في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتوقف إحدى العاملات للحظات أمام آلة الغزل، قبل أن تمرر بين يديها صوفا كان، إلى وقت قريب، يُهمل بعد موسم الجز أو يُباع بأبخس الأثمان. داخل ورشة شُيدت من الطين والحجر، في قلب وادي أيت بوكماز المعروف بـ”الوادي السعيد” بإقليم أزيلال، على ارتفاع يزيد عن ألفي متر عن سطح البحر، تبدأ رحلة هذا المورد الطبيعي ليتحول إلى خيوط تشق طريقها نحو الأسواق.
هنا، حيث تلتقي قمم الأطلس الكبير بالحقول الخضراء، اختار إبراهيم المنصوري، أحد أبناء المنطقة، أن يفتح صفحة جديدة في تاريخ الحرفة التقليدية، عنوانها إعادة الاعتبار لمورد طبيعي ظل لسنوات مهملا.
رؤية تبحث عن المنبع
فبينما تمتلك المناطق الجبلية ثروة حيوانية هامة، ظل الصوف المحلي تُعامل كمادة ثانوية هامشية، يُلقى بها جانبا بعد كل موسم جزّ، أو يباع بأبخس الأثمان لغياب الرؤية التي تُعطيها قيمتها الحقيقية.
ومن رحم هذا الإهمال، قرر إبراهيم المنصوري بالتعاون مع تعاونية “أنو” تنفيذ مشروع بيئي في “الوادي السعيد”، يهدف إلى إعادة الاعتبار لصوف الجبل ويمنح المرأة القروية فرص عمل مستدامة، عبر تشييد ورشة نموذجية لتحويل الصوف بمواصفات إيكولوجية عالية.
يحكي إبراهيم وهو يتنقل بين آلات حديثة مستوردة، في تصريح لجريدة “العمق”: “استقر رأينا على أيت بوكماز لنمنح المنطقة بصمتها الخاصة في إنتاج الصوف الطبيعي الخالص. كان رهاننا منذ البداية هو حماية البيئة وصيانة الثروة المائية، فهما شرطان لا غنى عنهما لاستدامة أي مشروع قروي”.
طين.. طاقة شمسية.. وصفر كربون
من يزور قرية أيت بوكماز اليوم يدرك أن الهندسة المعمارية ليست مجرد أحجار متراصة، بل هي موقف حقيقي من الطبيعة. وسط هذا المجال الجبلي الساحر، تقف الورشة التي يسيرها إبراهيم المنصوري كشاهد على إمكانية المصالحة بين المعمار والتنمية، جدران من “التابوت” المحلي، وخشب، وأحجار، ونوافذ صُممت لتسمح بمرور ضوء النهار كاملا وتوفر الطاقة دون الحاجة للاعتماد الكلي على شبكات الكهرباء التقليدية.
وانسجاما مع رؤيته القائمة على الاستثمار المستدام واحترام البيئة، اعتمد إبراهيم على الطاقة الشمسية لتزويد ورشته بحاجتها من الكهرباء، في خطوة تهدف إلى تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية والحد من البصمة الكربونية للمنتج. ولم يتوقف هذا الخيار عند حدود المشروع، بل حرص أيضا على تمكين عدد من السكان المجاورين للورشة من الاستفادة من الطاقة الشمسية، وتشجيعهم على اعتمادها، حتى تكون سلسلة إنتاج الصوف أكثر انسجاما مع البيئة، ويصل المنتج النهائي إلى الأسواق بأقل أثر بيئي ممكن.
وقبل أن تصل خيوط الصوف إلى “أنوال” النسيج في هذا المصنع الفريد، كان على إبراهيم أن يعالج المشكلة من جذورها. ففي السابق، كان الرعاة في الجبال يربون الماشية من أجل لحومها فقط، بينما يُهمل الصوف أو يرمى لعدم درايتهم بقيمته.
وفي هذا الصدد، يوضح المنصوري قائلا: “نعمل جنبا إلى جنب مع الرعاة الرحل لندربهم على الطرق السليمة لجز الصوف وتطوير جودته. فالمعتاد في المنطقة كان تربية الماشية بغرض الاستفادة من لحومها فقط، في حين يلقى الصوف في الهامش. ونسعى اليوم لتغيير هذه العقلية، حتى يتمكن الرعاة من بيعه بسعر معقول وتحقيق عائد مالي حقيقي بدل إهداره أو التخلص منه”.
ابتكار إيكولوجي في خدمة الحرفة
لكن التحدي لم يتوقف عند جمع الصوف، بل امتد إلى كيفية تنظيفه دون المساس بطبيعته. وردا على المنظفات الكيميائية المتوفرة في الأسواق، والتي تلوث المياه وتفقد شعيرات الصوف جودتها، ابتكر إبراهيم حلولا ذاتية نابعة من بيئته.
يحكي المنصوري عن هذه الخطوة البيئية المبتكرة باعتزاز قائلا “ابتكرنا صابونا نباتيا طبيعيا بنسبة مئة بالمئة لغسل الصوف بماء المنطقة دون الحاجة لإضافة أي مركبات كيميائية. ولم نتوقف عند هذا الحد، بل طوّرنا تركيبته لتشمل استخدامات متعددة، وبدأنا بتزويد دور الضيافة والفنادق بها هنا في أيت بوكماز، وكذا بمراكش والصويرة، تشجيعا على الحد من الأكياس البلاستيكية والمواد الضارة بالصحة والبيئة”.
داخل هذا المبنى الطيني المضيء، تقف أكثر من ست آلات متطورة، تحمّل فيها إبراهيم عناء التنقل للاستيراد من الخارج وما تطلبته العملية من مساطر قانونية وإجراءات معقدة. آلات جاءت لتثمين المنتج، لكن العصب الحقيقي يظل في العنصر البشري، إذ يخضع الصوف داخل الورشة لست أو سبع مراحل دقيقة بأيدي نساء المنطقة، بدءا من الفرز، مرورا بالغسيل والتجفيف، وصولا إلى الغزل الأول والثاني وتجهيز كرات الخيوط المخصصة للزرابي والألبسة وأعمال “الكروشي”.
لا تقتصر هذه الورشة على كونها منشأة لإنتاج الخيوط، بل تشكل أيضا مركزا توعويا يقدم دليلا ملموسا لساكنة الجبل على أن الاستثمار في الموارد المحلية هو السبيل للحفاظ على الطابع السياحي والإيكولوجي للمنطقة.
الصوف في خدمة الماء والطاقة
وبقدر ما يحمل إبراهيم هم الصوف، يحمل أيضا هم الماء، معتبرا أن مستقبل أيت بوكماز مرتبط بحسن تدبير هذه الثروة الحيوية. لذلك يعمل، إلى جانب عدد من الفلاحين، على نشر تقنيات الري بالتنقيط، كما يشجع على استعمال بقايا الصوف كغطاء عازل حول الأشجار للحفاظ على رطوبة التربة وتقليص استهلاك المياه.
ومشددا على أن معركة المياه في المنطقة تتطلب أفكارا ملموسة تُقنع الساكنة، يتابع إبراهيم حديثه قائلا: “السقي العشوائي يتسبب في هدر كميات ضخمة من المياه بالوادي. وفق حساباتنا، يمكننا تخفيض هذا الهدر بنسبة 70% إذا اعتمدنا نظام السقي بالتنقيط، بل ويمكننا تقليص ذلك أكثر باستخدام الصوف أو التبن كعازل يحفظ الرطوبة حول الأشجار”.
من الجبل إلى الأسواق العالمية
بعد تطوير جودة المنتج والارتقاء بمراحل إنتاجه، يتجه إبراهيم اليوم إلى توسيع دائرة تسويق الخيوط خارج السوق الوطنية، مستفيدا من الإقبال المتزايد على المنتجات الطبيعية والصناعة التقليدية المغربية، في خطوة تهدف إلى فتح منافذ جديدة أمام المنتج والوصول به إلى أسواق دولية، مع الحفاظ على ارتباطه بالحرفيين المحليين وضمان استفادتهم المباشرة من هذه الدينامية التجارية.
يقول ابراهيم في هذا الصدد “بدأنا بالفعل في تلقي طلبيات من خارج المغرب، لا سيما من دول أفريقية مثل بوركينا فاسو، كما أبرمنا شراكات مع متاجر متخصصة في العاصمة البريطانية لندن لتزويدها بخيوطنا”.
مشددا على أنه يفضل التعامل مع الجهات التي تقدر الجودة العالية لمنتجه ولا تسعى لاستغلال الصانع التقليدي، “فالهدف الأساسي لنموذج عملنا كان وسيبقى دائماً هو القطع مع كثرة الوسطاء وضمان عائد عادل ومستحق للحرفي”، يضيف إبراهيم.
من جهة أخرى، يعتبر إبراهيم أن المشروع ما يزال في بدايته، إذ لم يبلغ بعد كامل طاقته الإنتاجية، غير أن التجارب الأولى عززت قناعته بأن التنمية تبدأ من التفاصيل الصغيرة، وأن الاستثمار في الإنسان والطبيعة معا هو الطريق الوحيد لبناء اقتصاد محلي قادر على الصمود والاستمرار.
خيوط تنسج مستقبل التنمية القروية
في أيت بوكماز، لا ينسج إبراهيم المنصوري خيوط الصوف فقط، بل ينسج تصورا مختلفا للتنمية، تصورا يجعل من الرعي والحرفة والبيئة حلقات متكاملة في سلسلة واحدة، ويثبت أن قرية جبلية صغيرة تستطيع، حين تؤمن بمواردها، أن تقدم للعالم نموذجا مغربيا أصيلا يجمع بين التراث والابتكار والاستدامة.
استطاع هذا الشاب نسج حكاية أثبت أن القرى المغربية لا تحتاج إلى استيراد حلول خارجية جاهزة، بل تحتاج إلى الثقة في طاقاتها والاستثمار العقلاني في مواردها المحيطة. ففي “الوادي السعيد”، لم يعد الصوف مجرد ثروة مهملة، بل أصبح خيطا ذهبيا يربط الأرض بالحرفي، والبيئة بالتنمية، والجبل وسكان الجبل بالأسواق العالمية.
المصدر:
العمق