هبة بريس – تحليل
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب فضاءً مفتوحاً بلا حدود أمام بعض صناع المحتوى الذين بنوا شهرتهم على الإثارة والجدل وجذب المشاهدات بأي وسيلة. فخلال السنوات الأخيرة، بدأت الأحكام القضائية تكشف عن توجه جديد يتمثل في منع بعض المدانين من استعمال المنصات الرقمية أو ممارسة أنشطة مرتبطة بها، إلى جانب العقوبات الأصلية.
وفي أحدث هذه الأحكام، أصدرت المحكمة الابتدائية بمراكش حكماً في حق التيكتوكر سكينة كلامور يقضي بـعشر أشهر سجناً نافذاً، مع منعها من الظهور أو ممارسة أنشطة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات، في حكم يعيد إلى الواجهة النقاش حول حدود المسؤولية القانونية لصناع المحتوى، خصوصاً أولئك الذين جعلوا من الإثارة والجدل وسيلة لجذب المتابعين وتحقيق الشهرة.
لكن قضية سكينة كلامور ليست معزولة عن سياق أوسع. فقد سبق للقضاء المغربي أن أصدر أحكاماً تضمنت المنع من مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها الحكم الصادر في حق عبد الإله العجوت المعروف بـ«مول الحوت»، حيث قضت المحكمة الابتدائية بمراكش بخمسة أشهر حبساً موقوفة التنفيذ وغرامة مالية، مع منعه من مزاولة أنشطته عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية لمدة خمس سنوات، فضلاً عن إغلاق حساباته وقنواته.
كما برز اسم مي نعيمة البدوية في ملفات قضائية مرتبطة بالمحتوى الرقمي، حيث تضمن أحد الأحكام الصادرة في حقها منعها من نشر أو بث أو إنتاج محتوى رقمي وممارسة أنشطة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لمدة سنة.
وهذه الأحكام تطرح سؤالاً أكبر: هل نحن أمام بداية نهاية مرحلة «الشهرة بأي ثمن»؟
لسنوات، أصبح عدد من الحسابات الرقمية يعتمد على وصفات بسيطة لجذب المشاهدات: الحياة الخاصة، الخلافات العائلية، السب والقذف، الاستفزاز، تصوير الآخرين دون إذن، وإنتاج محتويات صادمة، لأن كل مشاهدة وكل مشاركة يمكن أن تتحول في النهاية إلى مداخيل وإعلانات وشهرة.
وبهذا المعنى، فإن المنع من مواقع التواصل قد يكون أكثر إيلاماً لبعض صناع المحتوى من الغرامة المالية نفسها، لأن المنصة بالنسبة إليهم ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل مصدر للشهرة والدخل والتأثير.
غير أن المسألة تحتاج أيضاً إلى قدر كبير من الدقة. فالقضاء لا يحاكم شخصاً لمجرد أن محتواه «تافه» أو لا يعجب فئة من المجتمع، وإنما يتدخل عندما يرتبط المحتوى بأفعال يمكن أن تشكل جرائم أو مخالفات يعاقب عليها القانون، كالتشهير أو المس بالحياة الخاصة أو التحريض أو غيرها من الأفعال التي تتوافر فيها العناصر القانونية للجريمة.
وهنا تكمن أهمية الأحكام الأخيرة: فهي ترسم، بصورة عملية، حدوداً جديدة أمام صناعة المحتوى الرقمي في المغرب.
فمن كان يعتقد أن عدد المتابعين يمنحه حصانة، أو أن الهاتف والكاميرا يوفران له حماية من المساءلة، يجد أمامه اليوم واقعاً مختلفاً: المتابعة القضائية يمكن أن تصل إلى المنصة نفسها التي صنعت شهرته.
وفي النهاية، قد لا يكون ما يحدث حرباً على «التفاهة» بمعناها العام، بقدر ما هو محاولة لوضع حدود قانونية لصناعة المحتوى عندما تتجاوز منطق الترفيه والرأي إلى الإضرار بالآخرين أو خرق القانون.
والرسالة الأبرز التي تحملها هذه الأحكام لصناع المحتوى واضحة:
عدد المشاهدات لا يمنح حصانة، وعدد المتابعين لا يلغي المسؤولية، ومنصة التواصل الاجتماعي ليست منطقة خارج القانون.
المصدر:
هبة بريس