يشكل توقيع المملكة المغربية على الإطار القانوني المؤطر لمختلف الجوانب التقنية والعملياتية لمشاركتها في قوة الاستقرار الدولية في غزة إعلانا من الرباط عن تحويل التزامها التاريخي، سياسيا ودبلوماسيا، إلى فعل عملي وحضور ميداني يجعل منها شريكة في حل قضية أصعب بقعة جغرافية على الأرض، واضعة نفسها في موقع المتقدم على بعض الدول والأنظمة التي ما زالت تراهن على الخطابات الرنانة والتنديدات المتكررة التي لم تغيّر شيئا في واقع الفلسطينيين.
الاتفاق، الذي جرى توقيعه إثر زيارة وفد يقوده نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، اليوم الأربعاء إلى المغرب، وقبلها إرسال أطر مغربية إلى مقر قوة الاستقرار الدولية جنوبي إسرائيل في إطار مباحثات المرحلة الثانية من خطة ترامب لوقف إطلاق النار، إلى جانب تقديم المساهمات المالية لـ”مجلس السلام” كلها خطوات تستند إلى شرعية ذاتية راكمتها المملكة المغربية عبر عقود من العمل المتوازن والثابت في الملف الفلسطيني، بشهادة مسؤولين فلسطينيين أنفسهم.
ولا يمكن فهم حقيقة كون المغرب من أوائل المساهمين ماليا في مجلس السلام في غزة، وتوقيعه لأول إطار قانوني للمشاركة في قوة دعم الاستقرار، بمعزل عن الرصيد التراكمي الذي تملكه الدبلوماسية المغربية في الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أساس حل الدولتين وحدود الرابع من يونيو من عام 1967، وعن الجهود الإنسانية التي قادتها البلاد، تحت قيادة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، في زمن السلم والحرب، على غرار نجاحه في فتح ممرات إنسانية غير مسبوقة وتنسيق عمليات إغاثة استثنائية لفائدة المدنيين في غزة خلال الحرب الأخيرة.
وفي خضم النقاشات الدائرة حول التدخلات الدولية في مناطق الصراع، تستمد المشاركة المغربية في قوة الاستقرار في غزة قوتها من شرعية دولية واضحة وأطر قانونية تحكم نطاق هذه المشاركة وحدود مسؤوليتها، انطلاقا من التزام متعدد الأطراف بإنهاء حالة الحرب في المنطقة، وإيمان مغربي بأن الاستقرار الأمني شرط أساسي لأي حل سياسي، وأن غياب الأمن والتنظيم يقوض من فعالية الجهود الإنسانية والتنموية.
في هذا السياق، لا يمكن اختزال طبيعة هذه المشاركة المغربية في قالب “الاحتلال الجديد” أو ممارسة الوصاية على الفلسطينيين؛ ذلك أن هذا الطرح يصطدم بحقيقة ميدانية لا تقبل التأويل، فالمغرب لم يرسل كتيبة عسكرية إلى غزة بفرض إرادة سياسية معينة، بل أرسل خبراء لتدريب جهاز الشرطة الفلسطينية الجديد والمساهمة في عودة النازحين وتأمين عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار؛ وهو ما سبق أن أكده ناصر بوريطة، وزير الخارجية، الذي عبر عن تعهد الرباط بنشر قوات من أفراد الشرطة المغربية لتولي مهام تدريب القوات في غزة.
وبمثل هذه الخطوات، يؤكد المغرب أنه لم يذهب إلى غزة ليكون طرفا في صراع قائم أو داعما لطرف ضد آخر؛ بل ذهب ليكون في صف الحياة أولا، وفي صف الأمن والسلم الدوليين، عبر مساعدة الفلسطينيين في إعادة بناء المؤسسات لرفع مستوى الثقة بين المجتمع المحلي والجهات الدولية الفاعلة؛ ذلك أن ما يميز المقاربة المغربية في هذا الإطار هو وضعها للإنسان في قلب كل تحرك، والانتقال من فضاء الاصطفافات المتعبة إلى فضاء القيم الإنسانية الجامعة، ومن منطق المنافسة على أدوار سياسية أو على غنائم الحروب إلى منطق التنافس على إعادة بناء ما هدمته هذه الحروب، وإرساء سلام دائم يخدم مصالح الدول والشعوب.
إن ما يمنح هذا الانخراط المغربي غير العسكري المبكر في غزة زخما إضافيا هو السياق المؤسسي الذي ينطلق منه، والمتمثل في رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس التي انبثقت عن “منظمة المؤتمر الإسلامي” عام 1975؛ فيما تشكل مواقفه الثابتة تجاه حل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية البوصلة الاستراتيجية التي توجه كل الخطوات والمبادرات المغربية، وتؤطر دعوة الرباط الدائمة إلى تجاوز منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء السلام المستدام في الشرق الأوسط.
كما يستند هذا الانخراط إلى إرث طويل من التوازن الدبلوماسي والقدرة على التعامل مع جميع الأطراف؛ فالدبلوماسية المغربية، وبفضل سياستها المتوازنة وحضورها المتميز في المحافل الدولية، أعطت الرباط نقطة قوة استراتيجية للتوسط في أعقد النزاعات الإقليمية وتوفير أرضية خصبة للحوار. وتدرك المملكة أن الحل السياسي للقضية الفلسطينية لا يمكن أن يكون ممكنا في ظل استمرار العنف، وأن الاستقرار وتضافر الجهود الدولية يشكلان شرطين أساسيين ومدخلين حتميين لأي حل مستقبلي.
المصدر:
هسبريس