آخر الأخبار

التغطية الصحية والدعم المباشر يتمددان.. والفوارق المجالية بالمغرب تستدعي معالجة عاجلة

شارك

رصد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقريره السنوي لسنة 2025، استمرار تحديات اقتصادية واجتماعية وهيكلية تعيق تحقيق تنمية أكثر شمولاً، رغم التحسن الذي سجله الاقتصاد الوطني على مستوى عدد من المؤشرات الاقتصادية والمالية.

وأكد المجلس أن أبرز هذه التحديات يتمثل في محدودية قدرة النمو الاقتصادي على خلق فرص الشغل، حيث ما تزال البطالة، خصوصا في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات، من أبرز الإشكالات المطروحة، رغم تراجع معدلها إلى 13 في المائة. كما يبلغ متوسط مدة البحث عن عمل نحو 33 شهرا، في ظل استمرار هشاشة التشغيل وغياب عقود عمل مكتوبة لدى نسبة مهمة من الأجراء.

وسجل التقرير أن تراجع معدل التضخم إلى 0.8 في المائة لم ينعكس على أسعار المواد الأساسية، التي ظلت مرتفعة مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما يواصل الضغط على القدرة الشرائية للأسر. كما رصد اتساع عجز الميزان التجاري نتيجة ارتفاع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، وضعف مساهمة الاستثمار الخاص مقارنة بالاستثمار العمومي، إلى جانب محدودية اندماج المقاولات الصغيرة والمتوسطة في النسيج الاقتصادي.

وأشار المجلس إلى استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية بين جهات المملكة، وتأثر بعض القطاعات التصديرية، وعلى رأسها صناعة السيارات، بتباطؤ الطلب الأوروبي، فضلاً عن الحاجة إلى تسريع إصلاح منظومتي التعليم والتكوين، وتحسين جودة الخدمات الصحية، وضمان استدامة تمويل ورش الحماية الاجتماعية.

مؤشرات اقتصادية إيجابية

ورغم هذه التحديات، سجل التقرير تحسنا في أداء الاقتصاد الوطني خلال سنة 2025، بعدما بلغ معدل النمو 4.9 في المائة، مدعوما بانتعاش النشاط الفلاحي واستمرار إنجاز الأوراش الكبرى.

وأبرز التقرير الأداء القياسي لقطاع السياحة، باستقبال المغرب نحو 19.8 مليون سائح، وارتفاع مداخيل القطاع ليصبح المصدر الأول للعملة الصعبة، إلى جانب ارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 74.3 في المائة، بما يعكس تنامي جاذبية المملكة للاستثمار.

كما سجل المجلس تحسن مؤشرات المالية العمومية، مع تراجع عجز الميزانية إلى 3.5 في المائة، وانخفاض الدين العمومي إلى 66.6 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، فضلاً عن توسع التغطية الصحية لتشمل نحو 88 في المائة من السكان.

ودعا المجلس، في ضوء هذه المعطيات، إلى تسريع خلق فرص الشغل، وتحفيز الاستثمار الخاص، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتعزيز الصناعة الوطنية والرفع من المحتوى المحلي، إلى جانب تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، واستثمار الأوراش الكبرى، وفي مقدمتها الاستعدادات لكأس العالم 2030، لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة.

التحول الديموغرافي والهجرة

وأفرد التقرير حيزا للتحولات الديموغرافية التي يشهدها المغرب، مؤكداً أنها تفرض مراجعة عدد من السياسات العمومية، خاصة في مجال تدبير الهجرة، بعدما انتقلت المملكة تدريجياً من بلد للعبور إلى بلد للاستقرار.

وأظهرت نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تراجع معدل النمو السكاني إلى 0.85 في المائة خلال الفترة 2014-2024، مقابل 1.25 في المائة خلال الفترة السابقة، بالتزامن مع انخفاض معدل الخصوبة إلى 1.97 طفل لكل امرأة، وهو مستوى يقل عن عتبة تجديد الأجيال.

كما سجل التقرير تسارع وتيرة الشيخوخة، مع توقع ارتفاع نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق إلى 19.5 في المائة بحلول سنة 2040، فضلاً عن ارتفاع عدد الأجانب المقيمين بالمغرب إلى أكثر من 148 ألف شخص، بزيادة تناهز 76 في المائة مقارنة بسنة 2014.

واعتبر المجلس أن هذه التحولات تستوجب تحديث المنظومة القانونية والمؤسساتية للهجرة، مبرزا أن مشاريع القوانين المتعلقة بدخول وإقامة الأجانب واللجوء لم تعتمد بعد، في وقت ما يزال فيه القانون 02.03 يشكل المرجع الأساسي رغم تغير السياق.

كما رصد التقرير استمرار صعوبات تواجه المهاجرين، من بينها تسوية أوضاع الإقامة، والولوج إلى سوق الشغل المهيكل، والاعتراف بالمؤهلات، بما ينعكس على إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي.

وفي المقابل، شدد المجلس على أن الهجرة يمكن أن تشكل رافعة للتنمية إذا أحسن تدبيرها، داعيا إلى تحديث الإطار القانوني، وتيسير إدماج المهاجرين في التعليم والتكوين وسوق الشغل، وتعزيز الحكامة والتعاون الإقليمي، خاصة على المستوى الإفريقي.

