آخر الأخبار

لماذا المغاربة ليسوا عربًا؟ .

شارك

رشيد راخا – رئيس التجمع الأمازيغي العالميومؤسسة “ديفيد مونتغمري هارت” للدراسات الأمازيغية//

على إثر مباراة كرة القدم التي جرت صباح يوم الثلاثاء بين المغرب وهولندا، دفعتني المناسبة إلى إعادة طرح هذا السؤال البديهي: هل المغاربة عرب فعلًا؟

وهو سؤال سبق أن أتحْتُ لي الفرصة لطرحه على السيدة إلينا سانشيث كاباييرو، الرئيسة المؤقتة لمؤسسة الإذاعة والتلفزة الإسبانية (RTVE)، وذلك لانتقاد استمرار نشرات أخبار RTVE في جرح مشاعر المواطنين المغاربة والأفارقة من خلال وصف المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم بأنه منتخب “عربي” خلال كأس العالم قطر 2022. ففي ذلك الوقت، كان المنتخب المغربي قد تأهل إلى ربع نهائي ذلك المونديال. وقد أكدتُ في رسالتي أن لاعبي البلد الجار الجنوبي يمثلون جميع المغاربة وشمال الأفارقة الذين هم “إيمازيغن”، وليسوا عربًا من القارة الآسيوية. كما أوضحتُ لها أنه، مع ذلك، إذا جرى وصف المنتخب بمنتخب “مورو”، فلا مشكلة في ذلك، لأن هذه الكلمة “مورو” أكثر ملاءمة، وهي مشتقة من مصطلح “ماوروس” الذي كان يُطلق على السكان القدامى لموريطانيا الطنجية، وهو الاسم الذي كان يُطلق على المغرب في العصر الروماني.

في ذلك الوقت، تلقيت ردًا غير مُرضٍ من السيدة ماريا سان خوان، من فريق وسيطة الجمهور بـ RTVE، حيث أصرت على وصف المغرب وشعبه بـ “العرب”. فاضطررت إلى إرسال رسالة أخرى أكدتُ لها فيها مرة أخرى أن “المملكة المغربية لم تكن يومًا بلدًا عربيًا، وكما هو حال باقي بلدان شمال إفريقيا، فلن تكون كذلك أبدًا في المستقبل”. لماذا؟

في ردي، أبرزتُ مثال المباراة النهائية لكأس العالم للأندية التي جمعت بين الفريق الإسباني ريال مدريد والفريق العربي الهلال السعودي، يوم السبت 11 فبراير 2023 بالرباط. وهي مباراة أثارت الكثير من الطموحات والتوقعات والمشاعر الحماسية… هل تتذكرون من كان يشجعه الجمهور المغربي، وبالامتداد الجمهور الأمازيغي لشمال إفريقيا؟ لقد أوضحتُ لوسيطة RTVE أنه، بحسب منطقها، كان على الجماهير المغربية (وجماهير تمازغا) أن تقف إلى جانب السعوديين باعتبارهم شعوبًا “عربية” و”مسلمة” شقيقة. لكن الأمر لم يكن كذلك إطلاقًا! فقد كان الجمهور المغربي يشجع، بكل حماس وثقة، الفريق “الإسباني” و”المسيحي”. لقد كان المغاربة يدعمون الإسبان “الكفار” بدلًا من إخوانهم في “العروبة” و”الدين الإسلامي”! وهو تقريبًا ما شاهدناه مجددًا في مباراة المغرب وهولندا، حيث كان من المفترض أن يشجع المكسيكيون، باعتبارهم كاثوليك، الهولنديين المسيحيين بدلًا من المغاربة المسلمين، وكان على الجزائريين، بوصفهم “إخوة” عربًا ومسلمين، أن يساندوا اللاعبين المغاربة لا الهولنديين.

في الحقيقة، وكما أكد باحثنا الكبير محمد شفيق في دراسته “البربر ومساهمتهم في بناء الثقافات المتوسطية”: “ليتفهم إخواننا العرب أن لغير العرب أيضًا الحق في الاعتزاز بهويتهم! فالبربر (الإيمازيغن) يريدون ببساطة أن يكونوا بربرًا (إيمازيغن)، كما أن الصينيين صينيون، واليابانيين يابانيون، والعرب عرب”.

ولا ينبغي أن ننسى أنه عندما تقدم المغاربة بترشيحهم لاستضافة كأس العالم 2026، فضلت دول عربية مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والعراق والأردن ولبنان التصويت لصالح”اليانكيين“ الكفار بدل “العرب المزيفين” الذين يمثلهم، في نظرهم، جميع سكان شمال إفريقيا.

ومع ذلك، وبخصوص مونديال 2030 الذي سينظمه المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال، فإننا لا نتوقف عن تنبيه كبار مسؤولي الاتحادات الكروية الثلاثة في غرب البحر الأبيض المتوسط، وخاصة السيد فوزي لقجع، بصفته رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، للتعبير عن خيبة أملنا العميقة من استمرار التمييز ضد اللغة والثقافة الأمازيغيتين.

ففي تقديم كأس العالم FIFA 2030 يوم 28 أكتوبر 2023 بالرباط، بحضور السيد بيدرو روشا، رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم، والسيد فرناندو غوميش، رئيس الاتحاد البرتغالي لكرة القدم، لم تُدرج أي إشارة إلى هذه اللغة والثقافة اللتين تشكلان جزءًا لا يتجزأ من الهوية المغربية، لا في الشعار ولا في لوحات الطاولة المستديرة، كما لم تُذكر أي إشارة إلى التاريخ العميق والمشترك بين هذه البلدان الثلاثة. وبالتالي، فإننا لا نريد إطلاقًا أن يتحول هذا الإقصاء إلى “تزوير وبتر للذاكرة المشتركة”. ومن واجبنا التأكيد على دور إيمازيغن القدماء كصناع للحضارات المتوسطية ومساهمتهم في الحضارة الأندلسية.

وسيكون من المفيد والمهم جدًا التذكير بالتاريخ، وخاصة بفكرة أن الأمازيغ القدماء ساهموا في بناء هذه الحضارات المتوسطية، بما فيها حضارة “الإيبيريين”، حتى قبل وصول الفينيقيين وقيام الإمبراطورية الرومانية؛ وهو ما تؤكده خصوصًا دراسات الأنثروبولوجيا الجينية التي أجراها عالم المناعة الإسباني المرموق والبروفيسور الدكتور أنطونيو أرنايث بيينا، من جامعة كومبلوتنسي بمدريد، والذي يؤكد أن “الإيبيريين” و”الأمازيغ” ينحدرون من نفس الأصول الشمال إفريقية. وفي الاتجاه نفسه، يكتب الأكاديمي المرموق محمد شفيق: “لقد أسفرت كل هذه التحولات التاريخية عن تَمثُّل النخب الأمازيغية لثقافات متعددة، وإسهامها الغني في تطوير الثقافات المتوسطية الكبرى”. إضافة إلى ذلك، فإن أمازيغ المغرب، المعروفين باسم “المور” لدى جيرانهم الإيبيريين، لهم فضل تاريخي كبير في بناء حضارة مشتركة عظيمة خلال ثمانية قرون: الحضارة الإسلامية للأندلس في العصور الوسطى، منذ فتح جبل طارق على يد الأمازيغي طارق بن زياد سنة 711 إلى غاية طرد آخر الموريسكيين من جبال البشرات في مقاطعة غرناطة سنة 1609. وفي هذا السياق، سيكون من المناسب جدًا أن يعيد المسؤولون عن القطاعات السياحية على ضفتي غرب المتوسط إحياء وتطوير المشروع الطموح لمؤسسة “الإرث الأندلسي” حول المسارات السياحية للتراث الأندلسي، الذي دافع عنه المحامي خيرونيمو بايث منذ سنة 1995.

وفي 17 فبراير الماضي، وبمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لتأسيس “اتحاد المغرب العربي”، بادرتُ إلى مطالبة وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا وتونس وليبيا بحل “اتحاد المغرب العربي”، لأن هذا الاتحاد فشل فشلًا ذريعًا بسبب تأسيسه على إنكار التاريخ العريق والهوية الأمازيغية الإفريقية الأصيلة لشمال إفريقيا، واعتماده تسمية اختزالية وتمييزية وغير ملائمة هي: “المغرب العربي”. وبما أنه يقوم أساسًا على إيديولوجية مستوردة ومصطنعة ومفروضة، هي “العروبة الإسلامية”، فإن الاتحاد يوجد اليوم في حالة تراجع واضح. وقد قدمت النسخة الخامسة والثلاثون من كأس إفريقيا للأمم 2025، التي نظمها المغرب مؤخرًا، مثالًا واضحًا على ذلك. فقد كان غياب التضامن بين جماهير شمال إفريقيا جليًا: جماهير مغربية تشجع منتخبي الكونغو أو نيجيريا ضد الجزائر؛ وجماهير جزائرية وتونسية تعبر علنًا عن فرحتها بعد هزيمة المنتخب المغربي في النهائي المثير للجدل أمام السنغال؛ بل وحتى حماس جماهير مغربية لفوز نيجيريا على مصر، البلد الذي رفع فيه جمال عبد الناصر في زمانه الإيديولوجية القومية العربية إلى مرتبة دين الدولة.

وبخصوص هذا الفشل الكبير لاتحاد المغرب العربي، صرح ملك المغرب، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة القمة الثامنة والعشرين للاتحاد الإفريقي بأديس أبابا يوم 31 يناير 2017: “لقد آمن المغرب دائمًا بأن قوته تكمن، أولًا وقبل كل شيء، في اندماج منطقته المغاربية. غير أنه من الواضح أن شعلة اتحاد المغرب العربي قد انطفأت، لأن الإيمان بالمصلحة المشتركة قد تلاشى. لقد تعرضت القوة التعبوية للمثل المغاربي، التي دافعت عنها الأجيال الرائدة في خمسينيات القرن الماضي، للخيانة. واليوم، نأسف لمعاينة أن اتحاد المغرب العربي هو المنطقة الأقل اندماجًا في القارة الإفريقية، إن لم يكن في العالم بأسره…”.

وفي الختام، نوجه نداءً إلى جميع الصحفيين والمثقفين والأكاديميين في البلدان الثلاثة المطلة على مضيق جبل طارق لكي يعتمدوا مصطلحات واقعية، بعيدة عن التوجهات الإيديولوجية وعن الترويج لـ “القومية العربية” المتراجعة، على حساب الموضوعية العلمية والاكتشافات الأثرية الحديثة والحقيقة التاريخية. ولذلك، لن نتوقف عن نصحهم بتجنب أوصاف مثل “الفريق العربي”، “الكرة العربية”، “المغرب العربي”، “الأمة العربية”، “الربيع العربي”… إذ ينبغي أن يعلموا أن ذلك يجرح بعمق حساسية وهوية وكرامة ملايين المواطنين في المغرب وتمازغا، وكذلك ملايين المهاجرين أو المواطنين الأوروبيين من أصل أمازيغي المقيمين في إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا وهولندا وإيطاليا والبرتغال، الذين يخرجون حاملين الأعلام المغربية والأمازيغية في كبريات مدن الاتحاد الأوروبي كلما حقق “أسود الأطلس” انتصارًا، كما حدث في المباراة التي جرت مؤخرًا في المكسيك.

إن نجاح هؤلاء اللاعبين الشباب المغاربة الأمازيغ، وكذلك الافتتاح الأخير للمتحف الأمازيغي داخل مجمع الحمراء بغرناطة — والذي تجاهلته للأسف الصحافة الإسبانية الوطنية — يدفعنا إلى المزيد من البحث وتنظيم المزيد من الأنشطة الثقافية الإسبانية البرتغالية المغربية من أجل تعميق المعرفة بالثقافة الأمازيغية، التي وحدت هذه البلدان الثلاثة عبر آلاف السنين، لكنها لا تزال واحدة من أكثر المواضيع غيابًا داخل جامعاتها وأوساطها الفكرية.

كود المصدر: كود
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا