قال محمد حمداوي القيادي بجماعة العدل والإحسان إنه لم يعد ممكنا التعامل مع مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة وغيرها من الوجهات، باعتبارها مجرد “محاولات للهجرة السرية”، أو حوادث معزولة تفرضها ظروف فردية، معتبرا أن ما جرى خلال هذه الأيام، ليس سوى عنوان جديد لفشل سياسي واقتصادي واجتماعي يتفاقم عاما بعد عام.
وأكد حمداوي في تدوينة له أن ما يقع ليس أزمة حدود، بل أزمة وطن، مشيرا إلى أن أخطر ما في هذا المشهد ليس عدد الذين غامروا بحياتهم، وإنما أن هؤلاء لم يعودوا يخافون من الموت.
وأضاف “حين يصبح البحر، بما يحمله من غرق ومجهول، أرحم في نظر آلاف الشباب من البقاء في وطنهم، فإن ذلك يعني أن شيئا عميقا قد انكسر في العلاقة بين الدولة ومواطنيها”. معتبرا أنه لا يجوز، أخلاقيا ولا سياسيا، اختزال النقاش في تشديد الحراسة، أو مطاردة الشباب، أو الاكتفاء ببلاغات أمنية، فهذه ليست معالجة للأزمة، بل إدارة لنتائجها.
واعتبر القيادي بالجماعة أن عقودا من الاستبداد السياسي، والفساد البنيوي، ونهب المال العام، والاقتصاد الريعي، واحتكار الثروة، وغياب المؤسسات المنتخبة ذات الصلاحيات والرقابة الحقيقية، وإفراغ الحياة السياسية من مضمونها، أوصلت المغرب إلى هذا الانسداد الخطير. فلم يعد الشباب يرى أمامه أفقا للكرامة، ولا يجد في سوق الشغل عدالة، ولا في الإدارة مساواة، ولا في الانتخابات أملا في التغيير، ولا في المؤسسات من يدافع عن حقوقه.
وتوقف المتحدث على أن المفارقة المؤلمة هي أن هذا يحدث في بلد ليس فقيرا، فهو يمتلك نحو 70% من الاحتياطي العالمي للفوسفاط، ويمتد شريطه الساحلي لأكثر من 3500 كيلومتر، ويزخر بثروة سمكية هائلة، وتتوفر فيه ملايين الهكتارات الصالحة للزراعة، ويحتل مراتب متقدمة في تصدير المنتجات الفلاحية، كما يمتلك ثروات معدنية متنوعة من الذهب و الفضة والكوبالت والزنك والنحاس والمنغنيز وغيرها. وأصبح قطاع السيارات يحقق صادرات تفوق 18 مليار دولار سنويا، إلى جانب نمو صناعات الطيران والطاقات المتجددة.
وتساءل حمداوي “أين تذهب ثمار هذه الثروات؟ وكيف يعقل أن تتضخم مؤشرات الاقتصاد الكلي، بينما تتراجع القدرة الشرائية، وتتفاقم البطالة، ويزداد اليأس، ويختار الشباب البحر بدل الوطن؟ وكيف يمكن إقناع المواطنين بأن المشكلة في قلة الإمكانيات، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الحكامة الرشيدة، وفي تركيز القرار والثروة، وفي ضعف الرقابة والمساءلة، وفي نهب المال العام؟”.
وحذر من أن استمرار هذا المسار لا يهدد فقط الوضع الاجتماعي، بل يهدد استقرار الوطن ومستقبله؛ فالدول لا تقاس فقط بما تملكه من ثروات، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى عدالة، وكرامة، وفرص متكافئة.
واعتبر أنه آن الأوان لوقف هذا النزيف الوطني، والقيام بإصلاح سياسي حقيقي، لا إصلاحات شكلية. وأنه آن الأوان لديمقراطية يكون فيها الشعب صاحب القرار، ولمؤسسات منتخبة تمتلك صلاحيات حقيقية، ولانتخابات تنافسية لا مجرد آلية لإعادة إنتاج الخريطة نفسها، ولحكومة تُحاسَب على أدائها، ولمسؤولين لا تعلوهم أي حصانة أمام القانون.
وأكد أن الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات المطمئنة، بل إلى شجاعة الاعتراف بأن النموذج القائم بلغ إفلاسه، وأن استمرار السياسات نفسها لن ينتج إلا مزيدا من اليأس والهجرة والاحتقان، مبرزا أن إنقاذ المغرب يبدأ من إعادة الاعتبار للحرية، والكرامة، والعدالة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإطلاق إرادة الشعب في اختيار من يحكمه ومحاسبته. فالأوطان لا تبنى بالقمع ولا بالخوف، وإنما تبنى بالعدل، وبالثقة، وبالإرادة الشعبية الحرة.
وخلص حمداوي في تدوينته إلى التحذير من أن استمرار البلاد في الاكتفاء بتدبير الأزمات الأمنية، بينما تترك أسبابها العميقة دون علاج، فإن أمواج البحر ستواصل حمل الرسالة نفسها، وستبقى قوارب الهجرة تصدر كل يوم حكما قاسيا على واقع لم يعد يحتمل التأجيل، ويتجه نحو المجهول.
المصدر:
لكم