آخر الأخبار

انتخابات شتنبر 2026 تختبر زخم المشاركة المرتفعة في الأقاليم الجنوبية

شارك

تتجه الأقاليم الجنوبية للمملكة إلى خوض الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل على وقع رصيد انتخابي غني، جعل من نسب المشاركة أحد أبرز المؤشرات التي تستوقف المتابعين، وذلك لما تحمله من دلالات سياسية مرتبطة بدرجة انخراط الساكنة في المؤسسات المنتخبة وممارسة تدبير الشأن المحلي عبر صناديق الاقتراع.

وتكشف الأرقام المسجلة خلال الاستحقاقات الماضية عن منحى تصاعدي واضح في المشاركة؛ إذ انتقلت من 36 في المائة سنة 2011 إلى 56 في المائة سنة 2016، قبل أن تبلغ 66.94 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء خلال انتخابات 2021. وعلى المستوى الإقليمي، سجلت بعض أقاليم الجهة نسبا أعلى، في مقدمتها طرفاية بـ 85.20 في المائة، تلتها العيون بـ 68.65 في المائة، ثم السمارة بـ 67.37 في المائة وبوجدور بـ 64.10 في المائة.

ولم تقتصر مستويات المشاركة المرتفعة على جهة العيون الساقية الحمراء، حيث بلغت بجهة الداخلة وادي الذهب 58.30 في المائة، مع تسجيل 79.64 في المائة بإقليم أوسرد و54.40 في المائة بإقليم وادي الذهب، وهي أرقام تعكس بدورها حضورا انتخابيا قويا في الأقاليم الجنوبية، وتضع المنطقة ضمن المجالات التي تسجل معدلات مشاركة تفوق، في عدد من مستوياتها، المعدلات الوطنية.

وتحمل هذه الأرقام دلالة سياسية واضحة؛ تكشف انخراطا واسعا لساكنة الأقاليم الجنوبية في العملية الانتخابية واختيار ممثليها الشرعيين عبر صناديق الاقتراع. كما أن توالي نسب المشاركة المرتفعة خلال الاستحقاقات الماضية يقدم معطى ميدانيا يناقض ما تروجه جبهة البوليساريو الانفصالية بشأن التمثيلية الحصرية وغياب الساكنة عن المؤسسات المنتخبة أو عدم انخراطها في المسار السياسي بالمنطقة؛ إذ تؤكد المشاركة الواسعة أن سكان الأقاليم الجنوبية يمارسون حقهم في اختيار ممثليهم والتعبير عن مواقفهم من خلال آلية ديمقراطية، في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.

وبينما تستعد الأقاليم الجنوبية لاستحقاق 23 شتنبر، تبرز فرضية اختبار جديدة لهذا المسار؛ فهل تتمكن المنطقة من مواصلة منحنى الارتفاع الذي سجلته خلال السنوات الماضية وتحافظ على موقعها ضمن المناطق ذات أعلى نسب المشاركة على الصعيد الوطني؟ الإجابة ستحددها صناديق الاقتراع، في استحقاق يُنتظر أن يعيد قياس مستوى التعبئة الانتخابية للساكنة، ومدى استمرار الزخم الذي طبع المشاركة خلال انتخابات 2021.

اختيار ديمقراطي

في قراءته للمشهد السياسي بالأقاليم الجنوبية، يرى عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش” الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية لا يمكن اختزالها في تجديد الهيئات التمثيلية، بل تمثل “لحظة تعبير جماعي عن الانتماء”، وممارسة لحق دستوري وإنساني أصيل، ومؤشرا على مستوى ثقة المواطنات والمواطنين في المؤسسات وفي جدوى الفعل الديمقراطي في تحسين شروط عيشهم.

وأوضح الكاين، ضمن تصريح لهسبريس حول الموضوع، أن إقبال ساكنة الأقاليم الجنوبية، ولا سيما بجهة العيون الساقية الحمراء، على صناديق الاقتراع يحمل دلالات سياسية وحقوقية ومؤسساتية، موضحا أن البعد السياسي يرتبط بالتشبث بالوحدة الترابية والانخراط الطوعي في المسار الديمقراطي الوطني، فيما يتصل البعد الحقوقي بممارسة حق المشاركة السياسية، بينما يعكس البعد المؤسساتي مستوى نجاعة السياسات العمومية الترابية وقدرتها على الاستجابة لتطلعات الساكنة وترسيخ الثقة في العرض السياسي المحلي.

من جانبه، يشاطر المنظورَ نفسه زكرياء أقنوش، الأستاذ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، الذي أكد أن كثافة المشاركة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية تستند إلى “وعي سياسي متجذر”، جعل من صندوق الاقتراع أكثر من مجرد آلية لتجديد المجالس، مشيرا إلى أن المنحى التصاعدي للمشاركة يعكس قناعة لدى الساكنة بأن المشاركة السياسية وسيلة للتعبير عن التمسك بالمؤسسات الدستورية للمملكة، والرد على الأطروحات التي تحاول التشكيك في إرادة المواطنين بالمنطقة.

وفي تصريحه لجريدة هسبريس الإلكترونية، أورد أقنوش أن السلوك الانتخابي في الأقاليم الجنوبية يتغذى من تفاعل البنية الاجتماعية المحلية مع التنافس الحزبي، مبرزا أن المكونات الاجتماعية تشكل رافعة للتعبئة والمواطنة التشاركية، بالتوازي مع إدراك متزايد لأهمية الأوراش التنموية التي تعرفها المنطقة، وما يتيحه العمل المؤسساتي من إمكانية التأثير في توجيه الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.

ونبه الخبير في الأنثروبولوجيا السياسية إلى أن المشاركة الانتخابية تكتسب أهمية إضافية في سياق النزاع حول الصحراء المغربية، لافتا إلى أن توجه المواطنين إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في البرلمان والمجالس الترابية يعكس ممارسة فعلية للتدبير الديمقراطي للشأن العام، مشددا على أن استمرار هذا الانخراط، مع توالي الاستحقاقات، يبرز حضور المؤسسات المنتخبة في الحياة العامة للأقاليم الجنوبية ويمنح التمثيلية السياسية المحلية أساسها الانتخابي.

أرقام ودلالات

تأتي الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل في سياق انتخابي بارز بالأقاليم الجنوبية، بعدما سجلت جهة العيون الساقية الحمراء منحى تصاعديا في نسب المشاركة خلال السنوات الماضية، وهو ما يطرح سؤال استمرار هذا المسار وقدرة المنطقة على الحفاظ على موقعها ضمن الجهات الأعلى مشاركة وطنيا.

ويتجلى ذلك، وفق زكرياء أقنوش، في الأرقام المسجلة خلال الاستحقاقات السابقة، التي تعكس ارتفاعا متواصلا في الإقبال على صناديق الاقتراع، مذكرا بأن نسبة المشاركة بجهة العيون الساقية الحمراء انتقلت من 36 في المائة سنة 2011 إلى 56 في المائة سنة 2016، قبل أن تبلغ 66.94 في المائة خلال انتخابات 2021، مع تسجيل نسب أعلى على المستوى الإقليمي، خصوصا بإقليمي طرفاية والعيون.

وأضاف الأستاذ الجامعي أن هذه الأرقام لا تنفصل عن التحولات التي عرفتها المنطقة على مستوى تدبير الشأن العام، لافتا إلى أن اتساع صلاحيات المجالس المنتخبة، وتنامي حضور النخب المحلية في صناعة القرار الترابي، جعلا من المشاركة الانتخابية مدخلا مباشرا لاختيار من يتولى تمثيل السكان والدفاع عن أولوياتهم.

وزاد شارحا: “تُجسد هذه المشاركة الواسعة التطبيق العملي والواقعي لجوهر مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب”، مؤكدا أن توجه المواطنين بكثافة إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في البرلمان والمجالس الترابية يعكس ممارسة فعلية لتدبير الشؤون المحلية في إطار المؤسسات المنتخبة والسيادة الوطنية.

وبينما تتطابق وجهات النظر حول خصوصية الانتخابات بالأقاليم الجنوبية وانعكاسها على مسار نزاع الصحراء المغربية، سجل عبد الوهاب الكاين أن الاستحقاق التشريعي المقبل يمثل “محطة سياسية وحقوقية بارزة”، متوقعا أن تواصل ساكنة الأقاليم الجنوبية نهجها التصاعدي في الإقبال على صناديق الاقتراع، استكمالا للزخم الذي طبع المحطات الانتخابية السابقة.

وبخصوص جهة العيون الساقية الحمراء، أورد أن المؤشرات المسجلة تجعل من المنتظر أن تحافظ الجهة، وفي مقدمتها إقليم العيون وإقليم طرفاية، على مكانتها ضمن الجهات ذات أعلى نسب المشاركة وطنيا، بما يعكس، وفق تقديره، انخراط الساكنة في تدبير الشأن العام.

وعن شروط نجاح الاستحقاق، ذكر الكاين أن حياد السلطات المكلفة بالإشراف على العملية الانتخابية، وتوفير مناخ ملائم للتنافس الحر والنزيه بين مختلف الفرقاء السياسيين، يظلان عنصرين أساسيين لصون صدقية العملية الانتخابية.

واسترسل المتحدث في القول إن هذا المسار يندرج في إطار التوجيهات الملكية الداعية إلى تخليق الممارسة الانتخابية وحث الناخبين على حسن اختيار ممثليهم، مضيفا أن ارتفاع المشاركة خلال السنوات الماضية يعد نتيجة لتراكم مؤسساتي وسياسي عرفته المنطقة، خصوصا مع دستور 2011 وتفعيل الجهوية المتقدمة.

وأنهى عبد الوهاب الكاين حديثه بالتأكيد على أن ارتفاع المشاركة الانتخابية بالأقاليم الجنوبية يمثل، في نظره، تعبيرا عن “المواطنة الكاملة” والانتماء إلى الوطن عبر القنوات المؤسساتية والدستورية، مشددا على أن نجاح الاستحقاق المقبل يظل مرتبطا كذلك بضمان الحياد وتكافؤ الفرص بين المتنافسين، بشكل يحفظ للإرادة الشعبية مصداقيتها.

التمثيلية والشرعية

تتجاوز أهمية هذه الدينامية حدود الأرقام الانتخابية لتلامس سؤال التمثيلية السياسية في الأقاليم تلجنوبية، خصوصا في ظل استمرار النزاع حول الصحراء المغربية ومحاولات جبهة البوليساريو تقديم نفسها باعتبارها الممثل الحصري لساكنة المنطقة.

تفاعلا مع هذا الجانب، قال زكرياء أقنوش إن نتائج صناديق الاقتراع تفرز نُخبا محلية تستمد تمثيليتها من أصوات الناخبين، مؤكدا أن هذه التمثيلية المنتخبة تكتسب شرعيتها من القواعد القانونية والدستورية المنظمة للعملية الديمقراطية.

وأورد المصرح ذاته أن المشاركة الواسعة في الانتخابات تتيح للسكان اختيار ممثليهم ومساءلتهم بشأن أدائهم، كما تمنح النخب المنتخبة إمكانية الانتقال من المشاركة في التعبئة السياسية إلى ممارسة فعلية لصنع القرار وتحديد الأولويات التنموية للمنطقة.

ومن زاوية أنثروبولوجية، يرى الأستاذ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس أن ارتفاع نسب المشاركة الانتخابية يعكس تحولا في علاقة السكان بالمؤسسات، موضحا أن التنافس الانتخابي أصبح قناة للتعبير عن المطالب المحلية والمصالح الاجتماعية، ومجالا لإعادة إنتاج التمثيلية السياسية من خلال الاختيار الحر للناخبين.

كما اعتبر أن الأهمية الجيو-سياسية لهذه النتائج تكمن في كونها تبرز وجود نخب صحراوية منتخبة تستند إلى تمثيلية شعبية، وهو ما يضع مسألة من يمثل سكان المنطقة في إطار مختلف، قوامه الاحتكام إلى صناديق الاقتراع والمؤسسات المنتخبة، لا إلى الادعاءات السياسية المجردة.

وخلص المصرحان لهسبريس، عبد الوهاب الكاين وزكرياء أقنوش، إلى أن استحقاق 23 شتنبر المقبل سيكون اختبارا جديدا لمنسوب المشاركة السياسية بالأقاليم الجنوبية، ولقدرة المؤسسات والنخب المنتخبة على تحويل الثقة التي تمنحها الساكنة عبر صناديق الاقتراع إلى ممارسة سياسية وتنموية تستجيب لانتظاراتها، فيما ستظل نسب المشاركة المرتقبة أحد أبرز المؤشرات على مستوى استمرار انخراط السكان في اختيار ممثليهم وتدبير شؤونهم عبر المسار الديمقراطي.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا