وضعت دراسة معيارية حول “أفضل السياسات الشبابية في العالم، مع التركيز على المنطقة العربية” المغرب ضمن الدول المتميزة في مجال السياسات الوطنية للشباب، مستعرضة أبرز التحولات التي عرفتها المملكة في هذا المجال، وفي مقدمتها دسترة قضايا الشباب وإطلاق الإستراتيجية الوطنية المندمجة للشباب 2015-2030.
وأبرزت الدراسة، التي أعدها مركز تريندز للدراسات في أبوظبي لصالح مركز الشباب العربي، أن دستور 2011 شكل محطة أساسية في تطور السياسة الشبابية بالمغرب، بعدما نص على اتخاذ السلطات العمومية التدابير اللازمة لتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ومساعدتهم على الاندماج في الحياة النشيطة والاجتماعية، وتيسير ولوجهم إلى مجالات الثقافة والعلم والتكنولوجيا والفن والرياضة والأنشطة الترفيهية، إلى جانب التنصيص على إنشاء مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي، وأضافت أن هذه التطورات مهدت لإطلاق الإستراتيجية الوطنية المندمجة للشباب 2015-2030، الهادفة إلى تمكين الشباب وتوفير إطار مندمج لمختلف السياسات العمومية الموجهة إليهم.
وفي هذا السياق أشار العمل البحثي إلى تنظيم الحوار الوطني للشباب في شتنبر 2012، بمشاركة 27 ألف شاب وشابة، وذلك في إطار توجه يروم التعامل مع الشباب باعتبارهم طاقة فاعلة في التنمية، وبلورة سياسة تجمع بشكل منسجم مختلف الخدمات الموجهة إليهم.
وتستهدف الإستراتيجية، وفق الدراسة، الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، وهي الفئة التي كانت تمثل حوالي 30 في المائة من مجموع السكان سنة 2015، مع توسيع نطاق الاستفادة ليشمل فئات محرومة من الشباب، بما يسمح بإدماجها اجتماعيا واقتصاديا.
وتهدف الإستراتيجية إلى توفير استثمارات نوعية في الشباب، وتحديد الخطوط العريضة والتوجهات الإستراتيجية لمختلف الفاعلين العموميين في مجال النهوض بالشباب، وضمان تناسق العمل الحكومي الموجه إليهم، واستكمال الإستراتيجيات والمخططات القطاعية ذات الصلة.
وبحسب الوثيقة ذاتها ترتكز الرؤية على خمسة محاور أساسية، تشمل رفع الفرص الاقتصادية المتاحة للشباب وتعزيز قابليتهم للتشغيل، وتطوير ولوجهم إلى الخدمات الأساسية وتحسين جودتها وتقليص الفوارق الجغرافية، وتشجيع مشاركتهم الفاعلة في الحياة الاجتماعية والمدنية وصناعة القرار، وتقوية المقتضيات المؤسساتية المتعلقة بالتواصل والإعلام والتقييم والحوكمة. كما حددت الإستراتيجية 62 إجراء ذا أولوية، مع إيراد ملحق خاص بأفق 2030 تضمن 75 إجراء تكميليا لتنزيل هذه المحاور.
ولم تقتصر المقاربة المغربية، حسب الدراسة، على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، بل شملت أيضا تعزيز مشاركة الشباب في الممارسة السياسية؛ فقد نص القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، وفق الصيغة التي تناولها البحث، على عمل الأحزاب على توسيع وتعميم مشاركة النساء والشباب في التنمية السياسية للبلاد، وعلى تحديد نسبة الشباب الواجب إشراكهم في الأجهزة المسيرة لكل حزب ضمن نظامه الأساسي.
وتوقفت الوثيقة عند تجربة اللائحة الوطنية للشباب، التي خصصت 30 مقعدا للشباب دون سن الأربعين من أصل 395 عضوا بمجلس النواب، قبل إلغائها بموجب تعديلات القانون التنظيمي لمجلس النواب سنة 2021، بعد نقاش بين المؤيدين والمعارضين لاستمرارها.
وعلى المستوى العام يبرز المستند ذاته أن بناء سياسة وطنية فعالة للشباب يتطلب تحديد الفئات المستهدفة بوضوح، واعتماد إستراتيجية تشاركية تتمحور حول الشباب، وتعزيز التعاون بين مختلف الجهات الحكومية، واعتماد نهج متكامل وعابر للقطاعات، فضلا عن التنسيق بين المستويات الوطنية والمحلية والدولية.
كما تدرج الدراسة ضمن المعايير الأساسية اعتماد السياسات على معرفة الاحتياجات الفعلية للشباب، وتخصيص ميزانية كافية ومستدامة، وضمان حوكمة واضحة للسياسة الوطنية للشباب، بما يسمح بتحويل التوجهات العامة إلى برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ والمتابعة.
وتورد الوثيقة كذلك أن مرحلة إعداد السياسة الوطنية للشباب ينبغي أن تليها مرحلة مخصصة لتفعيلها، وأن عملية الصياغة تحتاج إلى تحديد نطاق التغطية والفئات والمجالات المستهدفة، وتوضيح أدوار الحكومة ومنظمات الشباب، وضمان التدريب والتأهيل، والتعاون والتنسيق بين القطاعات والمستويات المختلفة، فضلا عن تحديد الموارد المالية والبشرية والزمنية اللازمة.
وفي المقابل يرصد المصدر ذاته تحديات واجهت عددا من الدول عند الانتقال من صياغة السياسات إلى تنفيذها، من بينها ضعف الهياكل والكوادر العاملة في الوزارات المعنية بالشباب، وهو ما قد يؤثر في تنفيذ البرامج التي تتضمنها السياسات الوطنية.
وتبرز الدراسة، في تقييمها للتجارب الدولية، أهمية إشراك الشباب في صناعة السياسات والقرارات، إلى جانب توفير الظروف المواتية للتمكين، بما يشمل الإرادة السياسية، والوصول إلى المعرفة والمعلومات والمهارات، وتخصيص الموارد الكافية، وتوفير الأطر القانونية والاقتصادية والإدارية الداعمة.
وبذلك تقدم الدراسة التجربة المغربية باعتبارها واحدة من التجارب التي قطعت أشواطا في بناء سياسة وطنية مندمجة للشباب، من خلال الجمع بين الإطار الدستوري والإستراتيجية الوطنية وآليات المشاركة السياسية والمدنية، مع إبراز أهمية الحكامة والتنسيق والموارد والتقييم في ضمان فعالية السياسات الشبابية وتنزيلها.
المصدر:
هسبريس