اختلالات بنيوية في الاقتصاد

وأكد التقرير أن الاقتصاد المغربي، رغم تحسن أدائه، ما يزال يواجه اختلالات بنيوية تحد من قدرته على تحقيق تنمية شاملة ومستدامة، وفي مقدمتها ضعف مردودية الاستثمار على مستوى التشغيل، واستمرار هشاشة النسيج الإنتاجي، واتساع الفوارق المجالية، إلى جانب الوزن الكبير للقطاع غير المهيكل.

وعلى المستوى القطاعي، سجلت الأنشطة غير الفلاحية تباطؤا في النمو إلى 3.9 في المائة، متأثرة بتراجع أداء صناعات السيارات والنسيج والإلكترونيات نتيجة ضعف الطلب الخارجي، في حين واصلت الصناعات الغذائية والطيران والصناعة الصيدلية تحقيق نتائج إيجابية، كما سجل قطاع البناء أداء جيدا بفضل مشاريع البنيات التحتية المرتبطة بالاستعدادات لكأس العالم 2030.

وسجل القطاع الفلاحي نمواً بنسبة 8.2 في المائة، مدعوما بتحسن الموسم الفلاحي وارتفاع إنتاج الحبوب إلى نحو 43 مليون قنطار، رغم استمرار الصعوبات التي يعرفها قطاع تربية الماشية بسبب الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف.

كما نبه التقرير إلى استمرار تفاقم العجز التجاري بنسبة 15.8 في المائة، وارتفاع الاعتماد على استيراد المواد الأولية والمكونات الوسيطة، بما يحد من القيمة المضافة المحلية للصادرات.

وحذر المجلس من الضغوط المحتملة التي قد تفرضها مشاريع الاستثمار الكبرى على المالية العمومية وتمويل القطاع الخاص، معتبراً في المقابل أن مشاريع البنيات التحتية المرتبطة بمونديال 2030 تمثل فرصة استراتيجية لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحسين الربط اللوجستي، واستقطاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية.

قدم اجتماعي وتحديات قائمة

وعلى المستوى الاجتماعي، اعتبر التقرير أن سنة 2025 شهدت تقدما بفضل مواصلة تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، من خلال توسيع الحماية الاجتماعية، وتعزيز التغطية الصحية، وتوسيع الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة إصلاح أنظمة التقاعد، والاستثمار في قطاعي الصحة والتعليم.

وسجل التقرير تحسنا في عدد من المؤشرات، من بينها انخفاض الفقر متعدد الأبعاد وتحسن مؤشر التنمية البشرية، غير أنه أكد استمرار تحديات مرتبطة بالفوارق الاجتماعية والمجالية، وارتفاع البطالة، والخصاص في الموارد البشرية الصحية، والتفاوت في جودة الخدمات العمومية.

وأشار المجلس إلى أن تحسين جودة التعليم والحد من الهدر المدرسي وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل ما تزال من الأولويات، كما دعا إلى مواصلة دعم السكن، وتعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء، وتأهيل الشباب غير المتمدرسين، وتقوية برامج الإدماج المهني.

كما توقف التقرير عند أوضاع الأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة، مشيراً إلى استمرار الجهود لتطوير منظومة الحماية الاجتماعية لفائدتهم، مع التأكيد على ضرورة تسريع تنزيل الإصلاحات لضمان إدماج فعلي لهذه الفئات.

تحديات بيئية متزايدة

وفي الجانب البيئي، أكد التقرير أن المغرب واصل خلال سنة 2025 تعزيز التزامه بمكافحة التغيرات المناخية، من خلال تحديث مساهمته المحددة وطنياً للفترة 2026-2035، الهادفة إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 53 في المائة بحلول سنة 2035.

وأشار إلى تصدر المغرب للدول الإفريقية في مؤشر أداء العمل المناخي لسنة 2025، بفضل التقدم المحرز في مجالات الطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة.

ورغم ذلك، حذر المجلس من استمرار تداعيات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وما يرافقهما من ضغط متزايد على الموارد المائية والإنتاج الفلاحي، داعيا إلى تسريع إجراءات التكيف مع التغيرات المناخية، وتعزيز الاستثمار في مشاريع الطاقات المتجددة والبنيات التحتية البيئية.

هذا، وقدم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مجموعة من التوصيات، شملت تحديث الإطار القانوني للمخزونات الاستراتيجية، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقي، وتقوية آليات الشفافية والمراقبة.

كما دعا إلى الاستثمار في الشباب والكفاءات الرقمية، وتعزيز تكافؤ الفرص والمشاركة المواطنة، وتحسين الولوج إلى التعليم والتكوين والشغل والخدمات الأساسية، مع الحد من الهشاشة والإقصاء الاجتماعي.

وفي المجال البيئي، أوصى بإدماج الوقاية من المخاطر في وثائق التعمير، وتنظيم استغلال الملك العمومي البحري، واعتماد حلول طبيعية لحماية السواحل، إلى جانب تطوير أنظمة الرصد والإنذار المبكر، وتعزيز الحكامة البيئية والتعاون الدولي في مواجهة التغيرات المناخية.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا