هبة بريس – محمد منفلوطي
لمن نكتب؟ ولماذا نكتب؟ أسئلة مُحيرة، بالكاد تجد جوابا شافيا كافيا لها في زمن هواتف صُناع التفاهة والمشاهد المُخلة بالآداب على صفحاتهم الشخصية…
كثيرا هُم أصحاب القلم وما يسطرون، ممن توقفوا عن الكتابة وعن التفكير والتحليل والنقاش الهادف أملا في انقشاع السُحب الغائمة عن سماء الكلمة والمعنى والدلالات اللغوية ” الله يجيب من يفهمنا..وما يعطينا والو..” على لسان حال ناس زمان…
أملاً وإلى أن يعود للقلم كلمته وللقارئ حريته في اختيار المواضيع بعيدا عن صخب الصوت والصورة والمشاهد المخلة بالآداب والقيم والأخلاق لأناس تفننوا وأبدعوا طرقا وحيلا لاستمالة المشاهدات ولو على حسب الشرف، يبقى الأمل قائما أن يعود للقلم هيبته…
كثيرا هُم أساتذتنا الأجلاء ممن رفعوا القلم عاليا ليسطروا ملحمات خالدة في تفكيك المعادلات وصياغة المقالات، حينها كان لهم جمهور واسع من المثقفين أو من غير هؤلاء، كانوا لهم سندا وعونا وتشجيعا وهم يتصفحون كتاباتهم يداعبون سجائرهم وأدخنتها تتمايل على نغمات الموسيقى الهادئة داخل مقهى درب أو حي..
منهم من يرتشف فنجان قهوته الساخنة المفضلة متصفحا مقالات، وتحليلات عميقة لكُتَّاب رأي يُقام لهم ولا يُقعد، لهم باع طويل ومكانة كذلك لدى النخبة المثقفة، كان المرء يجد في ذلك ضالته مع الخبر اليقين الذي يطبع كاتبه طابع التريث والرزانة والبعد التبصري والتكوين العلمي بلغة سليمة…
اييه زمان…واش من زمان
ذهبت معه الكتابات، وجِيء بصُناع التفاهة على خيول بدون سُروج ظنا منهم أنهم أصبحوا فرسان آخر زمان، فملؤوا الميدان، وقدَّموا أنفسهم بأنهم أصحاب الأرض والمكان، والمتحكمين في عقارب الزمان، عبر نشر مقاطع لفيديوهات يندى لها الجبين تقتحم الخصوصيات، وتنزع عن البيوت ستارة الأسرار…..
زمان واش من زمان هذا..
ذهبت معه الذكريات، ومُلئت الساحات بصُناع التفاهة، ممن وجدوا مساحات واسعة للتحرك بحرية داخل دواليب مواقع التواصل الإجتماعي، فأكسبوا لأنفسهم مقاما مؤقتا، ومنحوا لأنفسهم الشرعية وصار البعض منهم يُجالس حتى كبار قومه، ومنهم من بات يلعب دور المستشهر يروج لمنتوجات أو محلات أو شركات أو ماشابه ذلك، يؤثث المشهد يُزاحم ويتطاول…متصدرين المواقع كمؤثرين صانعين للتفاهات بأموال زهيدة…
زمان واش من زمان هذا…
ارتفع فيه منسوب المشاهدات لمحتويات بائسة مقززة مخلة بالحياء، وتدنى منسوب الكتابة والتحليل والنقاش الهادف، ففقد القلم هيبته، وفقدت الورقة قيمتها الاعتبارية داخل المجتمع….
والعيب كل العيب…لمن أصبح رهينة في أيدي صناع التفاهة هؤلاء، ممن يخلقون بمواقفهم مواضيع تافهة وابتسامات مصطنعة بلا مضمون ولا معنى ولا قيمة، متسلحين بالكم الهائل لمتتبعيهم من بني جلدتهم الذين يعزفون على وثر الرداءة والسخافة ذاته ، همهم الوحيد والأوحد خلق” البوز الخاوي”، يتسولون، ويتوسلون اللايكات والجيمات..
فهل آن الأوان لتقليم الأظافر وتطهير المكان؟
المصدر:
هبة بريس