تشكل الذكرى السابعة والعشرون لتولي الملك محمد السادس عرش المملكة المغربية محطة استثنائية وبارزة لتقييم ومراجعة للحصيلة الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، ورصد التحولات الهيكلية التي شهدها الاقتصاد الوطني منذ عام 1999 وصولا إلى عام 2026.
وأجمعت قراءات باحثين وأكاديميين اقتصاديين، استقتها جريدة هسبريس الإلكترونية، على انتقال المغرب خلال هذه العقود من “نموذج نمو تقليدي” إلى “مرحلة الدينامية الماكرو-اقتصادية المتقدمة”؛ معدِّدينَ إطلاق استراتيجيات قطاعية طموحة، وتحديث البنيات التحتية، وتعزيز الاندماج القاري، بالتوازي مع تعزيز ورش الدولة الاجتماعية وتقليص معدلات الفقر وتطوير مؤشرات التنمية البشرية بشكل ملموس.
وعلى الرغم من الطفرة التنموية التي حققتها المملكة على مختلف الأصعدة والتوقعات المشجعة للنمو الاقتصادي في أفق استضافة كأس العالم “مونديال 2030″، فإن المسار الاقتصادي يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية والظرفية المشتركة. وتتداخل في هذا السياق الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى المتمثلة في سياسات الدولة المستدامة، مع ضرورة مواجهة الضربات الخارجية المتتالية كالجفاف والأزمات الجيوستراتيجية العالمية؛ مما يستدعي العمل المستمر على رفع الإنتاجية وإصلاح منظومة التعليم والتكوين وهيكلة سوق الشغل للارتقاء بالتنافسية الشاملة.
رشيد ساري، المحلل الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، قال إن عهد الملك محمد السادس يمثل “بامتياز عهد الاستراتيجيات الكبرى المتكاملة التي شملت مجالات حيوية متعددة”؛ فقد أرست المملكة سياسات موانئ ممتدة لأفق 2030، إلى جانب استراتيجيات صناعية متتالية امتدت من 2014 إلى 2020، مما وضع المغرب في صدارة الدول الصناعية إفريقيا، ولا سيما في صناعة السيارات والصناعات التحويلية.
كما شهدت الصناعات الاستخراجية، وفق ساري، “طفرة في آليات العمل”، وعلى رأسها الفوسفاط عبر تأسيس مجموعة “OCP إفريقيا”، التي ساهمت في إمداد القارة بالأسمدة وإنشاء مصانع شريكة في دول مثل إثيوبيا ونيجيريا وكوت ديفوار.
وعلى الجانب الماكرو-اقتصادي والاجتماعي، أشار ساري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى “الارتفاع الكبير للناتج المحلي الإجمالي، وتراجع معدلات الفقر من أكثر من 16 في المائة في بداية العقد إلى نحو 2.8 في المائة حاليا”.
وفي تقديره، اقترن هذا التحول بتأسيس ورش الحماية الاجتماعية وإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمراحلها الثلاث لتطوير الجانب السوسيو-اقتصادي. وفي مجال التنمية المستدامة، أشار إلى المخطط المائي 2020-2027 المتضمن لبناء السدود استمرارا لسياسة الملك الراحل الحسن الثاني، إضافة إلى تحلية مياه البحر ومشروع الطريق السيار المائي. كما سلط الضوء على البعد الإفريقي القائم على “المبادرة الأطلسية” ومشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي المنخرط فيه 13 دولة ومجموعة “إيكواس”، معتبرا أن مكانة المغرب بوصفه ثاني مستثمر في القارة “تعكس ثقة الشركاء واستعداد المملكة لنقل خبراتها في البنية التحتية والخدمات”.
واختتم ساري بالإشارة إلى “توقعات النمو الواعدة في أفق 2026 بتجاوز 5 في المائة وفق تقديرات المندوبية السامية للتخطيط والحكومة (5.2 في المائة)، مع إمكانية تجاوز 6 في المائة بحلول عام 2030 انسجاما مع النموذج التنموي الجديد وزخم تنظيم “المونديال”.
وأكد المصرح عينه أن توقعات صندوق النقد الدولي تتجه نحو تجاوز الناتج المحلي الإجمالي حاجز 200 مليار دولار بحلول عام 2029، بزيادة تقدر بين 30 في المائة و50 في المائة مقارنة بالوضع الحالي. وشدد على أن هذه الدينامية تعكس سياسات دولة ممتدة كمخطط المعادن 2050، والمخطط التنموي للأقاليم الجنوبية الذي أطلقه الملك بمدينة العيون في نونبر 2015 وارتفعت ميزانيته المرصودة من 77 مليار درهم إلى أزيد من 100 مليار درهم.
من جهته، أكد عبد الخالق التهامي، الخبير الاقتصادي والأستاذ الباحث بكلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، أن تقييم الفترة الممتدة من سنة 1999 إلى 2026 يظهر “تحول الاقتصاد المغربي من مستوى نمو إلى مستوى مغاير تماما”.
وقال التهامي معلقا لجريدة هسبريس الإلكترونية، بالمناسبة: “يبرز الفرق جليا لمَن يقارن بين وضع المملكة سنة 2000 والوضع الحالي. وشمل هذا التحسن كافة المؤشرات الماكرو-اقتصادية، ومؤشرات التنمية البشرية، وهيكل الإنتاج والتصدير الوطني”.
منتقلا إلى تفكيك أداء النمو، أوضح الخبير الاقتصادي وجود “عوامل داخلية إيجابية تمثلت في القفزة النوعية للقطاع الصناعي، مقابل تأثر قطاعات أخرى بعوامل خارجية قاهرة، وخاصة توالي سنوات الجفاف خلال الـ26 سنة الماضية التي أثرت سلبا على القطاع الفلاحي ونسب النمو الإجمالية لكون الاقتصاد مرتبطا بالفلاحة بشكل مباشر أو غير مباشر”.
وأضاف المصرح نفسه أنه بالنظر إلى الضربات المتتالية الناتجة عن جائحة “كوفيد-19” والحروب والأزمات الجيوستراتيجية، “يبدو من الصعب تحقيق كافة مستهدفات النموذج التنموي الجديد في أفق 2035 كما صيغت أول مرة”، لافتا إلى أن “الحفاظ على التفاؤل ضروريٌ بشكل لافت بالنظر إلى المؤشرات الإيجابية القائمة”.
وشدد أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والحكامة على أن “الاقتصاد الوطني يواجه تحديات حقيقية تستوجب المواجهة بحزم في العشرية المقبلة للوصول إلى عام 2035 في أفضل حال”؛ وفي مقدمتها، بحسبه، “رفع المردودية والإنتاجية للقدرة على المنافسة الشديدة في الأسواق العالمية”.
كما دعا الخبير إلى “إعادة نظر جذرية في منظومة التعليم بكافة مستوياتها؛ لتجاوز ضعف الأداء الحالي، وتفادي التدابير الحكومية السطحية التي لا تعالج العمق في العلاقة بين التعليم وسوق الشغل”.
وأكد التهامي أن “رفع إنتاجية القطاعات الضعيفة سيعزز تنافسية السلع المغربية ويَكفُل كسْب حصص سوقية جديدة في الأسواق العالمية خارج قطاع الطيران وقطاع السيارات اللذين يحققان أداء ممتازا ضمن بنية الصادرات المغربية، استعدادا للاستحقاقات الكبرى؛ وفي مقدمتها كأس العالم 2030”.
المصدر:
هسبريس