قال مصدر حكومي مغربي، الاثنين، إن الأزمة غير المسبوقة التي شهدتها مدينة سبتة خلال الأيام الأخيرة تفرض مراجعة قواعد الشراكة بين المغرب وأوروبا في مجال تدبير الهجرة، مؤكدا أن المملكة “ليست شرطيا ولا حارسا لأوروبا”، وإنما “شريك ذو سيادة ولسنا مناولا”، ومتسائلا عما إذا كان نموذج التعاون الحالي ما يزال ملائما للسياق الجديد.
ويأتي هذا الموقف في وقت لا تزال فيه تداعيات أزمة سبتة تتفاعل، بعدما شهدت المدينة الإسبانية تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين المغاربة، قبل أن تعلن السلطات الإسبانية عودة الغالبية العظمى منهم إلى المغرب، وسط أزمة سياسية وأمنية امتدت تداعياتها إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي وعدد من العواصم الغربية.
وشدد المصدر الحكومي على أن “المغرب يحمي أراضيه، ولا أحد يقوم بذلك نيابة عنه”، مضيفا أنه “يتعين على الجميع تحمل مسؤولياتهم، فالمغرب ليس شرطيا ولا حارسا لأوروبا. نحن نتصرف كشريك موثوق وملتزم، في إطار شراكة واضحة المعالم، لا يمكن أن تكون في اتجاه واحد”، مؤكدا أن قواعد هذه الشراكة “يجب أن يتم تحيينها”.
وأضاف أن المغرب، بعد ما وصفه بـ”غياب الجدية، وغياب النظرة الشاملة إلى الشراكة، بل وحتى الغياب التام لأي إرادة لتمييز الأمور”، توصل إلى “خلاصة واضحة: يجب أن تتغير قواعد التعامل مع الوضع”.
وأعرب المصدر عن أسفه لما اعتبره توظيفا سياسيا للأزمة، قائلا إنه “من المخيب للآمال أن توظف أحداث سبتة لتحقيق مكاسب انتخابية وتصفية حسابات سياسية”، لافتا إلى أنه “عندما كانت الأزمة في أوجها، وفي ظل تغطية إعلامية طغى عليها التهويل والسعي إلى الإثارة، رُصدت أكثر التعليقات تحريضا وأكثر التحليلات شططا”.
وأضاف: “رأينا إلى أي حد كان بعض الفاعلين السياسيين دون مستوى اللحظة التاريخية، وكم كانت ردود أفعالهم مخيبة للآمال”، معربا عن صدمته “ليس فقط بغياب الرؤية، بل بالقصور الاستراتيجي الشديد لدى البعض، والاستغلال السياسي لدى البعض الآخر”.
واعتبر المصدر أن “لا ينبغي الاعتقاد بأن ضخ الأموال يكفي لتسير الأمور من تلقاء نفسها”، مشددا على أن التمويلات “لم تكن يوما الدافع لعمل المغرب”، ومجددا التأكيد على أن المملكة “أكدت مرارا أنه لا وجود لحل أمني صرف لقضية الهجرة”.
وتابع أن ما جرى خلال الأيام الماضية يؤكد صحة هذا الطرح، مشيرا إلى أن “الجميع عاين حركة عودة طوعية تعادل في حجمها حركة التدفق نحو سبتة”، مضيفا أن هذه العودة “هي الدليل القاطع على الحقيقة، المتمثلة في أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس استثمر بشكل مكثف في التنمية السوسيو-اقتصادية للمغرب وللأقاليم الشمالية”.
وأضاف أن الشباب الذين غادروا إلى سبتة “عادوا لأنهم عاينوا عن قرب أن الوضع في المغرب أفضل من (الفردوس الموعود) الذي كانوا يتوهمونه”، موضحا أن “عودتهم كانت بالتالي طوعية؛ حيث تؤكد إسبانيا أن 95 في المائة من الأشخاص غادروا سبتة”، وأن هؤلاء “لم يعودوا بفضل تدخل إسبانيا، بل بناء على قناعتهم الخاصة واختيارهم”.
ويرى المصدر أن ذلك “يعزز مسار المغرب التنموي ووجاهة الخيارات الاستراتيجية التي نفذت تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس”، مشيرا إلى أن المبادرات الملكية في الأقاليم الشمالية أفضت إلى “طفرة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تمثلت في خلق أكثر من 430 ألف فرصة شغل”.
وخلص إلى أن “(الفردوس الموعود) ليس سوى وهم فككه شبابنا بأنفسهم من خلال عودتهم الطوعية، فالرد الأمثل على الهجرة غير النظامية يكمن في تحقيق التنمية”، داعيا أوروبا إلى أن “تكون شريكا معنيا بتنمية المغرب”، وأن تتوقف عن اتخاذ “قرارات وإجراءات تعيق هذه التنمية، ولا سيما الإجراءات التي تؤثر سلبا على الموانئ المغربية، وصناعة السيارات الوطنية، وقطاع المالية، والخدمات، والنقل، وترحيل الخدمات”.
وقال المصدر، خلال لقاء مع عدد من وكالات الأنباء الدولية، بينهما وكالة الأنباء الإسبانية، إن عناصر الأمن المغربية “لم يكن بإمكانها مواجهة الحشود، تفاديا لوقوع أضرار”، معتبرا أن “المقاربة الأمنية محكوم عليها بالفشل إذا لم تقترن بالتنمية وإجراءات الإعادة”.
وتساءل المصدر: “إذا كان هناك 40 ألف شخص، فكم عدد عناصر قوات الأمن الذين ستحتاج إليهم؟”، مبرزا أن المغرب يعبئ نحو 20 ألف عنصر أمني لتأمين ومراقبة الشريط الساحلي، قبل أن يضيف: “كم عدد العناصر التي ينبغي تعبئتها؟”، متسائلا أيضا: “هل يتولى أحد حماية حدودنا الجنوبية أو الشرقية نيابة عنا؟”.
وكشف المصدر أن تدبير الهجرة يكلف المغرب نحو 500 مليون يورو سنويا، في حين لا يتجاوز الدعم الذي يتلقاه من الاتحاد الأوروبي 145 مليون يورو، مؤكدا أن “الأمر لا يتعلق بالمال، بل بالاستراتيجية والرؤية المشتركة”، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”.
وشدد المسؤول المغربي على أن بلاده “لن تكون أبدا شريكا في تدبير الهجرة على أساس المقاربة الأمنية وحدها”، مضيفا أن الهجرة “مسؤولية مشتركة، وعلى كل طرف أن يتحمل مسؤولياته”.
في السياق نفسه، أكد المصدر أن التنسيق بين المغرب وإسبانيا في مجال الهجرة “مثالي”، موضحا أن هذا التعاون مكن من إحباط نحو 160 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال العامين الأخيرين، معتبرا أن “التعاون في مجال الهجرة بين إسبانيا والمغرب قصة نجاح، ويُقدَّم كنموذج يحتذى به”.
كما أشار المصدر إلى أن المغرب كان قد نبه السلطات الإسبانية، قبل اندلاع أزمة سبتة، إلى أن قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في مطلع يوليوز، والقاضي بتقييد عمليات الإرجاع الفوري للمهاجرين الواصلين بحرا، أضعف الجانب الردعي في منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية، وهو ما استغلته، بحسب قوله، شبكات الاتجار بالبشر ووسائل التواصل الاجتماعي لتشجيع تدفقات الهجرة.
المصدر:
العمق