نبه مستند تحليلي يتولى دراسة تقرير استخباراتي إسباني إلى نقطة “جوهرية” تتعلق بحديث التقرير عن “غياب قيادة هرمية” لعملية العبور الجماعي الأخير نحو الثغر المحتل، في الوقت الذي “يصف فيه مباشرة وبشكل مفصل مسؤولا محددا عن مجموعة على “واتساب”، يحمل رقما هاتفيا جزائريا (213+)، ويقوم بإرسال تعليمات تتعلق بالتوقيت، ونقاط التجمع، وتنظيم الأشخاص في مجموعات صغيرة، والتحرك في الزمن الحقيقي، وإعادة توجيههم نحو مليلية”.
واعتبرت المذكرة التحليلية التي توصلت بها هسبريس، والتي تحمل اسم “الرقم الجزائري الغامض” وتشرح التقرير الاستخباراتي الإسباني حول أحداث سبتة ومليلية، أن هذه الوظائف التي أشرف عليها هذا الرقم ذو الأصل الجزائري “تصف عمليا دورا في التنسيق المركزي”، مشيرة إلى أن التقرير يحاول حل هذا التناقض من خلال التمييز بين “القيادة” و”التراتبية الرسمية”.
وذكرت الوثيقة ذاتها، التي أعدها الباحث المتخصص في قضايا الهجرة في الجنوب العالمي حسن بنطالب ونشرها باسم مركز “MigraPress”، أن “هذا التمييز يبدو هشا من الناحية التحليلية”، معتبرة أن “الشخص الذي يحدد التوقيت، وأماكن التجمع، وتكتيكات تفادي قوات الأمن، والأهداف البديلة، يمارس وظيفة قيادية عملياتية، بصرف النظر عن البنية القانونية أو التنظيمية التي يستند إليها”.
وخلال تفكيك التقرير الذي تمت مناقشته أيضا من طرف الخبير خوسيه ماريا خيل غارّي، سجل بنطالب أن “الابتكار الحقيقي الذي يوثقه التقرير لا يتمثل في غياب التنسيق، وإنما في خفة البنية التحتية لهذا التنسيق: فهو يعمل باستخدام أدوات مجانية، ومن دون هيكل تنظيمي دائم، ومن دون ميزانية مؤسساتية واضحة”، موردا أن “هذه ملاحظة تحليلية مثيرة للاهتمام” لكن تقديمها على أنها “غياب للقيادة” يتضمن، بحسبه، “قدرا من عدم الدقة، ويؤدي وظيفة خطابية محددة”.
وبالنسبة إلى المركز ذاته، فإن عنوان التقرير اللافت “الرقم الجزائري الغامض” يشكل “أكثر نقاط الوثيقة إثارة للقلق من الناحية التحليلية”، مبرزا أن التقرير نفسه يحرص على التوضيح أن “استخدام هذا الرمز لا يعني تورط دولة، لأن الأرقام الافتراضية يمكن شراؤها بسهولة من أي مكان”، لكن بنطالب يرى أن “هذا التحفظ صادق من الناحية الفكرية، لكنه مدفون داخل ملاحظة تحذيرية”.
ويظلّ الأثر التأطيري، حسب المذكرة ذاتها، “واضح”، مبرزا أن “التحفظ المنهجي موجود لحماية التقرير من انتقادات الخبراء، لكن العنوان وطريقة تقديم القصة يربطان هذا الحدث باستمرار بأصل جزائري”، مبينا أنه “في السياق الجيو-سياسي الإسباني، حيث التوترات مع الجزائر بشأن قضايا الهجرة والطاقة والصحراء المغربية حقيقية وموثقة، فإن هذا الربط ليس أمرا ثانويا”.
ووجد بنطالب أن “التقرير الاستخباراتي الرصين الذي خلص بالفعل إلى عدم وجود تورط للدولة، لم يكن من المنطقي أن يختار ‘الرقم الجزائري’ عنوانا لقسمه المركزي”، موردا أن “هذا الاختيار يوحي بأن الغموض يُبقى عليه عمدا بدلا من حسمه”.
واقترح الكاتب ذاته قراءة هذا التقرير في سياق العلاقة المتوترة والمعقدة بين إسبانيا والمغرب والجزائر، موردا أنه “منذ أزمة 2021 بين إسبانيا والمغرب، عندما دخل آلاف الأشخاص إلى سبتة في يوم واحد، أصبحت قضايا الهجرة على حدود سبتة ومليلية تحظى باهتمام أمني كبير في إسبانيا”، وتابع: “من هذا المنظور، فإن الحديث عن الرقم الجزائري الغامض لا يبدو مجرد إشارة تقنية إلى رقم هاتف، بل قد يدفع القارئ إلى ربط الأحداث بالجزائر، خاصة في ظل التنافس القائم بين المغرب والجزائر حول قضايا مثل الصحراء والحدود والطاقة”.
واستحضر صاحب المذكرة أن التقرير الإسباني نفسه “يحذر من أن وجود رقم هاتف جزائري لا يعني بالضرورة وجود أي تورط للدولة الجزائرية”، لكن بنطالب يقدّر بأن “إبراز هذه المعلومة في العنوان وفي طريقة تقديم الحدث يمكن أن يعطيها دلالة سياسية أكبر من قيمتها الفعلية”.
وبالنسبة للمركز الذي نشر الوثيقة، فإنه “ينبغي التعامل مع هذا الربط بحذر، والتمييز بوضوح بين ما تثبته المعطيات الموجودة في التقرير وبين الاستنتاجات الجيو-سياسية التي يمكن أن تُبنى عليها”، مفيدا بأن “الرقم الجزائري، في حد ذاته، لا يكفي لإثبات أي تدخل رسمي من الجزائر”.
وينتقل المستند إلى القسم الوارد في التقرير والمتعلق بـ”الأركان النفسية الأربعة للحملة الرقمية”، أي: الفرصة، والسهولة، والاستعجال، والتحقق الاجتماعي، باعتباره “تفكيكا لآليات التلاعب التي استخدمها منظمو التعبئة”، لكن عملية التفكيك نفسها تشكل، بالنسبة للمركز “نوعا من التلاعب”، وأوضح: “عندما يُوصف الأشخاص الذين عبروا أو حاولوا العبور باعتبارهم ضحايا سلبيين لتقنيات تلاعب ‘أوقفت التفكير النقدي’، فإن التقرير يسلبهم قدرتهم على الفعل”.
وهكذا، يقرأ بنطالب أن “قرار عبور الحدود يُعرض ليس بوصفه نتيجة حساب عقلاني يرتبط بظروف حياة حقيقية مرتبطة بالهشاشة الاقتصادية، وغياب المسارات القانونية، بل باعتباره نتيجة تكييف نفسي أنتجته الخوارزميات”، مشيرا إلى أن هذا الانتزاع للقدرة على الفعل يؤدي وظيفتين سياسيتين في آن واحد: أولاهما “إخفاء الأسباب البنيوية للتعبئة”، وثانيتهما إنتاج صورة متناقضة للضحية تخدم الخطاب الأمني: “هؤلاء الأشخاص ليسوا ذواتا لها حقوق تمارس حرية الحركة، بل ضحايا لتلاعب رقمي يتعين على السلطات حمايتهم منه عبر ردعهم وإعادتهم”.
وأورد الباحث أن التقرير يكشف عن “الطريقة التي تتصور بها الأجهزة الأمنية الأوروبية التعبئات الهجرية في زمن شبكات التواصل الاجتماعي”، لكون “ما تقوم به الوثيقة هو عملية إخفاء مزدوجة؛ لأنها تجعل البعد الحقوقي والإنساني للأشخاص الذين يحاولون العبور غير مرئي؛ وفي المقابل، تجعل التهديد الرقمي المعقد مرئيا بشكل مفرط، بما يبرر استجابات تقنية وأمنية متطورة بالقدر نفسه”.
وهذه العملية المزدوجة، عند بنطالب، ليست بالضرورة “نتيجة سوء نية فردية”، وإنما هي “جزء من الوظيفة العادية لنوع مؤسساتي محدد، كالتقرير الاستخباراتي الأمني، الذي تُحدد غايته مجال الرؤية: فما يجب رؤيته هو التهديد، وما يجب إدارته هو التدفق، وما يجب إنتاجه هو معرفة عملياتية تخدم السيطرة”.
وخلص الباحث في دراسات الهجرة من الجنوب العالمي إلى أن هناك “حقيقة بسيطة تنساها أحيانا التحليلات الرقمية شديدة التعقيد”، وهي أن الأشخاص الذين يحاولون عبور حدود الثغرين المحتلين “ليسوا عناصر في سرب خوارزمي. إنهم ذوات تتمتع بحقوق بموجب القانون الدولي، وحركتهم هي نتاج شروط بنيوية لم تخلقها الخوارزميات ولا منسقو واتساب، ولا يمكن للأسوار ولا لعمليات الإعادة القسرية أن تحلها”.
المصدر:
هسبريس