي الشكايات المرتبطة بمشاكل الولوج إلى الخدمات الصحية، إلى جانب التبليغ عن أي “تصرفات غير قانونية” قد تصدر عن بعض المكونات التي تشتغل في مجال تقديم العلاجات، سواء تعلق الأمر بالمؤسسات التابعة للقطاع العمومي أو القطاع الخاص.

دعوة لمواجهة التجاوزات داخل المصحات الخاصة

ونقلت جريدة “العمق” هذه الواقعة إلى رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، بوعزة الخراطي، الذي أكد أن الوقت قد حان لكي ينتفض المستهلك ضد كل من يتجاوز القانون داخل المصحات الخاصة، داعياً المرضى إلى عدم الرضوخ للممارسات غير القانونية والمطالبة بحقوقهم كاملة، ومشدداً على ضرورة رفض أي معاملة مالية خارج الإطار التعاقدي القانوني، مثل المطالبة بالتسبيق أو مصاريف الملفات التي لا تعوضها صناديق التغطية الصحية.

وأوضح المتحدث، في تصريح لجريدة “العمق”، أن الجامعة تراسل في الوقت الراهن هيئات الأطباء ووزارة الصحة لإعداد ملف شامل ومفصل حول التجاوزات التي تقع داخل المصحات الخاصة، مشيراً إلى أن هذا التحرك يأتي على غرار الخطوة التي تم اتخاذها سابقاً مع هيئة المحامين، ومؤكداً أن بعض القطاعات المهنية الحرة، كالمهندسين المعماريين والأطباء والمحامين والطبوغرافيين، أصبحت تتجاوز الحدود المسموح بها، غير أن قطاع التطبيب يعتبر من أكبر القطاعات التي تشهد هذه التجاوزات بشكل يفوق الصبر.

وأشار الخراطي إلى أن المادة 59 من القانون رقم 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك تعاقب كل مورد يستغل ضعف المستهلك، مبرزاً أن هذه العقوبات قد تصل إلى خمس سنوات سجناً، غير أن غالبية المواطنين، وحتى بعض المهنيين، يجهلون هذه المقتضيات القانونية التي تجرم استغلال المريض في أوقات ضعفه أو أثناء الحالات الهستيرية والحرجة التي يمر بها، مؤكداً أن القانون وجد لحماية المواطن من هذا الاستغلال الذي يمارسه بعض منعدمي الضمير.

وتابع المصرح لجريدة “العمق” دعوته المواطنين إلى التحلي برد فعل إيجابي يتمثل في توثيق هذه التجاوزات عبر تصوير الشيكات المقدمة كضمان، والمطالبة بفاتورة مفصلة عن كل خدمة طبية، وعدم قبول أداء مبالغ عن خدمات غير مبررة، كحساب علبة دواء كاملة في حين لم يستهلك المريض سوى حقنة واحدة، مشدداً على أهمية اللجوء إلى الرقم المباشر لمحاربة الرشوة أو التوجه إلى وكيل الملك لتقديم شكايات رسمية في الموضوع.

وختم رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك تصريحه بالتأكيد على أن الهيئة التي يترأسها مستعدة لتقديم الدعم والمؤازرة لكل مواطن يقرر كسر جدار الصمت ومواجهة هذه الممارسات، معتبراً أن المغاربة يتسمون بالصبر الشديد، إلا أن هذا الصبر يجب ألا يتحول إلى فرصة لاستغلالهم، ومستشهداً بالمثل القائل إن الطفل الذي لا يبكي لا ترضعه أمه، في إشارة واضحة إلى ضرورة الاحتجاج والمطالبة بالحقوق لوقف نزيف التجاوزات في قطاع الصحة الخاص.

تعريفة متقادمة ترفع كلفة العلاج

وكشف رئيس جمعية المصحات الخاصة، رضوان السملالي، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن السبب الرئيسي وراء أداء المواطنين مبالغ مالية إضافية عند تلقي العلاج يعود بالأساس إلى الضعف التقني للتغطية الصحية واستمرار العمل بتعريفة مرجعية متقادمة تعود إلى سنة 2006، مشيراً إلى أن المواطن المغربي يجد نفسه مضطراً لتحمل فارق التكلفة لكي يتمكن من الاستفادة من تقنيات وعلاجات حديثة تواكب التطور العلمي والطبي الذي لم تسايره التعريفة الحالية.

وأوضح المتحدث ذاته أن استمرار تسعير الخدمات الطبية بناء على معطيات مر عليها حوالي عشرين عاماً يعد أمراً غير منطقي في الوقت الراهن، ضارباً المثل بتعريفة الإنعاش التي حُددت في 1500 درهم سنة 2006، ومؤكداً أنه يستحيل عملياً وعلمياً التكفل بمريض في قسم الإنعاش بهذه التكلفة اليوم، ما يدفع المصحات إلى مطالبة المريض بتسديد مبلغ تكميلي لضمان تقديم العلاج بالمعايير الحديثة.

وأضاف المسؤول الإداري أن محاولات جادة ومسؤولة جرت سنة 2020 لمراجعة تعريفة الإنعاش، حيث تم التوقيع على اتفاق رسمي يجمع بين وزير الصحة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والوكالة الوطنية للتأمين الصحي، غير أن هذا المسار توقف ولم يخرج إلى حيز الوجود بسبب رفض الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، المعروف اختصاراً بـ”كنوبس”، التوقيع على هذه المراجعة.

وأكد السملالي أن جمعية المصحات الخاصة طالبت طيلة عقدين من الزمن بمراجعة هذه التعريفة مع جميع الوزراء المتعاقبين لتفادي إرغام المريض على أداء أي مبالغ تكميلية، مشدداً في الوقت نفسه على أن أي مواطن أدى درهماً واحداً من حقه القانوني المطلق المطالبة بفاتورة مفصلة والحصول على الحجج التي تثبت كل مبلغ أداه للمصحة.

وأشار رئيس الجمعية، تفاعلا مع سؤال حول ما يسمى بـ”النوار” أو المبالغ غير المصرح بها، إلى أن مطالبة بعض الأطباء بمبالغ إضافية دون تقديم فواتير تعد مسؤولية شخصية للطبيب المعني وليست مسؤولية المؤسسة، موضحاً أن المريض يمتلك كامل الحق في رفض الأداء في غياب الفاتورة، أو اللجوء إلى الوسائل القانونية لحماية حقوقه، ومبرزاً أن المصحات التي تحترم ضوابطها تمنح فواتير رسمية عن كل الفروقات التي يتم استخلاصها.

وتابع المصرح لجريدة “العمق” رده على الجدل المثار حول قانونية فرض مبالغ مالية للتسبيق أو شيكات للضمان قبل الاستشفاء، موضحاً أن المصحات الخاصة، ومنذ سنة 2016، أصبحت تصنف كشركات تجارية خاضعة للقانون، يحق لها تسيير شؤونها ووضع ضوابط لولوج خدماتها، معتبراً أن هذا الإجراء يعد اعتيادياً لضمان مستحقات هذه الشركات، تماماً كما هو الحال في باقي القطاعات التجارية الأخرى.

وختم السملالي تصريحه بالتأكيد الحازم على أن الحالات الاستعجالية التي تهدد حياة المريض تحظى بتعامل استثنائي وإنساني بحت، حيث لا تشترط أي مصحة أداء أي تسبيق أو مبالغ مالية قبل تقديم العلاجات الضرورية لإنقاذ الحياة، مبرزاً أن الإجراءات الإدارية والمطالبة بإثبات التغطية الصحية أو الأداء المسبق تطبق حصراً في الحالات العادية، ومذكراً بأن هذا النظام الإداري معمول به حتى داخل المستشفيات الجامعية التابعة للدولة التي تطلب إثباتاً للتغطية أو تسبيقاً مالياً في الحالات غير المستعجلة.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا