أكد تقرير المجموعة الموضوعاتية المؤقتة المكلفة بتقييم المنظومة الوطنية للسياسات المناخية بالمغرب وجاهزية المنظومة لمواجهة التغيرات المناخية والتعامل مع آثارها، أن مواجهة التحديات المناخية المتسارعة تفرض إحداث تحول عميق في طريقة تدبير السياسات العمومية المرتبطة بالمناخ، داعيا إلى الانتقال من منطق تدبير الأزمات بعد وقوعها إلى منطق الاستباق وبناء القدرة على الصمود.
وشدد التقرير في مقدمة توصياته على ضرورة إرساء حكامة مناخية أكثر فعالية، من خلال تمكين البنية المؤسساتية المكلفة بالعمل المناخي من صلاحيات تقريرية واضحة، بما يضمن قيادة موحدة للسياسات المناخية، وتعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات، والانتقال من التنسيق الشكلي إلى التنسيق العملي القادر على توحيد الجهود وتوجيهها نحو تحقيق أهداف مشتركة.
ودعت المجموعة الموضوعاتية إلى جعل الاستباق والتنبؤ العلمي أساسا في تدبير المخاطر المناخية، عبر تطوير منظومات الرصد والإنذار المبكر، والاعتماد بشكل أكبر على البيانات المناخية والنماذج العلمية والتوقعات المستقبلية، بما يسمح باتخاذ القرارات في الوقت المناسب، وتقليص الخسائر البشرية والمادية الناتجة عن الظواهر المناخية القصوى، مع تعزيز جاهزية مختلف المتدخلين للتعامل مع حالات الطوارئ والكوارث الطبيعية.
كما أوصى التقرير بالتحول من التخطيط الاستراتيجي التقليدي إلى التدبير التكيفي المستمر للمخاطر، بما يضمن مراجعة السياسات والبرامج بصورة دورية وفق تطور المعطيات المناخية، وعدم الاكتفاء بوضع استراتيجيات بعيدة المدى دون مواكبة تنفيذها وتحيينها باستمرار وفق المستجدات الوطنية والدولية.
وأكدت المجموعة الموضوعاتية كذلك على ضرورة ضمان الالتقائية العملية والفعلية بين مختلف الاستراتيجيات والمخططات القطاعية، بدل الاكتفاء بالتكامل النظري بينها، وذلك من خلال توحيد الأولويات، وربط البرامج القطاعية بأهداف السياسة المناخية الوطنية، واعتماد آليات مشتركة للتتبع والتقييم وقياس الأثر، بما يضمن توجيه مختلف التدخلات نحو تحقيق نتائج ملموسة في مجال التكيف مع التغيرات المناخية والتخفيف من آثارها.
واعتبر التقرير أن تعزيز الأمن المائي يجب أن يشكل أولوية وطنية في المرحلة المقبلة، داعيا إلى تسريع تنزيل المشاريع المهيكلة الرامية إلى تعبئة الموارد المائية غير التقليدية، وفي مقدمتها محطات تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، ومواصلة بناء السدود حيثما دعت الحاجة، مع الرفع من مردودية شبكات التوزيع والحد من ضياع المياه، وتعزيز النجاعة المائية في مختلف القطاعات، خاصة الفلاحة التي تظل أكبر مستهلك للموارد المائية.
كما أوصى التقرير بتعزيز إدماج البعد المناخي في جميع السياسات العمومية والبرامج الاستثمارية، حتى يصبح تقييم الأثر المناخي جزءا أساسيا من إعداد المشاريع العمومية وتتبع تنفيذها، بما يضمن توجيه الاستثمارات نحو مشاريع أكثر قدرة على الصمود أمام آثار التغيرات المناخية، ويحد من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الظواهر المناخية المتطرفة.
وأكدت المجموعة الموضوعاتية على ضرورة تمكين الجماعات الترابية من الاضطلاع بدور أكبر في تنفيذ السياسات المناخية، من خلال توفير الموارد المالية والبشرية والتقنية اللازمة، وتعزيز قدراتها في مجال التخطيط الترابي المراعي للمناخ، وإعداد مخططات محلية للتكيف مع التغيرات المناخية، تراعي خصوصيات كل جهة وإقليم، بالنظر إلى تفاوت آثار الظواهر المناخية من منطقة إلى أخرى.
وفي المجال العلمي، أوصى التقرير بإعطاء البحث العلمي والابتكار مكانة مركزية في السياسة المناخية الوطنية، عبر دعم مراكز البحث والجامعات وتشجيع الدراسات التطبيقية المتعلقة بالتغيرات المناخية، وتعزيز إنتاج المعطيات والمؤشرات الوطنية، وتطوير النماذج المناخية التي تساعد على استشراف المخاطر المستقبلية، مع توظيف نتائج البحث العلمي في إعداد السياسات العمومية واتخاذ القرار.
كما شدد التقرير على أهمية تطوير منظومة الرصد والإنذار المبكر، ومواصلة تحديث التجهيزات التقنية، وتوسيع شبكات المراقبة المناخية والهيدرولوجية، وتحسين تبادل المعلومات بين مختلف المؤسسات، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع فعالية التدخلات عند وقوع الفيضانات أو موجات الحر أو الجفاف أو غيرها من الظواهر المناخية القصوى.
ودعت المجموعة الموضوعاتية إلى تعزيز آليات التتبع والتقييم والمساءلة، من خلال وضع مؤشرات دقيقة لقياس مدى تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية الخاصة بالمناخ، وإعداد تقارير دورية حول مستوى الإنجاز، وربط المسؤولية بنتائج التنفيذ، بما يضمن الانتقال من منطق إعلان البرامج إلى منطق قياس أثرها الفعلي على المواطنين وعلى القطاعات الأكثر تأثرا بالتغيرات المناخية.
كما أوصى التقرير بتعبئة موارد مالية مستدامة لتمويل السياسات المناخية، سواء عبر الميزانية العامة أو من خلال الاستفادة من آليات التمويل المناخي الدولية، وتشجيع الاستثمار الخاص والشراكات مع المؤسسات المالية الوطنية والدولية، لضمان استمرارية تمويل مشاريع التكيف والتخفيف، خاصة في قطاعات الماء والطاقة والفلاحة والبنيات التحتية.
وأكد التقرير كذلك ضرورة تعزيز التحسيس والتربية والتكوين في مجال المناخ، عبر إدماج الثقافة المناخية في المناهج التعليمية، وتطوير برامج التكوين لفائدة الأطر والمنتخبين والفاعلين المحليين، وتشجيع انخراط المجتمع المدني والقطاع الخاص ووسائل الإعلام في نشر الوعي بالمخاطر المناخية، بما يرسخ ثقافة الوقاية والاستباق ويعزز المشاركة المجتمعية في مواجهة هذه التحديات.
وشددت المجموعة الموضوعاتية على أهمية مواصلة التزام المغرب بتعهداته الدولية في مجال المناخ، مع الحرص على تحيين المساهمات المحددة وطنيا، ومواكبة المستجدات التي تفرزها مؤتمرات الأطراف، وتعزيز التعاون الدولي والإقليمي والاستفادة من التجارب الناجحة ونقل التكنولوجيا والخبرات، بما يدعم قدرة المملكة على تنفيذ التزاماتها المناخية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وخلص التقرير إلى أن نجاح السياسة المناخية الوطنية لن يقاس بعدد الاستراتيجيات أو المؤسسات المحدثة، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في حماية الموارد الطبيعية، وضمان الأمن المائي والغذائي والطاقي، وتقليص هشاشة المجالات والسكان الأكثر عرضة للمخاطر، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود أمام آثار التغيرات المناخية.
وأكدت المجموعة الموضوعاتية أن تنفيذ هذه التوصيات يتطلب تعبئة جماعية تشمل الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني، حتى تصبح مواجهة التغيرات المناخية خيارا استراتيجيا ينعكس على مختلف السياسات العمومية ويؤسس لتنمية أكثر استدامة وعدالة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
المصدر:
العمق