آخر الأخبار

بنكيران: الأقوياء يسعون للاستئثار بالمال والسلطة.. والمؤسسة الملكية تحفظ توازن الدولة

شارك

اعتبر عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، أن المغرب في حاجة إلى حكومة تجعل المواطن في صدارة أولوياتها، وتحافظ على كرامته، محذرا في الوقت نفسه مما وصفه بسعي “الأقوياء” إلى الاستئثار بالمال والسلطة، ومؤكدا أن المؤسسة الملكية تؤدي دورا أساسيا في حفظ توازن الدولة ومنع تغول مراكز النفوذ. كما وجه انتقادات مباشرة إلى حكومة عزيز أخنوش، متهما إياها بعدم استشعار مسؤوليتها تجاه المواطنين وبالوقوع في تضارب المصالح، داعيا إلى إعادة الاعتبار للسياسة القائمة على خدمة المواطن قبل أي اعتبار آخر.

وجاءت تصريحات بنكيران خلال لقاء تواصلي جمعه بأعضاء المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، أمس السبت بالصويرة، حيث أكد رفضه لما اعتبره محاولات لإيهام المواطنين بوجود مراكز أخرى للسلطة أو منافسة للمؤسسة الملكية، وقال: “المغاربة يقولون إن ملكنا واحد، هو محمد السادس، ولا ينبغي لأحد أن يخيف الناس أو يوهمهم بوجود غير ذلك.”

وفي معرض حديثه عن طبيعة السلطة، اعتبر بنكيران أن المجتمعات تفرز دائما فئة من الأشخاص الأقوياء الذين يسعون إلى توسيع نفوذهم، موضحًا أن الخطر لا يكمن في وجودهم بحد ذاته، وإنما في رغبتهم في احتكار المال والسلطة معًا. وقال: “الأقوياء يريدون الاستئثار بكل شيء، وبالدرجة الأولى بالمال والسلطة، فهذا يريد أن يستحوذ على مدينة، وذاك يريد السيطرة على مدينة أخرى، وآخر يريد السيطرة على فريق رياضي، وهكذا.”

وأضاف أن نعمة المغرب تتمثل في كونه مملكة لها مؤسسة ملكية تؤدي دورا في الحد من هذا التغول، معتبرا أن عددا من الدول التي فقدت هذا التوازن شهدت اضطرابات وانهيارات كبيرة، مستشهدا بما وقع في عدد من دول الجوار وبعض البلدان الإفريقية.

واعتبر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن الحديث عن الصحة والتعليم والجامعة والخدمات العمومية ينبغي أن ينطلق من مبدأ احترام الإنسان، موضحا أن الكرامة ليست شعارا نظريا، وإنما هي معيار يقاس بطريقة تعامل الدولة مع مواطنيها، ولا سيما الفئات الضعيفة. وقال: “نريد أولا أن نعيد الكرامة للمواطن، لأن الكرامة لا تعني الشخص القادر على الدفاع عن نفسه، بل تعني المواطن البسيط والفقير والمتواضع الذي لا يملك نفوذا ولا علاقات.”

واستحضر تجربته عندما كان رئيسا للحكومة، مشيرا إلى أن العديد من الملفات كانت تكشف له حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون مع الإدارة، وروى قصة امرأة احتاجت إلى لقاء عامل إحدى الأقاليم، وقال: “اتصلت ثلاث مرات بوزير الداخلية حتى تُستقبل تلك السيدة، وكانت في كل مرة تُمنع من الدخول فقط لأنها امرأة بسيطة جاءت من البادية.” واعتبر أن مثل هذه الوقائع تكشف أن المشكلة ليست في النصوص القانونية، وإنما في طريقة معاملة المواطن داخل المرافق العمومية.

وأكد بنكيران أن الدولة مطالبة بتوفير تعليم جيد وخدمات صحية لائقة لجميع المواطنين، موضحا أن المطلوب ليس الصدقة أو الإحسان، وإنما الاعتراف بقيمة المواطن وحقوقه. وقال: “لا نطلب من الدولة الصدقة، بل نطلب منها أن تفهم أنها وجدت لخدمة المواطنين جميعًا، وخاصة الفقراء والضعفاء والأكثر حاجة.” وأضاف أن أي حكومة ينبغي أن يكون همها الأول هو خدمة المواطنين قبل أي اعتبار آخر، وأن تشعر بالمسؤولية تجاه كل فرد من أفراد المجتمع دون تمييز.

حكومة جطو وحكومة أخنوش

ومضى بنكيران في انتقاد أداء الحكومة، معتبرا أن المسؤولية الحكومية تقتضي قبل كل شيء الإحساس بمعاناة المواطنين، وقال: “نحن في حاجة إلى حكومة تعرف أن مسؤوليتها الأولى هي أن تقدر المواطن، وأن يكون قلبها مع المواطن، وأن يكون الأكثر حاجة هو الأول في اهتماماتها.” وأضاف أن الحكومة مطالبة بالنظر إلى المواطن باعتباره محور السياسات العمومية، لا مجرد رقم في الإحصاءات أو موضوعًا للخطابات، مؤكدا أن قيمة الدولة تقاس بمدى اهتمامها بالفئات الهشة قبل غيرها.

واستحضر تجربة إدريس جطو عندما تولى رئاسة الحكومة، معتبرا أنها تمثل نموذجا للفصل بين المسؤولية السياسية والمصالح الاقتصادية، وقال: “لقد كان رجل أعمال كبيرا، لكنه عندما ترأس الحكومة انصرف إلى خدمة الشعب ولم ينشغل بأعماله الخاصة.” وأضاف أن ثروة إدريس جطو تضررت بعد مغادرته رئاسة الحكومة لأنه فضل الحفاظ على سمعة المنصب على تنمية ثروته، موضحا: “جاء ليقوم بواجبه، ولم يأت ليزيد من ثروته.”

وفي المقابل، وجه بنكيران انتقادات حادة إلى رئيس الحكومة الحالي، متسائلا عن تطور ثروته منذ توليه المسؤولية، وقال: “فليخبرنا أحد كيف كانت ثروته عندما جاء، وكيف أصبحت اليوم.” وأضاف أن من يجعل الربح هدفه الأول لا يستطيع أن ينشغل بمشكلات المواطنين، لأن تفكيره سينصرف أولا إلى مصالحه الخاصة، ثم إلى مصالح أسرته والمقربين منه، قبل أن يلتفت إلى قضايا المواطنين، معتبرا أن هذا الأمر يتعارض مع جوهر المسؤولية الحكومية.

وأكد أن انتقاداته لرئيس الحكومة لا تعود إلى خلاف شخصي، موضحا أنه سبق أن عمل معه داخل الحكومة وكانت تجمعهما علاقة عادية، لكنه قال إن الخلاف بدأ منذ الفترة الأخيرة من الحكومة التي كان يرأسها، مستحضرا ما وصفه بقضية تحويل اعتمادات مالية كانت مخصصة للمناطق القروية والجبلية. وقال: “قبل مغادرتي الحكومة حصلت قضية تتعلق بأربعة وخمسين مليار درهم، وقد جاءني وزير المالية وآخرون وأقنعوني بأمر لم أكن أعتزم القيام به، ثم اكتشفت لاحقا حقيقة ما وقع.” وأضاف أنه لم يكن ينوي نقل تلك الاعتمادات، لكنه وجد نفسه أمام معطيات لم تكن واضحة بالنسبة إليه في ذلك الوقت.

وتابع بنكيران قائلا إنه أدرك لاحقا أن الأمر لم يكن تصرفا عاديا، مضيفا: “منذ ذلك الوقت عرفت أنه ليس شخصا يتصرف على نحو معقول.” وأوضح أنه لا ينكر انحدار رئيس الحكومة من أسرة معروفة ومحترمة، ولا السمعة الطيبة التي كان يتمتع بها والده، لكنه اعتبر أن الثروة التي راكمها لم تكن كلها نتيجة جهد شخصي، مضيفا أن جزءا منها جاء بمساعدة أشخاص يشبهونه في طريقة تدبيرهم للمصالح، قبل أن يوجه إليه تحذيرا قائلا: “الأموال التي تأتي بهذه الطريقة، من منحها لك قادر أيضا على أن يسلبها منك.”

الثروة المرتبطة بالنفوذ السياسي

وفي السياق نفسه، استحضر ما سماه نظام “التتريك” في التاريخ المغربي، موضحا أنه كان يقضي باسترجاع الممتلكات التي يكون بعض المسؤولين قد جمعوها بسبب مناصبهم بعد وفاتهم أو زوال نفوذهم. وقال إن المقصود من استحضار هذه الواقعة هو توجيه رسالة مفادها أن الثروة التي ترتبط بالنفوذ السياسي لا تدوم، مضيفا: “إذا استمر في هذا الطريق، يجمع ويجمع ولا يسمع، فلن يتركوا له كل ذلك في النهاية.”

وعاد بنكيران للحديث عن ملف تضارب المصالح، معتبرا أنه أصبح قضية معروفة لدى الرأي العام، وقال: “قلناها مرارا، إنها قضية واضحة، وهناك مائتان وستون مليار سنتيم كان يراد الحصول عليها خارج القانون ودون وجه حق.” وأضاف أن الأمر يتعلق، بحسب قوله، باستفادة مرتبطة برئاسة الحكومة، إلى جانب ملفات أخرى سبق أن أثيرت، مشيرا إلى أن مجلس المنافسة سبق أن أصدر قرارا في قضية شركات المحروقات، قبل أن يتم تعديل قيمة الغرامة بعد ذلك. وقال: “إنه رجل أدين بأخذ أموال الدولة وأموال الشعب بغير حق، فماذا تريدون أكثر من ذلك؟”

وأضاف أن حزب العدالة والتنمية كان أول من أثار هذه الملفات داخل البرلمان، وأن برلمانييه كشفوا تفاصيلها للرأي العام، وقال: “رجالات العدالة والتنمية، الأكفاء والنزهاء والمتواضعون، هم الذين كشفوا هذا الملف داخل البرلمان.” وأشار إلى أن رئيس الحكومة اضطر لاحقا إلى الإعلان عن تراجعه عن الاستفادة من مبلغ الدعم المذكور، لكنه اعتبر أن الإجراءات القانونية اللازمة لإلغاء القرار لم تستكمل، مضيفا أن لجنة الاستثمار التي يرأسها رئيس الحكومة هي الجهة التي تمنح مثل هذه الامتيازات للمشاريع الاستثمارية بعد دراسة ملفاتها.

كما تطرق بنكيران إلى ملف وزير التعليم، قائلا إن الوزير، بصفته مالكا لشركة للأدوية، استفاد من وضعه بطريقة أثارت الكثير من الجدل، مضيفا أن الحزب عرض تفاصيل هذه القضية داخل البرلمان. ثم انتقل إلى الحديث عن ملف دعم استيراد المواشي، معتبرا أن هذا الملف انكشف خلال السنة الجارية، وقال إن قرار عدم إقامة شعيرة الأضحية استند إلى معطيات قدمتها الحكومة، لكنه رأى أن تلك المعطيات لم تكن دقيقة لأن مربي الماشية لم يكونوا يثقون في الحكومة، ولم يقدموا لها الأرقام الحقيقية. وأضاف: “هناك أزمة ثقة بين المواطنين وهذه الحكومة، والثقة هي أساس قيام الدولة.”

واستشهد بنكيران بمقولة تاريخية تنسب إلى أحد الحكماء، مفادها أن قيام الدولة يحتاج إلى المال والرجال والثقة، لكن إذا كان لا بد من الاستغناء عن أحد هذه العناصر فإن المال يمكن تعويضه، وكذلك الرجال، أما الثقة فلا يمكن أن تستغني عنها أي دولة. وقال: “الثقة اليوم فقدت في الحكومة، وفقدت في البرلمان، وفقدت في الأحزاب السياسية.” وأضاف أن الملك محمد السادس سبق أن عبر عن عدم رضاه عن أداء الأحزاب السياسية، قبل أن يطرح على نفسه سؤالا حول مدى احتفاظ حزب العدالة والتنمية بثقة المواطنين، مؤكدا أن معيار الثقة الحقيقي يظهر في أوقات الشدة وليس في الظروف العادية.

لكم المصدر: لكم
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا