آخر الأخبار

محمد السرغيني في قراءة المصباحي .. شِعر يراوح بين البساطة والعمق

شارك

في محطات متعددة عبر عقودٍ توقفت ورقات للفيلسوف المغربي محمد المصباحي عند شعر وحياة الشاعر والأكاديمي الراحل محمد السرغيني، الذي غادر دنيا الناس في سنته السادسة والتسعين، قبل أيام في شهر غشت الجاري.

وكان صاحب “ويكون إحراق أسمائه الآتية” رائدا للمغامرة الشعرية، درَس بجامع القرويين، وجامعات بغداد والرباط وباريس، ثم صار لعقود أكاديميا من الرعيل الأول للجامعة المغربية بعد الاستقلال، أطر أجيالا من الباحثين، كما كان ناقدا وساردا أغنى الخزانة القارئة باللغة العربية، وتوج بجوائز من قبيل “الأركانة العالمية للشعر” و”جائزة المغرب للكتاب”.

السرغيني والشعر

في ورقة بعنوان “أنا الشعر: واهب القلب عقلا. ارتياض في أرجاء شعر السرغيني” كتب محمد المصباحي أن “اجتماع البساطة والعمق في شخص السرغيني هو ما أضفى على شعره وحياته طعماً من السخرية والشغب، بيد أنه كانت سخريته تستعمل عدة ثقافية ورمزية باذخة”، وتابع: “ما يدهشك في السرغيني الإنسان هو بساطته التي تصل إلى مشارف الطفولة، وهو نفسه يقر بها: ‘جلّ من يكبر طفلاً’، بل ويرى ‘أنه’ ‘يضع الشعر في أصغر الخلق سرَّه’ (…) لكنك ما أن تشرع في قراءة شعره حتى تفاجأ بعمق لا قرار له، ونفاذ لا حد له؛ وهذه لعمري هي المفارقة التي تميز الشاعر الكبير عن غيره من ‘الشعراء الذين يمحوهم نهار الليل'”.

وواصل المصباحي: “إن لقاء البساطة بالعمق، لقاء إشراق العبارة بغموض المعنى، هو ما يشدك إلى شعر السرغيني”، مردفا: “إن بساطته تجعله في حل من ركوب القصائد الطوال، مستعجلة إياه بالمضي في التقاط ما في الوجود والصيرورة من مكامن السخرية والجمال. ولمّا كان السرغيني من بين الصناع المهرة (…) فقد استطاع أن يسبك مقتطفاته الوجودية وغنائمه الشعرية في لغة عالية من الجودة والعتاقة والإيحاء”.

وحول سخرية وجد شعر السرغيني كتب المتخصص في فلسفة ابن رشد وكاتب “نعم ولا: الفكر المنفتح عند ابن عربي”: “عليك أن لا تنتظر من السرغيني موقفا نهائيا قاطعاً، أو تحليلاً متماسكاً واضحاً، لأنه فضّل المراوحة بين ‘نعم ولا’، فضل أن يسكن برزخاً يوجد بين السماء والأرض، بين الحقيقة والخيال، بين العقل والجنون، بين الحقيقة والظل؛ ولذلك لا تستغرب إن وجدت شعره ملغماً بالغمز والسخرية، بالأحكام الطائشة والخطرات الجامحة. فإن كنتَ من أهل المعرفة أو من ذوي إيمان العجائز أو من الذين يطمعون في تغيير المدينة -المغارة فلا تحمل قوله محمل الجد، أما إن كنت من أهل الجود والوجود، ومن أهل الإشارة والقناعة، فمن حقك أن تعتبر طيشه وشروده عين الجد”.

ورصد المفكر نقد الشاعر السرغيني “للعقل ولواحقه النظرية والمعرفية (…) فهو بعد أن يشير سريعا إلى إفلاس العقل (في ديوان) ‘من فعل هذا بجماجمكم’ يعلن صراحة: ‘أرغبُ في فك لغز الذبابة دون اللجوء إلى العقل’، ويلمح في مكان آخر إلى ضيق العقل بقوله ‘لرحم الأم المُليّن بزيت الصوجا باب يقود العقل نحو عنق الزجاجة'”.

وزاد القارئ: “العلاقة مع العقل، وبخاصة إذا كان فعالاً، لا يمكن أن تكون في نظره إلا علاقة عمالة (…) وعندما يعلن حربه على العقل الفعال وعملائه من الحدادين فإنه يفعل ذلك لأنه ضجّ من فكر الجوهر والماهية، فكر الوحدة والثبات، راغباً في الانفتاح على فكر المسافة والعدد (…) ومن الشواهد على استخفافه بالعقل إشاراته المتعددة إلى أسبقية الشذوذ على القاعدة: ‘واقعته اليمامة/ بأحابليها اللغوية ليلة كان الصقيع يجمّع فيروزه والشذوذ الذي يسبق القاعدة’؛ ويذهب أبعد من ذلك في مناوءته للعقل عندما يفضل عليه الجنون: ‘إذا أنت بمنأى عن الجنون/ أنت بمنأى عن الحقيقة/ أزهى فترات الجنون أن تقتل الشارب في غيبتي/ وأن ينبت الإرهاق قبل الجذور فيه’، وتصل مناوءته للعقل الموضوعي الساري في الوجود ذروتها عندما يعلن منتشياً ‘المجد للفوضى’، مؤكدا ذلك باعترافه: ‘وأنا متخم بالتعاليم، ممتلئ بالعصور، وفي حاجة لخراب وفوضى، وهنّ اللواتي توغلن ما بين ظُفر وأنملة، يتهربن من موتنا المتبادل، يسدلن أجفانهن على نشوة ويبددنها، ولهن من الربح والخُسر ما تتكبده لغة بحذافيرها'”.

وعاند شعر السرغيني المعرفة أيضا، وفق قراءة المصباحي، “فهي لديه إما مرتبطة بالجهل وبالرزق؛ إنه يفضّل مقايضتها برقصة المحارب: ‘كن معرفة وجهلها ولا تكن وثيقة معقوفة/يافاطر الساج الذي به السرير!/ عذَّبَني الغائب في الشاهد. خذ ثمرة الغنوص واقبل رقصة أخيرة في راحة المحارب!’؛ لأنه لا يريد أن يقطع مع الوجود في سبيل الذات ‘واهاً لمقولات ينسفها قطع التيار!'”.

“فاس والسرغيني”

في مقال محمد المصباحي المعنون بـ”فاس والسرغيني” وضح أن الشاعر “كان يعتبر مدينة فاس الهيولى التي يصنع منها قوله الشعري، أو بلغة ابن رشد كان يعتبر فاس شعرا بالقوة، وهو لا يعمل سوى إخراجها إلى الفعل؛ معنى هذا أنه كان ينظر إلى فاس بوصفها وجودا شعريا”.

وواصل قارئ السرغيني: “لم تكن مقولاته مفاهيم عقلية، ولا منازل وحضرات ذوقية، وإنما تشبيهات واستعارات شعرية. فمقولات محمد السرغيني لم تكن تتكون من الجوهر والفعل والانفعال والمكان والزمان والهيولى والصورة… ولا من مقامات الوجد والفناء والتوكل والرضا… وإنما من سبع فواكه، من المشمش والبرقوق والتوت… ومن الدُروب والأزقة والألوان التي يحمل كل واحد منها تاريخا شعريا وجدانيا خاصّاً بها يسري في كيان الشاعر”؛ ثم يدلّ قراءَ الشاعر على السبيل: “مَن أراد أن يبحث عن المعنى في شعر السرغيني فعليه أن يؤم أزقة فاس، وأن يتذوق فواكهها ويتعطر بعطورها وأن ينشرح لنسائها. لكن دون تحقيق الوصال والاتصال مع فاس لا بد من شيخ، ولن يكون هذا الشيخ سوى السرغيني”.

وبما أن “لكل تصوف ولكل فلسفة غاية تؤمُّها هي الاتصال والوحدة والفناء في المحبوب” تراءى لمحمد المصباحي أن السرغيني “وكأنه كان يهفو إلى تحقيق ‘وحدة وجود’ مع فاس، لذلك كان يرفض أن ينظر إلى فاس نظرة موضوعية منفصلة، لأنه كان يأبى أن تكون هناك مسافة بينه وبينها؛ ففاس بالنسبة إليه ‘ذاته الكبرى’ التي تقتات منها ‘ذاته الصغرى’، أو قل هي مرآته الداخلية التي يرى فيها نفسه بذكرياتها وتطلعاتها، بآمالها وإحباطاتها، وهي مرآة سحرية تحوّل الدروب والفواكه والصوامع إلى رموز وعلامات يقرأ فيها الشاعر مصير ذاته”.

فشل لقاء الشعر والفلسفة والتصوف!

في ورقة بعنوان “حول فشل لقاء الشعر والفلسفة والتصوف: في لقاء محمد السرغيني بابن سبعين”، ألقاها محمد المصباحي في ندوة تكريمية للشاعر بكلية الآداب في فاس، ونشرت في مجلة “فكر ونقد” سنة 1998، قابل بين اللقاء الحي بين ابن رشد وابن عربي، واللقاء من وراء حجاب بين السرغيني وابن سبعين، وخلص إلى أنه “رغم اختلاف طبيعة اللقاءين، سواء على مستوى الجنس القولي أو على مستوى الغاية، فإنهما انتهيا معا إلى مآل واحد، هو الفشل”، ثم كتب معلقا: “الراجح أن مقاومة كل من الفلسفة والشعر لأي استدراج للذوبان في جنس القول الصوفي كان من أسباب هذا الفشل المزدوج، ولو أنهما لم يخفيا طمعهما في التعرف على مسالك التجربة الصوفية وتذوق بعض لذّاتها العارمة. لكن بوسعنا أن نضيف سببا آخر لفشل اللقاء بين أجناس القول الثلاثة –الفلسفة والشعر والتصوف -، وهو أنها تصدر عن تجارب وجودية صميمية لا يمكن رد بعضها إلى بعض، بسبب اختلاف موضوعاتها -الوجود واللغة والواحد- وإن كانت تقتسم الشعور بعدم الاطمئنان إلى العادة وإلى الشائع والمتداول من الحقائق والأعراف والشرائع وأنحاء التعبير”.

وفي محطة لاحقة من الورقة نبه المصباحي إلى أن “الشاعر الفاسي والمعاصر محمد السرغيني سعى (…) في طلب ابن سبعين، وكان لقاؤه به مرتين، لكن عبر حجاب النص؛ ولا يخفى أن الإعراب عن الرغبة في لقاء القول الصوفي هو اعتراف غير مباشر بانسداد ما في أفق البحث الشعري بعد أن صارت ‘الكلمات أنثى عاقر’، وباتت ‘الدلالة شمطاء’، فتطلع إلى فتوحات شعرية جديدة، ومدد آت من أهل الخرقة”.

ثم أردف الكاتب: “إن هروب محمد السرغيني من حيز القول الشعري إلى فضاء القول الصوفي كان هروبا فطريا، حماية لشاعريته كيلا تسقط في أحابيل ‘الكرادلة’ النقاد (…) كان وفيا لطبيعة القول الشعري الذي ليس بد من التجوال والسفر بعيدا إلى الأعالي الشاهقة بين الحين والآخر، حتى لا يُستدرج إلى السقوط في مذهبية مقيتة، أو ولاء شعري ركيك. كان لجوء م. السرغيني للصوفية بمثابة اعتراف صريح منه بعجز اللغة، واستحالة الدلالة، وترهل المؤسسة النقدية، فبات التصوف بهذا الاعتبار ملاذا للدلالة ورمزا للمغامرة والتمرد والعنفوان”.

ثم استدرك المصباحي موضحا ما في “سلوك شاعر فاس” من “المفارقة”؛ “ففي أوج ‘تمركسه’، أي في معمعة بحثه عن البديل الجذري للإنسان بما هو إنسان يلجأ إلى فكر مناهض في مظهره للإنسان المشار إليه، الموجود هنالك في المجتمع والتاريخ؛ وهذا ما يجعلنا نقول إن لجوءه إلى ابن سبعين كان هروبا لا شعوريا من فضاء الجمهور والقطيع والفكر الواحد الشامل، إلى فكر ذاتي غير منضبط بالتزام بمساطر أو قوانين داخلية، رغم قيامه على المشيخة والولاء”، لكنه “لم يشأ أن يقرأ ابن سبعين باعتباره شاعرا أو عاشقا، بل استكره نفسه أن يقرأه كمحقق باحث، وهو ما أسدل حجابا آخر بينه وبين المتصوف المتمرد، فلم ينظر إليه من حيث هو صاحب تجربة خارقة، بل باعتباره مؤرخا ناقدا لجماع الفكر العربي-الإسلامي، أي بوصفه صاحب قول أو تجربة قولية وحسب”.

وواصل المفكر نفسه: “بالفعل لم يسلم معجمه وأسلوب كتابته وموضوعاته الشعرية من التأثر بالقول الصوفي، ولا سيما في إنتاجاته الأخيرة التي انتحل فيها أسلوب المقامات والمقالات؛ فقد صار يتناول موضوعاته كما يتناول الفيلسوف الموجود، وكما يقترب الصوفي من الواحد (…) فتصير مدينة فاس مثلا فواكه سبعاً أو دروبا عشرة، على غرار مقولات الموجود أو مقامات الواحد، فما كان يهمه من التجربة الصوفية هو لغتها وجموحها، لا هدفها ومبتغاها، ما كان يهمه هو الرحلة نفسها لا لحظة الوصول (…) أصبحت فاس هي السرغيني، هي ذكرياته (…) هكذا يتحول موضوع الشعر إلى منطلق إيحاءات الشاعر، يتحول الموضوع الشعري إلى رمز لكل الأشياء من حيث ما هي تحيل على الذات. ولهذا فمن أراد أن يبحث عن المعنى في شعر السرغيني فلن يظفر به، من أراد أن يصل مع السرغيني فلن يصل”.

لكن، في آخر المطاف اغترف السرغيني من التصوف “أسماء ومقامات ومقولات”، ولم ير فيه “إلا ألوان مرقعة، ألوانا يقرأ فيها حفريات مرقعات مريد لبسها يوما ما، أو لبسها كل الواصلين في كل الأزمان، فالألوان هي التي كانت تعنيه وليست مضامين الألوان وغاياتها. كان السرغيني أقرب إلى المتسكع ما بعد الحداثي منه إلى المتصوف المتوحد الذي يجد ضالته وهويته في طلب الرحلة والسفر! (…) لقد استبدل شاعر فاس المطلق بالملموس، والسفر بالتسكع، لقد أعجب بها وهام بحلمها، ولم يكن همه أن يعرف حقيقتها أو يصل إلى مركز جاذبيتها”، يورد المصدر ذاته.

ويقدّر محمد المصباحي أن السرغيني انتقم لابن رشد، “فقد كان الصوفي (ابن عربي) هو صاحب زمام المبادرة بقطع حبل التواصل بينه وبين الفيلسوف بشيء من المكر، أما الشاعر فأبى إلا أن يكون هو الغالق لباب الاتصال بين الشعر والتصوف والملابسة الداخلية بينهما”، ثم سجل ملاحظة حول الجزم بـ”فشل لقاء الشعر والفلسفة والتصوف”: “ليس في نيتنا قطعا أن ننكر ما للفلسفة والشعر من ذوق وكشف خاص بهما يغنيهما عن التطلع إلى فضاء الجذب والتجليات، ومع ذلك لا نعتقد أن في إمكانهما أن يقطعا مع التصوف على نحو مطلق، سواء على سبيل الاستئناس بأفق آخر، أو على سبيل التعرف على طقوس التجربة الخارقة التي لا ينفك الشاعر يبحث عنها. موازاة لذلك لا يستطيع التصوف بدوره أن يستغني عن الفلسفة والشعر معا، ويشهد على ذلك ابن عربي نفسه، الذي لم يكن حريصا فقط على لقاء ابن رشد وعلى معاشرته ولو في غيبته، بل وأيضا على ممارسة الشعر والفلسفة معا في خضم جذبه وتجليه”.

الإنسان واللغة والمعاني

في ورقة “أنا الشعر” بين محمد المصباحي كيف صار الإنسان في شعر محمد السرغيني “صعباً عنيدا حتى بالنسبة لخالقه، رغم ضعفه وهشاشته الأصلية: ‘مبدع أعيته قشة وما أعياه أن يحاصر الدهر'”. كما أن الشاعر الراحل محب للازدواج و”لا يعنيه أن يكون مختلفا أو متفقا: ‘فلي وأنا في طريق السؤال مغايرتي واتفاقي’، ولعل ازدواجه هذا هو الأمر الواحد المتأكد منه: ‘منذ ولادتي من غبطتين عسيرتين قصيرتين علمت أن طراوة الأشياء من ‘جيليز’ منبعها، وأن سمادها الشمعي من ‘زالاغ'”.

ومن أجل تحقيق الإنسان ذاته يدعوه السرغيني إلى “الخروج من فراغ الحياد ولامبالاته: ‘أيها الخيش قاوم حيادك بالإبرة الشاغرة’. ويعلق المصباحي على البيت بقوله: “أي بالخروج ‘عن لا وعن نعم'”.

وعامل السرغيني اللغة، حسب القراءة المذكورة، “بوصفها بيتاً يسكن إليه وفيه؛ فيختلط الساكن بالمسكون: ‘هذه اللغة العنكبوت / أنت ساكنها وأنا. نحن أو هي البيوت’؛ ولا يخفي رغبته في أن تبقى اللغة في طفولة ومراهقة دائمتين: ‘هل خطأ أن تبلغ اللغة سن الرشد؟’. ولكن سكونه إلى اللغة وفي اللغة لا يعني قبوله بالسلم الاجتماعي حيالها، فصراع المعنى واللفظ لا يتركه محايداً، بل هو يعلن انتصاره لأحد هذين الطرفين قائلا: ‘جحيم المعنى ولا جنة اللفظ'”.

وهنا يشرح المصباحي مسير السرغيني “من أجل اصطياد المعاني الجديدة ولقائه بـ’التصوف’: كان لا يتردد في تحديث عتاده اللغوي بالاقتباس من لغتي التصوف والشعر، ولكنه لم يفعل ذلك مدفوعا برغبة في تناص لفظي يحتفظ بالجنسية الأصلية للأسماء المستوردة من الحقول المجاورة، بل كان يعمد إلى إضفاء هوية جديدة على تلك الأسماء والمفاهيم المقتبسة كيما تكتسب حق المواطنة في مساقِه الشعري الخاص”.

وهكذا لم يكن المقصود من استعمال مصطلحات معارف أخرى “إعطاء صورة صادقة عن العالم وتقديم معرفة حقيقية عنه، بل كانت الغاية من استعمالها إثارة طاقة التخييل لدى المتلقي لتحريك طاحونة قاموسه”، ولم يستعمل المصطلحات الصوفية إلا لـ”إحداث إيحاءات شعرية، من شأنها أن تطرب السامع لها، وأن تشاغب اطمئنانه وسكونه”، ولم يكن المقصود من استعارته الأسماء الفلسفية “تعرية العبارة الشعرية من لباسها الحسي والانفعالي، وإلباسها لباساً تجريدياً مفهومياً، لأنني أعرف معرفة حية من الشاعر مدى نفوره من كل نظرية وتنظير، بل إنني واجد في أحد دواوينه بيتاً شعرياً ينتفض فيه قائلاً: ‘هي ذي صيغة للعظام/ تتمرد في جامعات الأقاليم. مُر باعتقال المنظّر والنظرية/ مر باعتقال الخرائط. مر باعتقال مصمم أزيائها الطبقية./ مر باعتقال المغارة. مر باعتقال الإجازة في الجسدين'”.

ويواصل المصباحي: “حتى الأسماء التي يقتبسها السرغيني من المعجم الجغرافي أو التاريخي أو النباتي، مثل: الربع الخالي، الكمأة السلافي، السرو، السنديان، أركان، جيليز، زالاغ، سبو، الوادي الكبير، بابل، الإسكندر، إحراق السفن، ابن تومرت، حمو الزياني… يكسوها معنى يخرق عادة معناها الأصلي. بل حتى اللغة اليومية: حقوق المؤلف، اليمين، اليسار، المنتجع، المعتقل، الصناعة الثقيلة، المرآة … تغدو لها أبعاد غير منتظرة”.

وختم المفكر ورقته بقوله إن السرغيني كتب شعره لنفسه عندما كتب في لغة عوالم آخرين؛ “فالشاعر هو أول من يكتوي بنار شعره”، وقد “خلق فضاءه الشعري بنفسه، أما مجاله الجغرافي فيمتد من صنعاء إلى فاس، ومن الوادي الكبير في الأندلس إلى سبو، ومن تبريز إلى تومبوكتو، ومن الثلث الخالي إلى بلاد المغول؛ أما زمانه فيمتد من زمن آكل التفاحة إلى زمن الأطباق الطائرة، مروراً بالزمن البابلي واليوناني والإسلامي”.

وأجمل القارئ بالإحالة إلى إهداء كتبه الشاعر على ديوان له وجّهه للفيلسوف، ويرى فيه المصباحي “مرمى شعره”: “أنت تبحث عن صياغةٍ لكائن مطلق، وأنا أصف كائنا مقيداً. لعل الذي يفصل المطلق عن المقيّد هو ما بين تسامٍ ووضعيّ!”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا