تراهن دولة أذربيجان على الاستفادة من موقع المغرب الجغرافي المتميز وثقله السياسي والاقتصادي في القارة الإفريقية لتوسيع حضورها الدولي وتعزيز شراكاتها الاستراتيجية، وذلك في إطار رؤية مشتركة تقوم على الاحترام المتبادل والدعم المبدئي للسيادة والوحدة الترابية للمملكة، والسعي نحو تعزيز التعاون في قطاعات عدة، مع التحضير لإطلاق اتفاقيات تهم مجالي الطاقة والاستثمار، والتركيز على الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه البلاد في تعزيز سلاسل التموين العالمية عبر “الممر الأوسط” الذي تدفع به باكو بقوة.
في هذا الصدد، أكد ناظم صمدوف، سفير باكو لدى الرباط، في حوار مطول مع منصة “وانيوز” الأذربيجانية، أن “العلاقات السياسية بين أذربيجان والمغرب تمر بمستوى رفيع وتتطور بشكل ديناميكي. وهي قائمة على رؤية استراتيجية واضحة للتعاون بين قائدي البلدين؛ الرئيس إلهام علييف والعاهل المغربي الملك محمد السادس، فضلا عن الاحترام المتبادل، والثقة، والدعم المبدئي لسيادة كلا البلدين ووحدة أراضيهما”، مؤكدا أن “هذا الأساس يتيح لنا التفاعل بفعالية على المستوى الثنائي وفي المحافل الدولية، مثل الأمم المتحدة، ومنظمة التعاون الإسلامي، وغيرها من المنظمات”.
وأضاف صمدوف أن “هذا التقدم تجلى بوضوح خاص في السنوات الأخيرة؛ ففي عام 2023، عُقدت الدورة الثانية للجنة المشتركة بين الحكومات في الرباط، التي تُوجت بتوقيع 8 اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات اللوجستيات، والطاقة، والبيئة، والتنمية المستدامة، وقوانين العمل، والرعاية الصحية، وغيرها. وفي نونبر من العام 2024، زار رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، أذربيجان لأول مرة للمشاركة في مؤتمر “COP29″. وفي ماي 2025، شكلت زيارة صاحبة السمو الملكي الأميرة لالة حسناء إلى باكو حدثا بارزا، حيث جرى بحث قضايا التعاون الثقافي والتعليمي”.
وأشار الدبلوماسي ذاته إلى أن “الحوار بين البلدين منتظم ومثمر، ويشمل تبادل الزيارات على مستوى الوزارات، وعمل السفارات، والمشاورات بشأن القضايا الإقليمية والعالمية”، مؤكدا أن “أذربيجان تثمن عاليا موقف المغرب من قضاياها المبدئية، كما تدعم بثبات الوحدة الترابية للمملكة المغربية”.
وتفاعلا مع سؤال حول مجالات التعاون الأكثر قابلية للتطور بين البلدين، أوضح صمدوف أن “الأمر يشمل قطاع الطاقة، بما في ذلك الطاقة التقليدية والمتجددة، والتجارة والاستثمار، والنقل واللوجستيات، بالإضافة إلى الزراعة، والسياحة، والمجال الثقافي والإنساني. ولدينا بالفعل قاعدة اتفاقيات للتعاون في قطاع النفط والغاز، وتلوح في الأفق آفاق جديدة في مجال الطاقة الخضراء. كما نعمل حاليا على اتفاقية للتشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات؛ فالتبادل التجاري لا يزال متواضعا حاليا، لكنه يمتلك إمكانات نمو كبيرة بفضل الآليات الجديدة واهتمام قطاع الأعمال في كلا البلدين”.
وأفاد بأن “أذربيجان تعمل بنشاط على تطوير ‘الممر الأوسط’، أي ممر النقل الدولي عبر بحر قزوين، الذي يشهد حركة شحن تتضاعف بشكل سنوي، وبالتالي يمكن للمغرب، بما يملكه من موانئ حديثة وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، أن يصبح حلقة وصل رئيسية في سلاسل اللوجستيات العالمية، حيث تمثل أذربيجان جسرا موثوقا بين أوروبا وآسيا”.
وأوضح أن الإلغاء المتبادل للتأشيرات بين البلدين من شأنه أن “يفتح الأبواب للترويج المشترك للمنتجات السياحية، والرحلات الجوية المباشرة، والاستثمار في البنية التحتية السياحية. ونحن نلمس بالفعل اهتماما من جانب الشركات السياحية؛ ففي عام 2025، أدرجت أكثر من 40 شركة سياحة مغربية حزما سياحية إلى أذربيجان ضمن عروضها، ونتوقع نموا كبيرا في الزيارات المتبادلة خلال السنوات القادمة، خاصة وأن هذا المسار ليس مجديا اقتصاديا فحسب، بل يساهم أيضا في تعزيز الروابط الثقافية والإنسانية بين شعبينا”.
وحول الأدوار المغربية المتوقعة في توسيع حضور أذربيجان في القارة الإفريقية، أكد الدبلوماسي ذاته أن “المغرب يلعب دورا أكثر أهمية كجسر وبوابة لأذربيجان إلى أفريقيا؛ إذ تتمتع المملكة بثقل سياسي كبير، وشبكة علاقات متطورة في غرب وشمال إفريقيا، وسياسة استثمارية نشطة، ومواقف قوية في عمليات التكامل الإفريقي”، مشيرا إلى أن “أذربيجان تعمل بشكل مستمر على تعزيز حضورها في القارة، ويمكن للمغرب أن يدعم هذه العملية من خلال الدعم السياسي، وبناء العلاقات بين قطاعات الأعمال، وتبادل الخبرات في تنفيذ مشاريع البنية التحتية والمشاريع الاجتماعية، فضلا عن المبادرات المشتركة في دول ثالثة”.
وتابع بأن “المغرب يحتل مكانة هامة ومستحقة في استراتيجية أذربيجان لتطوير العلاقات مع دول الجنوب العالمي. ونحن نتشارك الرؤية ذاتها نحو نظام عالمي أكثر عدلا وتعددية، ونعطي الأولوية للتنمية المستدامة، والأمن الغذائي وموارد الطاقة، والعدالة المناخية؛ وهي قضايا روجت لها أذربيجان بنشاط خلال فترة رئاستها لحركة عدم الانحياز وفي مؤتمر COP29”.
وزاد شارحا: “المغرب، باعتباره جسرا بين أفريقيا والعالم العربي وأوروبا، يفتح لباكو فرصا إضافية، مثل الوصول إلى الأسواق الإفريقية والمشاريع الاستثمارية، والمشاركة في المبادرات الإقليمية، والعمل المشترك للتكيف مع التغير المناخي وتطوير الاقتصاد الأخضر. وتشمل الفرص الجديدة تنفيذ مشاريع مشتركة في دول ثالثة، وإنشاء منصات استثمارية، وتبادل التكنولوجيا وأفضل الممارسات، فضلا عن تعميق الدبلوماسية الثقافية والتعليمية”.
في سياق آخر، أفاد صمدوف بأن “قطاع الأعمال المغربي يبدي اهتماما واضحا بمسارات بديلة موثوقة وسريعة وآمنة للتجارة مع آسيا الوسطى، والصين، والشرق عموما. حيث يقلل ‘الممر الأوسط’ من المخاطر ومدة الشحن مقارنة بالطرق التقليدية. وعليه، يمكن للمغرب، بموانئه من الدرجة الأولى، أن يتكامل مع هذه السلاسل من خلال حلول النقل متعدد الوسائط”، داعيا الشركات المغربية إلى “استخدام إمكانات هذا الممر بنشاط، والمشاركة في المشاريع اللوجستية المشتركة، والاستثمار في البنية التحتية والمنصات الرقمية”.
وشدد سفير باكو في الرباط على أن “المغرب لطالما دعم باستمرار مبدأ الوحدة الترابية لأذربيجان. وبعد الاستعادة الكاملة للوحدة الترابية وسيادة أذربيجان وعملية السلام اللاحقة، يشيد الشركاء المغاربة بعزيمة بلادنا في الدفاع عن حقوقها المشروعة، فضلا عن حجم وسرعة أعمال إعادة الإعمار. وتتركز الأسئلة اليوم في الغالب حول الجانب العملي، أي سير تنفيذ إعادة إعمار الأراضي المحررة وإزالة الألغام، وعودة النازحين، وخلق فرص اقتصادية جديدة وإمكانات السياحة في المنطقة. كما يهتم بعملية تطبيع العلاقات مع أرمينيا ودور المجتمع الدولي في دعم إعادة الإعمار لفترة ما بعد الصراع”.
المصدر:
هسبريس