في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أعادت محاولات الهجرة غير النظامية التي شهدتها السواحل المغربية خلال الآونة الأخيرة النقاش حول الأسباب التي تدفع عددا من الشباب إلى المخاطرة بحياتهم وأرواح أفراد أسرهم بحثا عن مستقبل أفضل، في وقت تتباين فيه المواقف بين من يرفض هذه المغامرة الخطيرة ومن يعتبرها نتيجة مباشرة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها جزء من الشباب المغربي.
وأجمع عدد من المواطنين، في تصريحات متفرقة لجريدة “العمق المغربي”، على أن رغبة الإنسان في الهجرة تبقى أمرا طبيعيا كلما شعر بانسداد الآفاق أو ضاقت به سبل العيش، معتبرين أن البحث عن فرص جديدة وتحقيق الذات خارج الوطن حق مشروع، غير أن ذلك ينبغي أن يتم عبر المساطر القانونية وليس من خلال قوارب الهجرة غير النظامية التي تهدد حياة المهاجرين.
وأكد متحدثون أن الهجرة القانونية من أجل الدراسة أو العمل أو اكتساب الخبرة تختلف تماماً عن المغامرة بالأرواح في عرض البحر، مشيرين إلى أن الكثير من الشباب نجحوا في بناء مستقبلهم خارج المغرب بعد حصولهم على تأشيرات أو عقود عمل، بينما انتهت محاولات آخرين بالفشل أو الاعتقال أو حتى الموت غرقاً.
وأضافوا أن الهجرة الجماعية لا يمكن اعتبارها حلاً للأزمة، لأنها تؤدي إلى استنزاف الرأسمال البشري وهجرة الكفاءات التي يحتاجها المغرب للمساهمة في التنمية، كما قد تخلق أزمات إنسانية وتوترات مع دول الاستقبال، وهو ما يجعل معالجة أسباب الظاهرة أكثر أهمية من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
وربط عدد من المواطنين تفاقم الظاهرة بضعف فرص الشغل، وغياب العدالة في توزيع الفرص، وسوء تدبير عدد من القطاعات الحيوية، مؤكدين أن التعليم والصحة يشكلان الركيزتين الأساسيتين لأي مشروع تنموي قادر على منح الشباب الأمل في المستقبل.
وأوضحوا أن الاستثمار الحقيقي في المدرسة العمومية، والرفع من جودة التكوين، وربط التعليم بسوق الشغل، إلى جانب تحسين الخدمات الصحية، كلها عوامل من شأنها أن تمنح الشباب الثقة في مستقبلهم داخل وطنهم، بدل التفكير في الهجرة.
وأشار متحدثون إلى أن أغلب الشباب لا يبحثون عن الثراء السريع، بل يطمحون إلى وظيفة مستقرة، وسكن لائق، وقدرة على تكوين أسرة والعيش بكرامة، معتبرين أن الاستقرار الاجتماعي هو المطلب الأول قبل أي طموحات أخرى.
وأكد أحد المواطنين بالعاصمة الرباط في تصريح لجريدة “العمق المغربي” أن المغرب يتوفر على مؤهلات اقتصادية وبشرية مهمة، إلا أن سوء التدبير وغياب الحكامة الجيدة يحولان دون استفادة الشباب من هذه الإمكانات، مضيفا أن تحسين تدبير الشأن العام كفيل بإعادة الثقة لدى فئات واسعة من الشباب.
وفي المقابل، رأى آخرون أن صورة الهجرة إلى أوروبا تغيرت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد الفرص كما كانت في السابق، في ظل تشديد قوانين الهجرة وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الاندماج في أسواق العمل الأوروبية، مشيرين إلى أن عددا ممن غادروا المغرب عادوا بعد تجربة لم تحقق ما كانوا يطمحون إليه.
وأكد بعض المواطنين بالرباط أن النجاح الذي حققه مهاجرون في سنوات سابقة لا يعكس واقع المرحلة الحالية، معتبرين أن الظروف الدولية تغيرت، وأن الهجرة أصبحت أكثر تعقيدا، ما يجعل المجازفة عبر البحر خيارا بالغ الخطورة.
واستنكر عدد من المواطنين اصطحاب الأطفال الرضع والنساء وكبار السن في رحلات الهجرة غير النظامية، معتبرين أن تعريض هذه الفئات للخطر أمر غير مقبول، وأن الحفاظ على الأرواح يجب أن يكون أولوية مهما بلغت صعوبة الظروف المعيشية.
وفي المقابل، عبّر آخرون عن تفهمهم للدوافع التي تدفع بعض الأسر إلى اتخاذ مثل هذه القرارات، مؤكدين أن البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية تجعل كثيرا من الشباب يشعرون بانسداد الأفق.
وقال متدخلون إن الأجور التي يتقاضاها عدد من العمال لا تتناسب مع متطلبات الحياة اليومية، موضحين أن بعضهم يشتغل لساعات طويلة مقابل رواتب تتراوح بين 2500 و3600 درهم شهرياً، بينما لا يتجاوز دخل آخرين 3400 درهم بعد سنوات من العمل، معتبرين أن هذه المداخيل لا تواكب الارتفاع المتواصل في الأسعار.
وأشار بعض العمال إلى أنهم يضطرون للعمل لساعات إضافية وفي ظروف صعبة لتحسين دخلهم، فيما اعتبر آخرون أن أجرا في حدود 4500 درهم شهريا قد يخفف من رغبة عدد كبير من الشباب في التفكير في الهجرة، لأنه يوفر الحد الأدنى من الاستقرار المادي داخل المغرب.
كما تحدث مواطنون عن شعورهم بوجود تفاوت في الولوج إلى الحقوق والخدمات، معتبرين أن تحسين ظروف العمل، وضمان احترام الحقوق الاجتماعية، وتعزيز الإحساس بالمساواة والكرامة، من شأنه أن يعيد الثقة لدى الشباب ويحد من رغبتهم في مغادرة البلاد.
ورغم اختلاف المواقف، أجمع المتدخلون على أن أغلب الشباب المغاربة لا يرغبون في مغادرة وطنهم بشكل نهائي، بل يسعون إلى تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدين أن الهجرة بالنسبة إلى كثير منهم ليست هدفا في حد ذاتها، وإنما وسيلة للهروب من البطالة وضعف الدخل وانعدام آفاق الاستقرار.
هذا، وجه عدد من المواطنين نداء إلى المسؤولين والبرلمانيين من أجل إطلاق سياسات أكثر فاعلية لفائدة الشباب، تقوم على خلق فرص شغل حقيقية، وتحسين الأجور، ودعم الاستثمار، والارتقاء بمنظومتي التعليم والصحة، بما يضمن للشباب مستقبلا أفضل داخل وطنهم ويحد من استمرار ظاهرة الهجرة غير النظامية التي لا تزال تحصد أرواح العشرات كل عام.
المصدر:
العمق