آخر الأخبار

المجلس الاقتصادي والبيئي يدعو إلى “صفر تسامح” مع تشغيل الأطفال دون 16 سنة بالمغرب

شارك

دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى إرساء سياسة عمومية وطنية مندمجة للقضاء على تشغيل الأطفال بالمغرب، تقوم على مبدأ “عدم التسامح مطلقا” مع تشغيل الأطفال دون سن السادسة عشرة، وربط دعم الأسر الهشة بمواظبة أبنائها على الدراسة والتكوين، مع تأمين مسارات قانونية وآمنة للشباب ما بين 16 و18 سنة نحو التكوين والتدرج المهني.

وجاءت هذه الدعوة خلال لقاء تواصلي نظمه المجلس، اليوم الأربعاء فاتح يوليوز 2026، لتقديم مخرجات رأيه حول موضوع: “من أجل سياسة عمومية ناجعة للقضاء على تشغيل الأطفال بالمغرب”، حيث أكد رئيس المجلس عبد القادر أعمارة أن المغرب حقق تقدما مهما خلال العقود الأخيرة في مجال حماية الطفولة، غير أن استمرار بعض مظاهر تشغيل الأطفال، وخاصة في الأشغال الخطرة والعمل المنزلي والاستغلال الاقتصادي، يفرض الانتقال من منطق البرامج القطاعية إلى سياسة وطنية موحدة وأكثر صرامة.

وقال أعمارة إن رأي المجلس يأتي في سياق وطني مطبوع بتراكم إصلاحات تشريعية ومؤسساتية واستراتيجية تروم حماية الطفل المغربي من مختلف أشكال الاستغلال، مبرزا أن تشغيل الأطفال يعد من الظواهر ذات الانعكاسات السلبية على النمو البدني والنفسي والعاطفي للطفل، كما يضر بقدرة المجتمع على بناء تنمية دامجة ومنصفة ومستدامة.

وأوضح رئيس المجلس أن اختيار توقيت تقديم هذا الرأي يتزامن مع إحياء المغرب لليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال، الذي يصادف 12 يونيو من كل سنة، ومع إطلاق حملة وطنية تحت شعار “لا لتشغيل الأطفال”، بناء على توجيهات صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم، رئيسة المرصد الوطني لحقوق الطفل، وهي حملة تعكس، بحسب أعمارة، ضرورة القطع مع هذه الظاهرة باعتبارها مسؤولية وطنية مشتركة تستوجب تعبئة مختلف الفاعلين.

وأكد المجلس أن المغرب عرف تراجعا كبيرا في عدد الأطفال المزاولين لنشاط اقتصادي، إذ انتقل هذا العدد من 517 ألف طفل سنة 1999 إلى حوالي 101 ألف طفل سنة 2024، ضمن الفئة العمرية ما بين 7 و17 سنة، أي بانخفاض يفوق 80 في المائة. واعتبر المجلس أن هذه الأرقام تعكس أثرا إيجابيا للإصلاحات والبرامج الوطنية، لكنها لا تعني أن هدف القضاء النهائي والمستدام على تشغيل الأطفال قد تحقق بعد.

وشدد أعمارة على أن بقاء طفل واحد خارج المدرسة وفي وضعية تشغيل مبكر بسبب الفقر أو الهشاشة أو عوامل اجتماعية أو ثقافية أخرى، يظل وضعا غير مقبول، مبرزا أن المكان الطبيعي للطفل هو الأسرة والمدرسة وفضاءات التربية والتكوين، وليس سوق العمل أو فضاءات الاستغلال الاقتصادي.

وسجل المجلس أن استمرار تشغيل الأطفال يرتبط بجملة من العوامل السوسيو-اقتصادية، في مقدمتها هشاشة بعض الأسر، والصعوبات التي تعترض المسارات التعليمية للأطفال، واتساع نطاق الاقتصاد غير المهيكل، إضافة إلى الفوارق المجالية والتمثلات الثقافية التي ما تزال تعتبر العمل المبكر أمرا عاديا، خاصة في بعض المناطق القروية.

كما نبّه المجلس إلى أن بعض أشكال تشغيل الأطفال لم تعد تقتصر على الأنشطة التقليدية، بل بدأت تتخذ مظاهر جديدة بفعل تطور الأنشطة الاقتصادية والرقمية، وهو ما يستدعي، بحسبه، تحديث الإطار القانوني والتنظيمي، وخاصة لائحة الأشغال الخطرة التي يمنع تشغيل الأطفال دون 18 سنة فيها، والتي حددها المرسوم رقم 2.10.183، بعدما دخلت عقدها الثاني دون أن تواكب بما يكفي المخاطر المستجدة.

وفي هذا الإطار، أوصى المجلس بمراجعة المادة 143 من القانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل، من أجل الرفع من السن الأدنى المسموح به لتشغيل الأحداث في المقاولات إلى تمام 16 سنة، انسجاما مع السن الأقصى المنصوص عليه في إطار إلزامية التعليم المدرسي. كما دعا إلى تحيين وتوسيع لائحة الأشغال الخطرة لتشمل مخاطر العمل عبر المنصات الإلكترونية، والاستعمال المكثف للتجهيزات الرقمية، وما قد ينتج عنها من أشكال جديدة لاستغلال الأطفال.

واعتبر المجلس أن القضاء على تشغيل الأطفال لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال التطبيق الصارم للقانون، بل يتطلب معالجة الأسباب البنيوية التي تغذي الظاهرة، وعلى رأسها الفقر والهدر المدرسي وضعف الحماية الاجتماعية لبعض الأسر. ولهذا دعا إلى دعم الأسر في وضعية هشاشة، مع ربط هذا الدعم بانتظام الأطفال في الدراسة أو التكوين، حتى لا تتحول الحاجة الاقتصادية إلى مبرر لدفع الأطفال نحو العمل المبكر.

واقترح المجلس أن تقوم السياسة الوطنية الجديدة على هدفين متكاملين؛ الأول يتمثل في القضاء التام والمطلق على تشغيل الأطفال دون سن 16 سنة، والثاني في تأمين انتقال الشباب ما بين 16 و18 سنة نحو الحياة العملية من خلال مسارات للتدرج المهني منظمة ومؤطرة قانونيا ومتوجة بشهادات، تحفظ كرامة المتدرب وتضمن له الحماية الاجتماعية والتكوين الجيد.

وفي ما يخص الشباب بين 16 و18 سنة، دعا المجلس إلى إرساء نظام أساسي خاص بالمتدرب أو المتدرج، يوفر إطارا قانونيا واضحا وحماية اجتماعية فعلية، وتكوينا ذا جودة بالتناوب بين المقاولة ومركز التكوين، مع مراعاة الخصوصيات الترابية والقطاعية. كما أوصى باعتماد مساطر أكثر مرونة لإعادة إدماج خريجي مدارس الفرصة الثانية في مسالك التكوين المهني، خاصة عبر شهادات التدرج المهني ومستويات التأهيل والتخصص.

وشدد المجلس على ضرورة جعل تشغيل الأطفال سببا مباشرا لاستبعاد المقاولات المخالفة من المشاركة في الصفقات العمومية ومن الاستفادة من الدعم العمومي، مع إلزام الفاعلين الاقتصاديين بإرساء أنظمة قابلة للتحقق لتتبع سلاسل القيمة وشبكات المناولة، حتى لا تتحول بعض حلقات الإنتاج غير المباشرة إلى فضاءات لاستغلال الأطفال.

كما دعا إلى تعزيز جهاز تفتيش الشغل وتحديث آلياته، من خلال اعتماد تقنيات تحليل المعطيات لتحديد القطاعات والمناطق عالية المخاطر، وربط المخالفات بعقوبات رادعة قد تصل إلى سحب رخص الاستغلال والتراخيص، والحرمان من الدعم العمومي. واعتبر أن فعالية الرقابة تظل شرطا أساسيا للانتقال من النصوص القانونية إلى حماية فعلية للأطفال على أرض الواقع.

وفي السياق ذاته، طالب المجلس بتعزيز وتفعيل العقوبات الحبسية والغرامات في حق الوسطاء الذين يستقدمون أطفالا لتشغيلهم في أعمال مصنفة ضمن أسوأ أشكال العمل، مشيرا إلى أن هذه الفئة من الوسطاء تساهم في تغذية شبكات الاستغلال، خاصة في العمل المنزلي، والتسول المنظم، وبعض الأنشطة غير القانونية أو الخطرة.

ودعا المجلس أيضا إلى تفعيل الأجهزة الترابية لحماية الطفولة، وإرساء منظومة بين-قطاعية ومجالية لتتبع وتقييم وضعية تشغيل الأطفال، ترتكز على مؤشرات قابلة للقياس وتقارير دورية منتظمة، بما يسمح برصد تطور الظاهرة وتقييم أثر السياسات العمومية الموجهة لمكافحتها.

وفي ما يتعلق بآليات التبليغ، أوصى المجلس بترصيد تجربة المنصة التابعة للمرصد الوطني لحقوق الطفل، المخصصة للتبليغ عن حالات العنف أو الاستغلال أو الإهمال التي يتعرض لها الأطفال، من أجل إدراج حالات تشغيل الأطفال بشكل صريح ضمن مجالات تدخلها. واعتبر أن توحيد التبليغات ضمن منصة مركزية واحدة سيمكن من تسريع التكفل بالحالات، وتحسين التنسيق بين المتدخلين، وتوثيق مختلف مراحل التدخل والمعالجة.

ولم يغفل رأي المجلس الدور الميداني للجمعيات المحلية، التي تعد خط التدخل الأول في رصد الأطفال المشتغلين ومواكبتهم، إذ دعا إلى الرفع من الدعم المالي والتقني الموجه لها، وتمكينها من الموارد البشرية واللوجستية الضرورية لتوجيه الأطفال نحو الدراسة أو التكوين، أو إعادة إدماجهم الأسري، مع تنويع صيغ التكفل، سواء عبر الاستقبال النهاري أو الإيواء المؤقت أو المواكبة النفسية والاجتماعية.

وكشف أعمارة أن إعداد رأي المجلس تم وفق مقاربة تشاركية واسعة، شملت المؤسسات والقطاعات والفاعلين المعنيين، كما حرص المجلس على الإنصات إلى الأطفال أنفسهم وإدماج آرائهم وتصوراتهم، انطلاقا من اعتبار الطفل شريكا في التفكير في السياسات العمومية وليس مجرد موضوع لها.

وتوقف رئيس المجلس عند خلاصات الاستشارة المواطنة التي أطلقها المجلس عبر منصته الرقمية “أشارك”، والتي سجلت 1540 جوابا. وأظهرت نتائج هذه الاستشارة أن 78 في المائة من المشاركين يعتبرون تشغيل الأطفال ظاهرة منتشرة في المغرب، بينهم 39 في المائة يرون أنها منتشرة جدا، مقابل 21 في المائة فقط اعتبروا أنها قليلة الانتشار أو نادرة.

كما أظهرت الاستشارة أن 60 في المائة من المشاركين يعتقدون أن تشغيل الأطفال يوجد بشكل أكبر في الوسط الحضري، غير أن المجلس أوضح أن هذا التمثل لا ينسجم مع المعطيات الرقمية المتاحة، التي تعتبر تشغيل الأطفال ظاهرة قروية بالأساس، بنسبة 2.5 في المائة في الوسط القروي مقابل 0.5 في المائة في الوسط الحضري، ضمن الأطفال المتراوحة أعمارهم بين 7 و17 سنة.

وبخصوص طبيعة الظاهرة، اعتبر 64 في المائة من المشاركين أنها تكتسي طابعا دائما، مقابل 36 في المائة ربطوها بفترات موسمية أو ظرفية، خاصة خلال العطل. أما أبرز أشكال تشغيل الأطفال، حسب نتائج الاستشارة، فقد جاءت وضعية الشارع في المرتبة الأولى بنسبة 27 في المائة، متبوعة بالأنشطة غير القانونية بنسبة 22 في المائة، ثم المساعدة العائلية في الأشغال الفلاحية أو المنزلية والعمل داخل الوحدات الصناعية أو الحرفية بنسبة 19 في المائة لكل منهما، فيما مثل العمل المنزلي لدى الغير 11 في المائة.

وبالنسبة للعوامل التي تعيق القضاء على تشغيل الأطفال، جاء الفقر في مقدمة الأسباب بنسبة 20 في المائة، يليه الهدر المدرسي بنسبة 15 في المائة، ثم بطالة الوالدين وفقدان أحدهما، إلى جانب تراجع أهمية التمدرس وضعف بنيات التعليم الأولي، خاصة في الوسط القروي. واعتبر المجلس أن هذه النتائج تؤكد الطابع المركب والمتعدد الأبعاد للظاهرة، باعتبارها ترتبط بتداخل عوامل اقتصادية وتربوية واجتماعية وأسرية.

أما أولويات التدخل، بحسب الاستشارة ذاتها، فقد تصدرها دعم الأسر الهشة اقتصاديا بنسبة 24 في المائة، يليه تطوير الجسور نحو مدارس الفرصة الثانية بنسبة 20 في المائة، ثم تعزيز منع تشغيل الأطفال وتطبيق العقوبات على المخالفين بنسبة 19 في المائة، إضافة إلى تحسين الولوج إلى المدرسة منذ التعليم الأولي وتكثيف جهود التوعية والتحسيس.

وأكد أعمارة أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمرصد الوطني لحقوق الطفل أبرما، في 30 مارس 2026، اتفاقية إطار للشراكة والتعاون، تروم إرساء إطار مؤسساتي دائم للتنسيق بين المؤسستين، بما يعزز حماية الطفولة والنهوض بحقوق الطفل. وأوضح أن هذه الشراكة ستشكل أرضية لتطوير مبادرات مشتركة في مجالات التوعية وإنتاج المعرفة وإعداد الدراسات وتعزيز مشاركة الأطفال، فضلا عن مواكبة السياسات العمومية في القضايا ذات الأولوية، وفي مقدمتها تشغيل الأطفال.

وخلص المجلس إلى أن القضاء النهائي على تشغيل الأطفال يظل رهينا بتنمية أكثر إدماجا وإنصافا واستدامة، تتيح لجميع الأطفال في مختلف جهات المملكة فرصا متكافئة للنمو والارتقاء، مؤكدا أن الاستثمار في الطفولة هو استثمار في حاضر المغرب ومستقبله، وأن حماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي ليست مجرد التزام قانوني، بل شرط أساسي لبناء مجتمع أكثر عدالة وتماسكا.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا