في سنة عيشه التاسعة والتسعين يستمر حضور وأثر العالم والفقيه الحسين وكاك، في أنشطة ثقافية كبرى من بينها ما تنظمه أكاديمية المملكة المغربية، التي هو عضوها القيدوم، في استمرار لمسار علم وطلب للمعرفة عرفه منذ طفولته، واستمر وهو عميد لكلية الشريعة ورئيس للمجلس العلمي بتيزنيت وطاطا وأسا الزاك، فعضو المجلس العلمي الأعلى، وكان من محطات مساره البارزة تأسيسه مع علماء آخرين خلال فترة الاحتلال الأجنبي للبلاد “جمعية علماء سوس” المبنية على “فكرة المقاومة الوطنية؛ إذ تألف جمع من الطلبة السوسيين للمناداة برجوع محمد بن يوسف إلى عرشه واستقلال المغرب”، وفق المؤرخ البارز عمر أفا الذي كتب ترجمة هذا العلَم.
العالم المغربي الذي ترأس المجلس العلمي بتيزنيت، واشتغل بالمجلس العلمي الأعلى عضوا، فضلا عن عضوية أكاديمية المملكة المغربية، اهتمت كتاباته بدور الحديث النبوي في المغرب والعالم الإسلامي، وأسباب نزول القرآن، والتأريخ لمحطات من الصراع مع الاستعمار، وللتقاليد بمسقط رأسه سوس، وثقافة الصحراء، وبحث في دور المدارس العتيقة في المنطقة، مع اهتمام بالتربية على المواطنة، ونشر المعرفة، والتأريخ لمسار أعلام من قبيل الرحالي الفاروقي وعبد الله كنون ومحمد الخامس، ودراسة لمسارات أعلام مثل ابن خلدون والقاضي عياض، وتنبيه إلى مكانة المرأة في الإسلام، وانتباه إلى تحولات الهوية المغربية في ظل العولمة الثقافية، فضلا عن امتدادات المغرب في محيطه، ومن بين محطات ذلك اهتمامه بالذاكرة الإفريقية للمغرب وعوائق التنمية بالقارة، ومستقبلها المنشود ودور المملكة فيه.
في “الكتاب التذكاري لأساتذة معهد محمد الخامس بتارودانت”، الصادر في ما يقرب 400 صفحة، وهو معجم للمغاربة والأجانب الذين درّسوا به، خص عمر أفا الحسين وكاك بترجمة تهم مساره منذ حفظه القرآن وتلقيه التعليم الأولي بسوس، مرورا بمحطة مراكش العلمية، وصولا إلى أحدث ثماره الثقافية واهتماماته البحثية.
ويقول المؤرخ عمر أفا إن “الأستاذ الحسين وكاك من علماء المغرب الأفذاذ، يسمعك في صوته رنة تأكيد، ويريك في مواقفه جرأة وحسما، وفي صحبته ألفة وعزما، ساهم بموفور الجهد في أعمال العلم والثقافة وشؤونهما”.
وبعد التعليم الأولي بسوس انتقل ابن أكلو عمالة تيزنيت إلى مراكش “عند الأستاذ الفقيه محمد المختار السوسي بالزاوية بالرميلة، فهيأه لامتحان الدخول إلى جامعة ابن يوسف؛ هناك تابع دراسته على شيوخها إلى أن تخرج منها بحصوله على شهادة العالمية سنة 1956، في العلوم الشرعية، وأثناء إعداده للعالمية عمل أستاذا في المدارس الحرة بمراكش”.
هذا العالم المنخرط في المطالب الوطنية خلال فترة الاحتلال الأجنبي “بعد استقلال البلاد (…) شجع أمير المؤمنين في أول وفد من العلماء يزوره بتكوين المعهد الإسلامي بتارودانت”، ومع تدبير جمعية علماء سوس شؤون فتح المعهد الإسلامي بتارودانت أسهم وهو كاتبها العام “في أنشطة عديدة، منها التدرج في إنشاء المعهد الإسلامي، انطلاقا من سنة 1956، وقد أصبح من أساتذته، ثم سنة 1959 عين مفتشا بمعاهد التعليم الأصيل”.
ولم يتوقف مسار طلب الحسين وكاك العلم، فقد “كان منتسبا لكلية الحقوق بالرباط، فحصل منها على الإجازة سنة 1960، كما نجح في مباراة المحاماة؛ وفي السنة نفسها شارك في الدورة التدريبية التي تنظمها الجامعة الأمريكية ببيروت للأساتذة في الصيف، وسنة 1962 عين مساعدا لنائب وزارة التربية الوطنية بأكادير، وسنة 1965 التحق بدار الحديث الحسنية التي حصل منها على دبلوم الدراسات الإسلامية سنة 1967”.
بعد هذا، يردف عمر أفا، “ساهم الحسين وكاك في إنشاء كلية الشريعة في أكادير، التابعة لجامعة القرويين، بصفة الكاتب العام لجمعية علماء سوس، وأصبح كاتبها العام سنة 1979، وسنة 1984 عين عميدا لكلية الشريعة. وسنة 1975 عين أستاذا محاضرا بدار الحديث الحسنية، وانتخب سنة 1979 نائبا برلمانيا عن دائرة مدينة تيزنيت، وسنة 1981 عين رئيسا للمجلس العلمي لأقاليم تزنيت كلميم، وطاطا، وأسا الزاك”، فضلا عن كونه من مؤسسي “رابطة علماء المغرب”.
ومن محطات أثر الحسين وكاك في الشأن العام بالمغرب تعيينه “سنة 1993 عضوا في المجلس الوطني للشباب والمستقبل، وسنة 1997 في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وسنة 1999 في اللجنة الملكية للتربية والتكوين، وسنة 2003 عضوا بالمجلس العلمي الأعلى بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية”.
من بين أحدث محطات تكريم العالم المغربي الحسين وكاك يوم دراسي نظمه المجلس العلمي المحلي لتيزنيت مع عمالة الإقليم والمندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية، خصص لدراسة مؤلفاته، بمناسبة صدور كتاب له بعنوان “شاهد ومشهود”؛ كما كرم، قبل سنتين، بجامعة ابن طفيل، خلال “أسبوع الاستقلال والتحرير”، بتنظيم المجلس العلمي لإقليم القنيطرة، بتنسيق مع مندوبية الشؤون الإسلامية.
وقال وكاك في كلمة تكريمه متم سنة 2023: “المغاربة مخلصون لله والوطن، ويبذلون جهودهم في هذا الميدان. والفضل الكبير يرجع للمدارس العتيقة في المغرب، التي زودت المغاربة بحفظ القرآن العظيم، الذي يحيي الإنسان حياة فريدة في التاريخ”.
وسنة 2018 سلم الملك محمد السادس الحسين وكاك “الجائزة التنويهية التكريمية” التي تقدم خلال إحياء ذكرى المولد النبوي، وهي “جائزة محمد السادس للفكر والدراسات الإسلامية”، التي “تمنح كمكافأة للشخصيات العلمية المرموقة، الوطنية والدولية، بغية تشجيعها على إنجاز أبحاث عالية المستوى في مجال الدراسات الإسلامية، وذلك تماشيا مع تعاليم الشريعة السمحة التي تحث على طلب العلم وحسن توظيفه”، وفق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
وفي إسهام العالِم في المؤلف الجماعي “إفريقيا أفقا للتفكير” يتحدث، بعد استحضار نماذج متعددة، حاجة القارة إلى “تحصيل مقوم الوحدة وثابت الديمقراطية وسيادة حقوق الإنسان”، الذي بعده “يأتي مشروع التنمية الشاملة المستدامة لبناء المجتمع وتأصيل عناصر قوته بالتربية الوطنية الشاملة، والتكوين الرصين، والعدالة الاجتماعية، عبر الخيارات التنموية الرشيدة”.
ونافح الحسين وكاك عن المرجعية الدينية لإفريقيا، والمغرب الذي يلعب في ذلك “دورا رائعا في محاربة العنف والتطرف من خلال تبنيه المذهب المالكي، وتنشيطه الزوايا أو الطرق الصوفية، وتكوينه الأئمة والمرشدين، وتأطيرهم أحسن تأطير، وتعاون مع مختلف الراغبين في هذا الميدان، مثل إعلانه مؤخرا عن اتفاقية مع ‘باماكو’ لتكوين خمسمائة إمام لتنشيط الدعوة، وتركيز المعاني الروحية لدى المسلمين”.
كما دافع العالم عن مكانة اللغة العربية في التحصيل وطلب المعرفة، منتقدا تصورات “حداثية” تحارب “اللغة العربية وآدابها وقواعدها وبلاغتها”، موردا أنها تعتبر “تدمير العربية تدميرا للقرآن الذي نزل بهذه اللغة”.
وفي محاضرة للحسين وكاك في دورة لأكاديمية المملكة المغربية، صدرت في مؤلف جماعي بعنوان “من الحداثة إلى الحداثات”، شارك مفهومه لـ”الحداثة المنشودة، القائمة على المرجعية الدينية القائمة على الإيمان”، من أجل “جعلها تمشي في طريق الهدى والحق والعدل والأمانة والإبداع والاجتهاد”.
ونادى المحاضر بـ”حداثة نابعة من التراث بكل ما يحمله من رؤية معرفية ومنظومة قيمية وعالمة (…) لأن التراث يعيش فينا ونعيش فيه، ونحتاجه لفهم ديننا، وليس قيدا لعقولنا، ولا يأسرنا في حدوده”، عكس ما اعتبرها تجربة تخص حضارة أخرى مع تراثها، لا يمكن تعميمها.
كما قال وكاك إن الحاجة ماسة إلى “حداثة تنطلق من الإنسان باعتباره القادر على إعادة صياغة ذاته وبيئته، بحسب وعيه الأخلاقي؛ فمنطلق القرآن الكريم يربط عملية البناء والنهوض والتغيير بالنفس البشرية ‘إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم'”.
كما شدد العالم المغربي، مستمر العطاء بعد مسيرة حياة تجاوز 99 سنة، على أن الحداثة لن تكون إلا بـ”الانفتاح على العالم وثقافاته، بهدف إصلاح التشوه المعرفي، وإصلاح وصياغة البرامج التعليمية والتربوية”، مع تسطيره على ضرورة تعلم المنطقة ذات الأغلبية المسلمة اليوم “من المدرسة الغربية” كمحطة ضرورية “كي نستغني عنها”؛ فـ”هذه سيرة الأمم المتحضرة، التعلُّم من الغير وتجاوزهم بعد ذلك”، لكن مع “اعتماد الإسلام كمنهج تغيير للحياة، وقوة إصلاح النظام الاجتماعي وتطوير العلم والابتكار، لا مجرد نوع آخر من الاعتقادات وطريقة معينة في العبادات”، مع تأسفه للافتقار “اليوم للتجديد الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم”.
المصدر:
هسبريس