آخر الأخبار

100 مليار درهم من الشركات.. هل أصبح القطاع الخاص الممول الأول لأوراش الدولة؟

شارك

تجاوزت مداخيل الضريبة على الشركات بالمغرب، خلال سنة 2025، عتبة 100 مليار درهم للمرة الأولى، في رقم يكشف عن تحول في بنية الموارد الجبائية للدولة، ويعيد طرح سؤال سياسي واقتصادي مركزي؛ هل أصبح القطاع الخاص الممول الأول للأوراش الكبرى التي تنفذها الحكومة؟

وبحسب تقرير نشاط المديرية العامة للضرائب، الصادر مطلع يوليوز الماضي، بلغت المداخيل الخام المتأتية من الضريبة على الشركات 100.274 مليار درهم، بارتفاع نسبته 30.6 في المائة مقارنة بسنة 2024، لتشكل وحدها نحو 34 في المائة من إجمالي المداخيل التي تدبرها الإدارة الضريبية.

وبهذا المستوى، تقدمت الضريبة على الشركات على كل من الضريبة على الدخل، التي وفرت حوالي 70.38 مليار درهم، والضريبة على القيمة المضافة المحصلة في الداخل، التي بلغت قرابة 70.89 مليار درهم، فيما ناهزت مداخيل رسوم التسجيل والتنبر 28.76 مليار درهم.

ولا يتعلق الأمر بزيادة عادية في مورد ضريبي من بين موارد أخرى، بل بتحول يجعل أرباح الشركات في صدارة المكونات الفردية للمداخيل التي تجمعها المديرية العامة للضرائب، في وقت تتوسع فيه حاجيات الدولة لتمويل برامج الحماية الاجتماعية وإصلاح الصحة والتعليم ومشاريع الماء والنقل والبنيات الأساسية.

الشركات في صدارة المساهمين

أظهرت معطيات التقرير أن المداخيل الضريبية الخام التي تدبرها المديرية العامة للضرائب قاربت 295 مليار درهم خلال سنة 2025، بارتفاع نسبته 18.9 في المائة، مع تجاوز توقعات قانون المالية بنحو 13.8 في المائة.

وجاءت الضريبة على الشركات في مقدمة هذه الموارد، مستفيدة من ارتفاع الأرباح المصرح بها، وتحسن التحصيل، وتشديد المراقبة، وتوسيع الاعتماد على التصريح والأداء الإلكترونيين.

ويعني تجاوز الضريبة على الشركات حاجز 100 مليار درهم أن المقاولات أصبحت تساهم بصورة مباشرة في توفير جزء كبير من الموارد التي تسمح للدولة بتمويل نفقاتها، والمحافظة على وتيرة الاستثمار العمومي، ومواصلة البرامج الاجتماعية التي انطلقت خلال السنوات الماضية.

غير أن وصف القطاع الخاص بأنه “الممول الأول لأوراش الدولة” يحتاج إلى قدر من التدقيق، لأن الضريبة على الشركات، رغم تصدرها مداخيل الإدارة الضريبية، لا تمثل سوى جزء من موارد الميزانية العامة.

فالدولة تحصل كذلك على الضريبة على الدخل التي يؤدي جزء كبير منها الأجراء والموظفون والمهنيون، وعلى الضريبة على القيمة المضافة التي يتحمل المستهلك كلفتها النهائية عند اقتناء السلع والخدمات، فضلا عن الرسوم الجمركية والضرائب المحلية وعائدات المؤسسات العمومية والاقتراض الداخلي والخارجي.

وبذلك، فإن الشركات أصبحت أكبر مساهم منفرد ضمن الضرائب التي تدبرها المديرية العامة للضرائب، لكنها ليست الممول الوحيد ولا يمكن فصل مساهمتها عن الضرائب التي يؤديها المواطنون والأجراء والمستهلكون.

من يمول الدولة فعليا؟

يؤدي القطاع الخاص مساهمته في تمويل الدولة عبر قنوات متعددة، لا تقتصر على الضريبة المفروضة على أرباح الشركات. فالمقاولات تؤدي الضريبة على الشركات، وتجمع الضريبة على القيمة المضافة لفائدة الخزينة، وتقتطع الضريبة على الدخل من أجور مستخدميها، كما تؤدي رسوما وواجبات مرتبطة بالعقار والتسجيل والاستيراد والاستغلال الاقتصادي.

لكن جزءا من هذه المبالغ لا تتحمله المقاولة اقتصاديا بصورة نهائية، إذ تنتقل كلفة الضريبة على القيمة المضافة إلى المستهلك، بينما تؤدى الضريبة على الدخل من أجور العاملين. لذلك ينبغي التمييز بين الشركة باعتبارها ملزما يؤدي أو يحول الضريبة إلى الخزينة، وبين الجهة التي تتحمل الكلفة الاقتصادية الحقيقية لهذه الضريبة.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الاقتصاد الخاص بمعناه الواسع، أي الشركات والأجراء والمهنيين والمستهلكين، يشكل القاعدة الرئيسية لتمويل ميزانية الدولة. أما القول إن الشركات وحدها تمول الأوراش العمومية، فيبقى استنتاجا غير دقيق.

ولا يعني ارتفاع مساهمة الشركات في الموارد الجبائية أن العلاقة المالية تسير في اتجاه واحد من القطاع الخاص إلى الدولة. فالقطاع الخاص يستفيد بدوره من الاستثمارات العمومية في الطرق والموانئ والمطارات والسكك الحديدية والطاقة والماء والمناطق الصناعية، كما يستفيد من برامج دعم الاستثمار والتحفيزات والإعفاءات الجبائية والعقار العمومي والصفقات التي تطلقها الإدارات والمؤسسات العمومية.

وتتحمل الدولة جزءا من كلفة تهيئة البيئة التي تسمح للمقاولات بالإنتاج والتصدير وجذب التمويلات، فيما تستعيد جزءا من القيمة المضافة التي تحققها هذه المقاولات عبر الضرائب.

ويمكن النظر إلى 100 مليار درهم التي قدمتها الضريبة على الشركات باعتبارها نتيجة لهذا التفاعل: الدولة تستثمر في البنيات الأساسية والاستقرار والمؤسسات، والقطاع الخاص يستثمر ويحقق الأرباح ثم يعيد جزءا منها إلى الخزينة.

غير أن هذه العلاقة تطرح سؤالا حول مدى التوازن بين ما يحصل عليه القطاع الخاص من دعم وتحفيزات، وما يؤديه مقابل ذلك من ضرائب، خصوصا مع استمرار عدد من النفقات الجبائية والإعفاءات الموجهة إلى قطاعات وأنشطة اقتصادية مختلفة.

ولا يمكن تفسير القفزة المسجلة في الضريبة على الشركات بعامل واحد. فارتفاع أرباح عدد من القطاعات والمقاولات ساهم في توسيع الوعاء الخاضع للضريبة، كما لعب تحسن الامتثال والتصريح الإلكتروني دورا في زيادة التحصيل.

وفي الوقت نفسه، كثفت المديرية العامة للضرائب اعتمادها على تحليل المخاطر وربط قواعد البيانات واستهداف الملفات التي تظهر فيها تناقضات بين التصريحات والمعاملات المحاسبية.

وتكشف حصيلة المراقبة والتسويات الضريبية أن الإدارة أصبحت أكثر قدرة على استخلاص موارد إضافية دون الحاجة إلى زيادة عدد عمليات التفتيش التقليدية، من خلال توجيه المراقبة نحو الشركات والملفات ذات الرهانات المالية المرتفعة.

ويعني ذلك أن وصول الضريبة على الشركات إلى 100 مليار درهم يعكس في آن واحد تحسن نشاط وأرباح جزء من النسيج الاقتصادي، وتطور قدرة الدولة على مراقبة الأرباح المصرح بها وتقليص فرص التهرب.

الدولة الاجتماعية تحتاج إلى ممولين دائمين

ويتزامن ارتفاع الموارد الجبائية مع اتساع التزامات الدولة في مجالات الدعم الاجتماعي المباشر والتغطية الصحية وإصلاح المستشفيات والتعليم ومواجهة ندرة المياه وتوسيع البنيات الأساسية.

وتختلف هذه النفقات عن المشاريع الظرفية، لأنها تخلق التزامات مالية سنوية ومتجددة لا يمكن تمويلها بالاعتماد المستمر على موارد استثنائية أو على الاقتراض وحده. ومن هنا تزداد أهمية الضريبة على الشركات باعتبارها موردا داخليا يمكن أن يساعد الدولة على تمويل سياساتها دون رفع المديونية بالمستوى نفسه.

لكن الاعتماد المتزايد على أرباح الشركات يحمل بدوره مخاطر، لأن مداخيل الضريبة على الشركات أكثر ارتباطا بالدورة الاقتصادية من بعض الموارد الأخرى. فإذا تباطأ النمو أو تراجعت الأرباح في القطاعات الكبرى، يمكن أن تتأثر المداخيل بسرعة.

ولهذا لا يكفي تحقيق رقم قياسي في سنة واحدة للحكم بأن الشركات أصبحت مصدرا مستقرا ودائما لتمويل الأوراش العمومية، بل ينبغي متابعة قدرة هذا المورد على الصمود خلال عدة سنوات وفي ظروف اقتصادية مختلفة.

ويثير ارتفاع الضريبة على الشركات سؤالا آخر يتعلق بتوزيع العبء داخل القطاع الخاص نفسه. فالقطاع الخاص ليس كتلة متجانسة، بل يضم مجموعات كبيرة وبنوكا وشركات صناعية ومقاولات متوسطة وصغيرة ومقاولين ذاتيين وتجارا ومهنيين.

وقد لا تتحمل مختلف هذه الفئات العبء نفسه أو تستفيد بالقدر نفسه من التحفيزات والصفقات والبنيات الأساسية. وبالتالي، لا ينبغي قياس العدالة الجبائية فقط بحجم المبلغ الإجمالي الذي تؤديه الشركات، بل أيضا بتوزيع هذا المبلغ بين القطاعات والمقاولات، ومدى ارتباطه بقدرتها الحقيقية على المساهمة.

كما ينبغي الانتباه إلى إمكانية نقل بعض الشركات جزءا من الكلفة الضريبية إلى المستهلك من خلال الأسعار، أو إلى المستخدمين من خلال الأجور، أو إلى الموردين عبر شروط التعاقد والأداء. وهذا ما يجعل تحديد الجهة التي تتحمل الضريبة فعليا أكثر تعقيدا من مجرد قراءة اسم الضريبة أو الجهة التي تحولها إلى الخزينة.

لمن تذهب 100 مليار درهم؟

لا تخصص مداخيل الضريبة على الشركات مباشرة لبرنامج اجتماعي أو مشروع معين، بل تدخل ضمن موارد الميزانية التي تمول مجموع نفقات الدولة. ومع ذلك، يحق للمقاولات والملزمين والمواطنين طرح سؤال حول الأثر الملموس للارتفاع الكبير في الموارد الجبائية على جودة الخدمات العمومية.

فنجاح الدولة في جمع الضرائب لا يقاس فقط بالمبالغ المحصلة، بل بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى مدارس ومستشفيات ونقل عمومي وماء وفرص شغل وبنيات تخدم الاقتصاد والمواطن. وكلما ارتفعت مساهمة الشركات والمواطنين، ارتفعت في المقابل المطالبة بالشفافية والنجاعة وربط الإنفاق بالنتائج.

وتؤكد عائدات الضريبة على الشركات أن القطاع الخاص أصبح ركنا أساسيا في تمويل الدولة، وأن أرباح المقاولات توفر اليوم موردا يفوق ما تجمعه الإدارة بشكل منفرد من الضريبة على الدخل أو الضريبة على القيمة المضافة في الداخل.

لكن وصف الشركات بأنها الممول الأول لأوراش الدولة لا يعكس الصورة الكاملة، لأن الميزانية تعتمد على مزيج واسع من الضرائب والرسوم والمداخيل غير الجبائية والاقتراض، كما أن المستهلكين والأجراء والمهنيين يساهمون بدورهم بحصة كبيرة.

ويكشف تجاوز الضريبة على الشركات عتبة 100 مليار درهم أن العلاقة بين الدولة ورأس المال الخاص دخلت مرحلة جديدة: الدولة تحتاج إلى استثمارات الشركات وأرباحها، والشركات تحتاج إلى البنية الأساسية والاستقرار والسوق التي توفرها الدولة.

أما التحدي، فيتمثل في ضمان ألا تتحول هذه العلاقة إلى معادلة يدفع فيها الفاعلون المنظمون وحدهم كلفة الأوراش، بينما تستفيد أنشطة غير مصرح بها أو قطاعات محمية من السوق دون مساهمة عادلة في تمويلها.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا