تكشف الحروب الأخيرة عن معادلة جديدة تواجه الغرب، إذ تستطيع الصواريخ والمسيّرات الرخيصة استنزاف دفاعات جوية باهظة التكلفة ومحدودة المخزون.
وترصد تقارير وتحليلات بريطانية اتساع هذا المأزق في أوكرانيا مع تراجع مخزونات صواريخ باتريوت وتصاعد الهجمات الروسية، بعدما أظهرت الحرب الأمريكية على إيران مدى سرعة استنزاف الصواريخ الاعتراضية، وسط مخاوف من أزمة أشد في أي مواجهة محتملة مع الصين.
وفي المقابل، تتجه بريطانيا وأوكرانيا إلى نموذج يعتمد على المسيّرات الأرخص والأسهل إنتاجا، مستفيدا من الخبرة القتالية الأوكرانية والقدرات الصناعية البريطانية لإنتاجها على نطاق واسع.
وبين صاروخ باتريوت الاعتراضي الذي تبلغ تكلفة الواحد منه ملايين الدولارات، ومسيّرات أقل كلفة وأسهل إنتاجا، يستعرض هذا التقرير أزمة المخزونات الغربية وبطء تعويضها، واختلال كلفة الهجوم والدفاع، والرهان على الإنتاج الكثيف للمسيّرات لتغيير معادلة الاستنزاف.
ولا تقتصر الأزمة على أوكرانيا، إذ تصف المجلة وضعها بأنه أبرز مظاهر النقص الغربي في الصواريخ الاعتراضية، مضيفة أن تراجع المخزون الأمريكي يساعد في تفسير إحجام الرئيس دونالد ترمب مرارا عن تنفيذ تهديداته بالعودة إلى الحرب مع إيران، وسط قلق متزايد لدى حلفاء واشنطن.
ورغم أن نقص الذخائر أمر معتاد في حروب الاستنزاف الكبرى، فإن اللافت -بحسب التقرير- هو أن الولايات المتحدة تواجه هذا النقص بعد حرب قصيرة ضد قوة متوسطة الحجم.
وتبدو المخاوف أكبر عند النظر إلى مواجهة محتملة مع الصين، إذ تنقل المجلة عن دراسة حديثة لمؤسسة "هيريتيج" الأمريكية أن الولايات المتحدة قد تستنفد صواريخها الاعتراضية خلال أيام، بما قد يحول دون استخدامها قواعدها في اليابان وغوام.
ويرجع السبب المباشر للأزمة -كما توضح المجلة- إلى الاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية من جانب الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط خلال حرب ترمب ضد إيران هذا العام، إذ يقدر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن البنتاغون أطلق ما يقرب من ثلثي مخزونه من صواريخ باتريوت قبل الحرب، إلى جانب نسب كبيرة من أنواع أخرى من الصواريخ الاعتراضية.
لكنّ المشكلة تتجاوز نقص المخزون إلى ارتفاع كلفة الدفاع، إذ إن الصواريخ الباليستية أرخص عموما من الصواريخ المستخدمة لاعتراضها، ويتراوح سعر صاروخ باتريوت الاعتراضي من طراز "باك-3 إم إس إي" بين 4 و5 ملايين دولار، كما يُطلق عادة صاروخان اعتراضيان على الأقل على الصاروخ المهاجم لزيادة فرص إصابته.
وترى إيكونوميست أن الحرب سرعت من أزمة تراكمت على مدى عقود، إذ لا تزال الصناعات الدفاعية على جانبي الأطلسي تعمل بوتيرة زمن السلم رغم تسارع وتيرة الحروب، في وقت فاقم فيه انتشار الصواريخ عالميا، والإنفاق على الأسلحة المتطورة على حساب ذخائرها، والثقة المفرطة بالتفوق الجوي الأمريكي، من حدة المشكلة.
ويقدر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن إعادة بناء مخزون صواريخ باتريوت إلى مستويات ما قبل الحرب ستستغرق حتى عام 2029، وحتى ذلك يُفترض موافقة الكونغرس على طلب ترمب رفع ميزانية الدفاع إلى 1.5 تريليون دولار -بزيادة 50% عن الإنفاق الحالي- وهو ما تستبعده المجلة.
ويتمثل أحد الحلول في تسريع التصنيع، إذ اتفق المنتجون هذا العام على رفع إنتاج صواريخ باتريوت "باك-3" من 600 إلى نحو 2000 صاروخ سنويا بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، فيما طلب البنتاغون مقترحات لزيادة الإنتاج بوتيرة أسرع.
ووفق التقرير، فقد تسهم القدرات الصناعية للحلفاء في سد جانب من النقص، إذ تنتج اليابان نحو 30 صاروخا اعتراضيا من طراز "باك-3" سنويا بموجب ترخيص وتخصص معظمها للاستخدام المحلي، فيما تستعد شركة "إم بي دي إيه" الأوروبية لبدء إنتاج صواريخ "باك-2″، وهي من الطرازات الأقدم، في ألمانيا.
إلا أن الضغوط تزداد على الإمدادات مع اعتماد 19 دولة على باتريوت بوصفه نظاما رئيسيا للدفاع عن أهداف محددة مثل القواعد الجوية، فيما تقول شركة لوكهيد مارتن -المصنعة للنسخة الأكثر تطورا "باك-3 إم إس إي"- إنها لا تستطيع ضمان مواعيد التسليم لأي عميل أجنبي، في ظل صلاحية البنتاغون في تحويل هذه الصواريخ لصالح احتياجاته.
وفي ختام التقرير، تخلص إيكونوميست إلى أن جميع الحلول الممكنة لنقص الصواريخ الاعتراضية ستحتاج إلى وقت، حتى مع تسريعها وتوسيع نطاقها.
وينطلق الباحث آرون داوسون في مقال نشرته صحيفة إندبندنت من صواريخ "ستورم شادو" البريطانية التي سمحت بريطانيا لأوكرانيا باستخدامها داخل روسيا أواخر عام 2024، موضحا أنها قادرة على ضرب أهداف عالية القيمة خلف الخطوط الروسية، لكنّ مخزون بريطانيا وحلفائها منها محدود وتكلفتها مرتفعة.
ويرى داوسون أن المسيّرات بعيدة المدى قد تخفف هذه القيود، فرغم أنها تحمل رؤوسا حربية أصغر وأسهل اعتراضا من صواريخ كروز فإنها أرخص وأسهل تصنيعا، مضيفا أن لندن إذا تمكنت هي وكييف من إنتاجها بكميات كافية، فستكمن أهميتها في التأثير التراكمي للهجمات الواسعة والمتكررة في عمق روسيا.
لكنّ الكاتب يوضح أن إنتاج المسيّرات على نطاق واسع يعتمد على توفر المكونات والقدرات التصنيعية وسلاسل الإمداد الآمنة، بينما تتوقف فعاليتها على تجاوز الدفاعات الجوية والحرب الإلكترونية الروسية، وإن كانت هذه القيود تختلف عن محدودية مخزونات صواريخ كروز.
ويبرز داوسون مسيّرة "أوكتوبوس" الاعتراضية -المصممة لمواجهة مسيّرات "شاهد" إيرانية التصميم التي تستخدمها روسيا ضد أوكرانيا- بوصفها نموذجا لتصنيع المسيّرات في بريطانيا، إذ تُطوّر التصاميم الأوكرانية المجربة ميدانيا بخبرات هندسية بريطانية، ثم تُنتج بكميات كبيرة في المصانع البريطانية، مع توقع إنتاج آلاف الوحدات شهريا.
ويذهب الباحث إلى أن هذا النموذج يقلب العلاقة التقليدية بين أوكرانيا ومورديها الغربيين للسلاح، إذ لم تعد كييف مجرد عميل، بل تقدم تصاميم مجربة ميدانيا وخبرة تشغيلية، بينما توفر بريطانيا الخبرة الهندسية والقدرة الصناعية وشهادات الاعتماد ورأس المال والوصول إلى الأسواق الدولية.
وينظر المقال إلى ما يعنيه هذا التحول بالنسبة إلى موسكو، إذ يعتبر داوسون أن الدعم البريطاني للمسيّرات الأوكرانية بعيدة المدى يمثل تحديا مختلفا عن قرار "ستورم شادو"، فلا تكمن المشكلة في قدرة التكنولوجيا البريطانية على ضرب أهداف داخل روسيا فحسب، بل في إمكانية أن تساعد القدرات الصناعية البريطانية كييف على مواصلة هذه الهجمات على نطاق أوسع.
ويخلص الباحث إلى أن السؤال الحقيقي يكمن في قدرة أوكرانيا وشركائها على الابتكار وتصنيع الأسلحة وتنفيذ الضربات بسرعة تسمح بفرض كلفة على روسيا، قبل أن تتمكن موسكو من صد الهجمات وإصلاح أضرارها والتكيف معها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة