وثمّة لاعبون يتحلّوْن، داخل الملعب وخارجه، بأخلاق الجدّ، فلا تذكر أسماؤهم إلّا مقرونةً بثمار نفوسهم التي تتدلّى بها الأغصان من شجرة المروءة.
فهذا فريدريك عمر كانوتي، المهاجم المالي الفذّ، المعروف بنُصرته لفلسطين، اِنبرى لإنقاذ مسجد من الهدم في إشبيلية، بعد أن اِشترى من ماله الخاصّ الأرضَ التي يقام عليها من الشركة المالكة، في واقعة بارزة، صار معها المسجد ذاك بصومعة أخرى، صومعة من لحم ودم نبيل.
وهذا إفريقي آخر، ساديو ماني، يتعهّد بالرّعاية قريته بامبالي في السينغال، إذ شيّد بها المدرسة والمستشفى، وخصّ سكّانها بالمساعدات المالية والمِنَح الدراسية، في سعي لتحسين ظروف عيشهم… وفي ذلك، لعمري، بِرّ بقريته الأمّ دونه كلّ إحسان.
أمّا الدكتور راشفورد، اللّاعب الإنجليزي الشهير، فقد قاد، إبّانَ كورونا، حملة لجمع التبرّعات بقصد توفير الوجبات المدرسيّة المجانية، أسفرت عن إطعام أكثر من مليون طفل، فجرى تكريمه من طرف جامعة مانشستر بمنحه دكتوراه فخرية.
دكتور آخر، من زمن آخر، ومن قارّة أخرى، يستحقّ الذكر في هذا المقام. إنّه اللّعب البرازيلي توستاو الذي خضع لأكثر من عملية جراحية على شبكية العين، ليتسنّى له أن يشارك في مونديال 70. وحين فازت البرازيل بكأس العالم، أهدى الفتى ميداليته إلى طبيبه المعالج، قبل أن يلتحق هو نفسه بكلية الطبّ ويتخرّج منها طبيب عيون.
هذه فقط بعض الأمثلة على ثمار الكرم والتضامن والعرفان بالجميل، لعلّها تُذكّر القارئ بغيرها.
ولأن ثمار الوفاء عندي أطيب من سواها، فلا بدّ من الإشارة إلى بعض رموزها ممّن أوقفوا عرقهم وأنفاسهم على فريق دون غيره، كباريزي، مالديني، بويول، غيغز، تشابي، سكولز، وتوتي…
أمّا الواقعة الأشهر، فهي حين جرى إنزال يوفنتوس إلى الدرجة الثانية كإجراء عقابي، فوجدت السيدة العجوز نفسها في محنة حقيقية، إذ غادرها معظمهم. ساعتها تجلّى القائد الأبدي وطاقمه النبيل، فلم يغادروا السفينة قبل أن تغرق، بل دفعوا شراعها بأنفاسهم حتى برّ الأمان، فتخلّدت أسماؤهم في اسم واحد: الأوفياء الخمسة، وهم دل بيرو، بوفون، نيدفيد، تريزيغي، وكامورانيزي.
ولأنّ للعظيم دل بيرو مكانةً خاصّة في نفسي، فلن أغادر السفينة دون تحية تقدير للقائد. فهو عندي، إذ لم يحصل على الكرة الذهبية، تمامًا مثل عظماء الكتّاب الذين لم ينالوا جائزة نوبل. لكن، حسبه أن خلّده الإيطاليون بعبارة دونها كلّ النفائس: “مهما اِهتزّت الأسِرّةُ ليلًا، فلن تنجب إيطاليا مثل دل بيرو”.
في كرة القدم، يصعب حصْرُ أنواع المؤامرات، فأحرى تحديد عددها، إذ إنّ في أعراسها أقراصًا لغير رهط من أَرْهُطها، من لاعبين ومُستشهرين، ووكلاء ومراهنين، ومسيّرين وسياسيين، وسواهم ممّن لا يهمّهم نجاح الحفل بقدر ما يهمّهم نصيبهم من كعكته. لذلك فهي تُحاك في مستودعات الملابس كما في المقاهي والهواتف والسهرات والمكاتب المهيبة.
لكأنّ الملعب طروادة خضراء.
لكأنّ الكرة من جلد ذلك الحصان.
ولعلّ التمثيل لإحداها، لإحدى المؤامرات، أن يذكّر بفصيلتها.
ولنبدأ بالأشدّ مضاضة، تلك التي يُدبّرها قسمٌ من اللّاعبين لأحد زملائهم، فلا يُمرِّرون إليه مهما سنح ومهما برح، كيلا تترسّخ مكانته في الملعب، وإذا فعلوا، فحين يكون بين مدافعين، عسى أن يبوء بكسر أو ينوء بقطع، فيمسي خارج الخدمة لفائدة زميل أقرب هوًى. والمثال الأحدث والأبرز هو ما كان يتعرّض له أشرف حكيمي في باريس سان جيرمان من طرف عظماء الأرجنتين والبرازيل، من خلال الثلاثي ميسي ودي ماريا ونيمار، حتى إذا غادروا الفريق، أمسى ضحيتُهم السابق من ألمع نجومه، وأكثرهم حسمًا للألقاب، إذ في غيابهم فاز مع الفريق بعصبة الأبطال مرّتين حتى الآن. وللمصادفة البديعة، وصفه مدرِّبُه إنريكي، لمجهوداته الخارقة في الملعب، بأنّه يساوي ثلاثة لاعبين.
ولا تَقِلُّ مضاضةً عن هذه تلكَ التي يدبّرها، ضدّ فريقه، هذا اللّاعب مع الخصم، أو ذاك مع مكاتب الرهانْ، حتى إذا انكشفت، وهي غالبًا ما تفعل، سار بذكرها الخرسانْ.
وثمة مؤامرات يدبّرها فريقان بالاتفاق المسبق على نتيجة تُطوِّح بفريق ثالث خارج المسابقة. ولعلّ أشهرها ما بات يُعرف ب “فضيحة خيخون”، نسبة إلى المدينة التي شهدتها. ففي مونديال 82 كان منتخب الجزائر، بأفضل نسخة منه حتى الآن، على موعد مع منتخب ألمانيا الغربية، الذي أبدى بعض عناصره غطرسة مقيتة. فمنهم مَن توعّد، قبل المباراة، باللّعب ببدلته الرسمية، ومنهم مَن بسيجار في فمه، ومنهم مَن شطّ به الغرور حدّ إهداء الهدف السابع للزوجات والهدف الثامن للكلاب… فكانوا بذلك كمن يبيع جلد الدبّ قبل سلخ ثعلب الصحراء، إذ في يوم الامتحانْ، انتصر الجزائريون وانهزم الألمانْ.
بلّومي والذين معه، وبعد أن انهزموا في مباراتهم الثانية ضدّ النمسا، عادوا إلى الانتصار على التشيلي وتصدّروا المجموعة، فما كان من ألمانيا والنمسا إلّا أن اتّفقا على النتيجة التي تسمح لهما باقتسام الصَّدارة مع الجزائر والتفوّق عليها معًا في النسبة العامة. وبذلك، فّوتوا عليها أن تكون أول بلد عربي وإفريقي يمرّ إلى الدور الثاني من كأس العالم، هي التي كانت، بتينك الصفتين، أول بلد يفوز على منتخب أوروبي وبلد لاتيني في نفس الدورة، ليخرج من المنافسة مرفوع الأنف.
نفس السيناريو، مع اختلافات طفيفة في الإخراج، تكرّر مع البرازيل والنرويج ضدّ المغرب في مونديال 98.
ولأنّ لكلّ شَمالٍ شمالًا، فإيطاليا، وهي قوّة كروية عظمى، تعرّضت في اليورو 2004 إلى ما يعرف بـ”مؤامرة البيسكوتو” التي دبّرتها ضدّها كلّ من السويد والدنمارك لإخراجها من المنافسة. ولعلّ اللّافتة التي ظهرت في المدرّجات وهي تحمل عبارة “انتصار دول الشمال” أن تنبّه إلى أنّ إيطاليا ليست سوى شَمالٍ بعض الشيء بالنسبة إلينا نحن الأفارقة، أمّا السويد والدنمارك فهما الشّمَال جِدًّا.
ولأنّ كرة القدم الآن ليس أكبر منها سوى الكرة الأرضية شخصيًّا، فالمؤامرات لم تعد مقتصرة على اللّاعبين والأندية والمنتخبات، بل تعدّت ذلك إلى انخراط الخرائط أيضًا، فقد يسخّر بعضُها أمواله وأجهزته لإفساد العرس في خريطة أخرى. وإذا كان لمثالٍ أن يُضرَب ضربًا مبرّحًا في هذا الباب، فهو ما حدث للمغرب في الكان 2025 من طرف بعض الدول العديقة، نسبة إلى الأعدقاء، وما كشف عنه من دور لكوكب الكرة من إشعاع.
ليست المؤامرات مدفوعة الثمن سوى جزء من فساد رياضي عام، يشمل الحكّام والمسيّرين والوكلاء ومكاتب المراهنات ورؤساء الأندية والاتحادات والمستشهرين وحقوق البث… فهو يجمع غسيل الأموال إلى تضخيم الفواتير ودفع الرشاوى وشراء الحكّام وتوجيه القرعة وتهريب الرّساميل وسوى ذلك من القذارات. ولعلّ الأسماء التي ارتبطت به أن تفضح إلى أيّ حدّ هو مُستشرٍ، إذ يكفي أن نذكر، على سبيل الحصر والحسرة معًا، بلاتيني وجوفنتوس وميلان وبلاتر ومارسيليا وساندو روسيل وبنفيكا وبرنار تابّي وجواو هافيلانج.
وأخيرًا، إذا زهقت الروح الرياضية، وهي غالبًا ما تفعل بالسكتة الأخلاقية، فإنّ اللّعبة تنفق طبعًا. لذلك، فالكثير من المباريات، على جمالها الفاسد حيّةً، إنّما هي الآن عبارة عن جِيَفٍ في مطرح التاريخ.
المصدر:
هسبريس