آخر الأخبار

الخبير الاقتصادي الهيري لـ"كود": المغرب يقدر يمول الأوراش الكبرى بلا ما يهدد المالية العمومية.. ولكن بشروط واضحة .

شارك

عمر المزين – كود///

أكد عبد الرزاق الهيري، مدير المختبر المتعدد التخصصات في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات، في تصريحات لـ”كود”، أن تمويل الأوراش الكبرى في المغرب يطرح إشكالية دقيقة، لأنه يقع في ملتقى حاجتين متلازمتين: الحاجة إلى الاستثمار من أجل تسريع النمو وتحديث البنيات التحتية، والحاجة إلى الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية حتى لا يتحول الاستثمار العمومي إلى مصدر ضغط دائم على الميزانية والدين.

وأوضح أن المغرب يوجد اليوم أمام مرحلة تتسم بتعدد الالتزامات الكبرى، تشمل تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح الصحة والتعليم، وتقليص الفوارق المجالية، وتحديث المطارات والطرق والسكك الحديدية، والاستعداد لاحتضان تظاهرات رياضية كبرى، مشيرًا إلى أن السؤال لم يعد هو ما إذا كان ينبغي تمويل هذه الأوراش، بل كيف يمكن تمويلها بأقل كلفة وأعلى مردودية ودون إضعاف استدامة الدين العمومي.

وأضاف أن العجز الميزانياتي لا يعتبر خطرًا في حد ذاته إذا كان موجهًا نحو الاستثمار المنتج، لأن الدولة قد تلجأ إلى الاقتراض لتمويل مشاريع البنية التحتية، باعتبار أنها ترفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد، وتحسن جاذبية الاستثمار، وتخلق فرص الشغل، وتدعم المداخيل الجبائية مستقبلًا.

غير أن الخطر، بحسب المتحدث، يظهر عندما يتحول العجز إلى وسيلة لتمويل نفقات جارية غير منتجة، أو عندما تكون المشاريع الممولة ضعيفة المردودية، أو عندما ترتفع خدمة الدين بشكل يزاحم الإنفاق الاجتماعي والاستثمار العمومي.

وأشار إلى أن أهمية هذه التساؤلات تزداد بسبب حجم الالتزامات المالية المرتبطة بالأوراش الجارية، مبرزًا أن الحكومة أعلنت عن إعطاء الأولوية في ميزانية 2026 للصحة والتعليم وتقليص الفوارق المجالية، وهو ما يعكس وعيًا بأن الاستثمار في الرأسمال البشري يشكل أولوية قصوى، غير أن هذا الطموح الاستثماري يصطدم بإكراهات مالية واضحة، في مقدمتها ارتفاع كلفة التمويل، وتقلب أسعار الطاقة، والحاجة إلى دعم القدرة الشرائية، خصوصًا في سياق دولي متوتر.

وأكد الهيري أن قدرة المغرب على تمويل أوراشه الكبرى دون المساس بالاستدامة الميزانياتية تتوقف على ثلاثة شروط أساسية. ويتمثل الشرط الأول في انتقاء المشاريع حسب مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط حسب رمزيتها أو حجمها، لأن المشروع العمومي الجيد هو الذي يخلق قيمة مضافة، ويربط المناطق المعزولة، ويخفض كلفة النقل، ويرفع الإنتاجية، ويحسن الخدمات الصحية والتعليمية، أو يجذب استثمارات خاصة، بينما قد يرفع المشروع ضعيف المردودية الدين دون أن يوسع قاعدة النمو.

وأضاف أن الشرط الثاني يتمثل في تنويع مصادر التمويل، موضحًا أن الاعتماد المفرط على الاقتراض العمومي قد يرفع خدمة الدين ويزاحم تمويل القطاع الخاص، لذلك يحتاج المغرب إلى توسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتعبئة التمويل الأخضر، واستعمال القروض الميسرة من المؤسسات الدولية عندما تكون كلفتها أقل، وتطوير سوق الرساميل المحلي، وتشجيع مساهمة الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية في المشاريع ذات البعد الجهوي، إلى جانب توجيه جزء من التمويل نحو مشاريع مدرة للدخل، مثل المطارات والموانئ والطاقات المتجددة، بما يسمح بتخفيف العبء على الميزانية العامة.

أما الشرط الثالث، فيتعلق بجودة الحكامة، إذ اعتبر أن استدامة الدين لا ترتبط فقط بنسبة الدين إلى الناتج الداخلي الخام، بل أيضًا بطريقة تدبير المشاريع، واحترام الآجال، وتفادي تضخم الكلفة، وربط الإنفاق العمومي بالنتائج.

لذلك، شدد على أهمية التقييم القبلي والبعدي للمشاريع، لأن كل درهم يتم إنفاقه خارج الأولويات الحقيقية يتحول إلى كلفة مالية واجتماعية، مبرزًا أهمية ترشيد النفقات الجارية، وتوسيع الوعاء الضريبي، ومحاربة التهرب، وتحسين مردودية المؤسسات والمقاولات العمومية.

وفي المقابل، أكد أن المغرب لا يستطيع مواجهة تحديات البطالة، والفوارق المجالية، والإجهاد المائي، والتحول الطاقي، والمنافسة الدولية بسياسة مالية منكمشة، موضحًا أن المطلوب ليس تقليص الاستثمار، بل ترشيده، لأن التقشف المفرط قد يضعف النمو، وإذا ضعف النمو تراجعت المداخيل الجبائية، فتزداد صعوبة خفض الدين، معتبرًا أن المعادلة المثلى تتمثل في تحقيق توازن بين الانضباط المالي والاستثمار المنتج.

وخلص عبد الرزاق الهيري إلى أن المغرب يستطيع تمويل أوراشه الكبرى دون تهديد استدامة المالية العمومية، شريطة أن يكون التمويل قائمًا على رؤية انتقائية ومنضبطة، تقوم على مشاريع ذات أولوية واضحة، وتمويل متنوع، وشفافية في الإنجاز، وتحكم في كلفة الدين.

وأضاف أن المشكلة ليست في الدين نفسه، بل في استعماله، فإذا وُجه نحو البنية التحتية المنتجة، والرأسمال البشري، والانتقال الطاقي، وتقليص الفوارق المجالية، فإنه يمكن أن يتحول إلى رافعة للنمو، أما إذا استُعمل لتمويل نفقات غير منتجة أو مشاريع محدودة الأثر، فإنه قد يتحول إلى عبء على الأجيال المقبلة.

كما أكد أن المغرب أمام فرصة تنموية مهمة، لكنه في الوقت نفسه أمام اختبار مالي حقيقي، وأن نجاحه لن يقاس فقط بعدد المشاريع المنجزة، بل بقدرته على تحويل هذه المشاريع إلى نمو دائم، وعدالة اجتماعية، ومداخيل مستقبلية كافية للحفاظ على توازن الميزانية واستدامة الدين العمومي.

كود المصدر: كود
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا