مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، يعود النقاش حول قدرة الأحزاب السياسية المغربية على تجديد نخبها واستعادة ثقة الناخبين، في ظل تصاعد حضور المرشح المحلي وتراجع تأثير الانتماء الحزبي في عدد من الدوائر. وبينما ما تزال الأحزاب تتوفر على هياكل تنظيمية وقواعد انتخابية، يطرح الواقع الميداني سؤالا جوهريا حول ما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستكرس منطق التصويت للأشخاص والعلاقات المحلية، أم ستعيد الاعتبار للمشروع والبرنامج الحزبي.
ويأتي هذا النقاش في سياق يتسم بضعف انخراط الشباب في العمل السياسي، وتراجع الثقة في الأحزاب، إلى جانب استمرار ظواهر الترحال السياسي وتشابه البرامج الانتخابية، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة هذه الهيئات على أداء أدوارها الدستورية في التأطير وصناعة النخب. وفي هذا الإطار، تتباين القراءات بين من يرى أن الأحزاب تتحمل مسؤولية تراجع حضورها، ومن يعتبر أن قوة المرشح المحلي أصبحت جزءا لا يتجزأ من المعادلة الانتخابية، بما يجعل الاستحقاقات المقبلة اختبارا حقيقيا للتوفيق بين قوة التنظيم الحزبي وقوة الأسماء المتنافسة.
الأحزاب تفشل في تجديد نخبها السياسية
وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي رضوان جخا أن الأحزاب السياسية فشلت فشلا ذريعا في تجديد نخبها السياسية، مبرزا أن التصويت في الانتخابات داخل العديد من الأقاليم أضحى مرتبطا بالدرجة الأولى بالشخص والقبيلة والمنطقة، وليس بلون الحزب الذي يمكن للمرشح أن يغيره دون أن يفقد قاعدته الناخبة التي تصوت له لشخصه لا لانتمائه.
وأوضح المتحدث في تصريح لجريدة “العمق” أن دستور سنة 2011 منح صلاحيات واسعة للأحزاب السياسية باعتبارها من أهم مؤسسات الوساطة وفقا لمنطوق الفصل السابع، إلى جانب الرفع من قيمة الدعم العمومي المقدم لها، وتكفل الدولة بما نسبته خمسة وسبعون بالمائة من مجموع مصاريف الحملات الانتخابية، فضلا عن إقرار تحفيزات أخرى تروم إدماج الشباب والشابات وكذا مغاربة العالم ضمن الدوائر الإقليمية، غير أن هذه الهيئات عجزت رغم كل هذا الدعم والتسهيلات عن استقطاب النخب الجديدة.
وكشف الخبير في الشأن السياسي أن العزوف الواضح للشباب عن المشاركة السياسية يترجم هذا الفشل الحزبي، مبينا أن التمحيص الدقيق لإحصائيات اللوائح الانتخابية النهائية لاستحقاقات الثالث والعشرين من شهر شتنبر المقبل يكشف معطيات تدعو للتأمل العميق، حيث لم تتجاوز نسبة المسجلين في الفئة العمرية ما بين 18 و24 سنة أربعة بالمائة، بينما لم تتعد نسبة تسجيل الفئة التي تتراوح أعمارها بين 25 و34 سنة سقف خمسة عشر بالمائة.
وأشار جخا إلى أن هذه الأرقام والإحصائيات تحمل دلالات كبيرة، أولاها التأكيد على استمرار اتساع الهوة بين الشباب والأحزاب السياسية، وثانيها صعوبة إقناع كتلة شبابية تضم حوالي ثلاثة ملايين شخص بالمشاركة السياسية، وهم شباب بدون تكوين ولا شغل ولم يستكملوا مسارهم الدراسي حسب تقرير صادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وثالثها الحاجة الماسة لإحداث نقلة نوعية وتحول جذري في السياسات العمومية المرتبطة بالشباب عبر تبني مقاربات ابتكارية.
وأضاف المحلل السياسي أن الهيئات الحزبية برمتها تتحمل المسؤولية الكاملة في سيادة منطق التصويت على الأشخاص عوض الأحزاب، مفسرا ذلك بتشابه البرامج الانتخابية التي تكاد تكون مجرد نسخ طبق الأصل يطغى عليها الخطاب العام والفضفاض بدل التدقيق، حيث تكتفي القيادات السياسية بالحديث عن قطاعات التعليم والصحة والشغل والعدالة المجالية، دون تقديم برامج دقيقة وحلول واقعية تنطلق من الخصوصيات الحقيقية لكل جهة.
وتابع المصدر ذاته أن المشهد الحزبي يشهد بداية اندثار تام للأيديولوجية السياسية، وهو ما يتجلى بوضوح في تشكيل حكومات يجتمع فيها اليمين مع اليسار داخل الأغلبية ذاتها، فضلا عن استفحال ظاهرة الميركاتو السياسي والترحال الذي يغيب عنه أي منطق، حيث يتم الانتقال من حزب يساري إلى آخر يميني أو حداثي، أو العكس، دون أدنى حرج، مخلصا إلى أن تضافر كل هذه العوامل يكرس في النهاية تفضيل الناخبين للتصويت على الشخصيات كبديل عن الهيئات الحزبية.
المرشح المحلي يعزز حضوره الانتخابي
من جانبه، أكد المحلل السياسي بوجمعة بيناهو، في تصريح لجريدة العمق، أن الحديث عن مستقبل الأحزاب السياسية في المغرب مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة يقتضي تجاوز ثنائية قوة الحزب مقابل قوة المرشح، مبرزا أن الواقع الانتخابي بات أكثر تعقيدا حيث لا تزال الهيئات السياسية تمتلك قواعد ومناضلين وهياكل تنظيمية، غير أنها لم تعد تتمتع بالضرورة بنفس القوة والامتداد اللذين ميزاها في مراحل سابقة.
وأوضح المتحدث ذاته أن المرشح المحلي أضحى عاملا حاسما في صناعة النتيجة الانتخابية، لا سيما في الدوائر التي تلعب فيها العلاقات الاجتماعية والحضور الميداني والثقة الشخصية، إضافة إلى القدرة على التواصل المباشر مع المواطنين، أدوارا كبيرة ومؤثرة.
وأضاف الخبير السياسي ضمن تصريحه، أن الناخب يصوت في حالات كثيرة لصالح شخص يعرفه ويثق فيه بدرجة تفوق تصويته لبرنامج حزبي أو إيديولوجية سياسية معينة، مستدركا أن هذا المعطى لا يعني فقدان الأحزاب لدورها، بل يفرض عليها الجمع بين التنظيم الحقيقي والبرنامج المقنع والمرشح الذي يحظى بالمصداقية والحضور محليا.
وأشار بيناهو إلى أن الاعتماد الحصري على أسماء المرشحين أو الشبكات الانتخابية الظرفية قد يثمر نتائج انتخابية، إلا أنه لا يؤسس بالضرورة لقاعدة سياسية مستقرة ومستدامة، مسجلا أن تراجع الثقة والعزوف عن المشاركة السياسية يمثلان تحديا يتجاوز مجرد المنافسة بين الأحزاب والمرشحين، ومشددا على ضرورة إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وإقناع الناخب بقدرة صوته على التأثير الفعلي في السياسات العمومية ومستقبل منطقته وبلاده.
وتابع المصدر ذاته أن الانتخابات المقبلة ستشكل اختبارا حقيقيا للأحزاب المغربية لمعرفة مدى نجاحها في استعادة دورها المتمثل في التأطير السياسي وصناعة النخب، وتفادي تحول الاستحقاقات أكثر فأكثر إلى منافسة بين شخصيات وشبكات محلية.
وخلص المحلل السياسي في ختام تصريحه، إلى أن النتيجة ستحسم في المساحة المشتركة بين قوة الحزب وقوة المرشح، مبينا أن الفوز بالمقاعد ليس هو المطلوب الوحيد اليوم، بل إن التحدي الأكبر أمام الأحزاب المغربية في الاستحقاقات القادمة يتجلى أساسا في استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي نفسه.
المصدر:
العمق